في الأدب مع الأمِّ وأداء حقِّها | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 11 ذي القعدة 1442 هـ الموافق لـ 21 يونيو 2021 م

الفتوى رقم: ١٢٥٨

الصنف: فتاوى متنوعة ـ الأدب

في الأدب مع الأمِّ وأداء حقِّها

السؤال:

أنا امرأة متزوِّجة ولي بنتان وزوجي لا يعمل، ولمَّا أرهقتنا تكاليف الكراء، انتقلنا إلى بيت أبي؛ إلَّا أنَّ أُمِّي قاسيةٌ جدًّا معنا بحيث قطعت عنَّا الماء، وصِرْتُ أطبخ في الغرفة التي أنام فيها مع زوجي وبناتي، وتدخل علينا من غير استئذانٍ، وقد أكون مع زوجي، كما أنَّها تشتمنا وتسبُّنا، مع العلم أنَّنا على استقامةٍ ظاهريةٍ أنا وزوجي، وهي تدَّعي أنَّها مرابطة(١)، وأنَّها ستشكونا إلى الوَليِّ سيِّدها عبد الرحمن الثعالبي رحمه الله، ولمَّا طلبتُ من إخوتي أن ينصحوها ـ برفق ـ ويردُّوها عن ظُلمها أبَوْا خوفًا منها.

فهل صحيح أنَّه لا يحقُّ مناصحة الأمِّ ـ ولو بلطف ـ وإن كانت مخطئة؟

وأخيرًا ادعُ الله لي بالفَرَج والتيسير، وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمسلمُ يحبُّ لوالديه وأقربائه وسائر المسلمين من الخير ودفع الشَّرِّ ما يُحبُّه لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، فيقوم بواجب النصيحة لهم؛ عملًا بقوله صَلَّى الله عليه وسَلَّم: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ»(٢)، ولقوله صَلَّى الله عليه وسَلَّم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»(٣).

وأن يعاملهم بالرِّفق واللِّين في مقام الدَّعوة والنَّصيحة والتربية؛ لقوله صَلَّى الله عليه وسَلَّم: «مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ»(٤)، ولقوله صَلَّى الله عليه وسَلَّم: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا»(٥) يعني: حقَّه.

وأن لا يؤذيَهم بالقول أو الفعل ولو آذَوْهُ لقوله صَلَّى الله عليه وسَلَّم: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»(٦).

ويجعل صبره واحتمال الأذى في ذات الله عزَّ وجلَّ، فلا يردُّ السَّيِّئةَ بالسَّيِّئةِ أو بما هو أسوأ منها تأثُّرًا بشخصيته وانتقامًا لذاته، بل يدفع السَّيِّئةَ بالحسنة ويعفو ويصبر ويغفر، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ٤٣﴾ [الشورى]، وقوله: ﴿وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤]، وخاصَّةً مع والديه؛ لأنَّهما سببٌ في وجوده، وسعادتُه أو شقاوتُه مرتبطةٌ بهما، لقوله صَلَّى الله عليه وسَلَّم: «رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ»، قِيلَ: مَنْ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ»(٧)، وفي حديث آخر: «الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ»(٨)، ولقوله صَلَّى الله عليه وسَلَّم: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ: عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ»(٩)، ولقوله صَلَّى الله عليه وسَلَّم: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟» ثَلَاثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ» وَجَلَسَ ـ وَكَانَ مُتَّكِئًا ـ فَقَالَ: «أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ»، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ(١٠)، وغيرها من النصوص والآثار.

هذا، وإذا وقع أحد الأبوين أو كلاهما في فعلٍ مُكفِّرٍ اقتضى رِدَّته من الاستغاثة بالأموات ودعاء غير الله والشِّرك به أو إنكارِ وجود الله أو سبِّ الله أو سبِّ رسوله أو دِينه ونحوِ ذلك من المكفِّرات، فإنَّه يستحقُّ ـ والحال هذه ـ البراء مُطلقًا، فيُبغَض بُغضًا لا مَحبَّةَ فيه ولا مَودَّةَ فلا يتخذه وليًّا، لقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ ٢١٤ وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢١٥ فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ٢١٦﴾ [الشعراء]، وقولِه تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١].

علما أنَّه لا يلزم من العمل بعقيدة البراء الإساءةُ لهم بالأقوال والأفعال ما لم يكونوا محاربين؛ قال تعالى: ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٨ إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ ٩[الممتحنة]، «أي: لا ينهاكم الله عن البرِّ والصِّلة، والمكافأة بالمعروف، والقسط للمشركين، مِن أقاربكم وغيرهم، حيث كانوا بحال لم ينتصبوا لقتالكم في الدِّين والإخراج من دياركم، فليس عليكم جناح أن تصِلوهم، فإنَّ صِلتهم في هذه الحالة لا محذورَ فيها ولا مفسدة»(١١)، ويتأكَّد ذلك بخاصَّة مع الوالدين، إذِ الواجب تجاههما البر والإحسان ولو كانا مشركَيْنِ، ومصاحبتهما بالمعروف ممَّا ليس فيه معصيةٌ لله ولا مخالفة لشرعه؛ لأنَّ الله تعالى أوجب طاعتهما وفرض على الولد بِرَّهما والإحسان إليهما حتى قَرَن ذلك بحَقِّه الواجب له من عبادته وحده لا شريك له فقال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا٢٣ وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا٢٤﴾ [الإسراء]، ولقوله تعالى: ﴿وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ﴾ [لقمان: ١٥]. ولقوله صَلَّى الله عليه وسَلَّم: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ»(١٢).

وهذا التعامل ليس قاصرًا عليهما بل يشمل الأقارِبَ وغيرَهم لعموم قوله تعالى: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ﴾ الآية [النساء: ٢٦].

أسأل الله أن يرزقكِ الهُدى والتُّقى والعَفاف والغِنى، وأن يمنحك الصَّبرَ والحِلم والبِرَّ والإحسان وحُسنَ المعاملةِ، وأن يُوسِّع لكِ باب الخيرات ويزيدكِ من فضله.

اللهم فرِّج عنها كلَّ همٍّ وغمٍّ وكربٍ، وأمِّنها مِن كلِّ خوفٍ وذعرٍ، واكشف عنها كُلَّ سوء ومكروه، ويَسِّر الخيرَ كلَّه، لها ولسائر المسلمين، إنَّك سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعاء.

وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٢ صفر ١٤٤٢هـ
الموافق ﻟ: ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٠م



(١) لفظة «مرابط» تُطلق على عِدَّة مفاهيمَ، وترجع إلى ما يسمى بـ: «عقيدة المرابط» التي كان ظهورها من أبرز ما تميَّز به القرن التاسع في الجزائر وكذا انتشار الزوايا وافتتاح عهد التصوُّف، علمًا أنَّه قد شاع التصوُّف في الجزائر بظهور مدرسة عبد الرحمن الثعالبي ومحمَّد بن يوسف السنوسي وأحمد زروق وغيرهم، وكان الانتماء إلى طريقةٍ مِن الطرق لا يُعدُّ نقصًا أو عيبًا ـ في نظرهم ـ بل كان أخذ الطريقة مُعلنًا عنه ومشاعًا بين الناس يمارسه العلماء وغيرهم. أمَّا باقي الناس فيكتفون بالإيمان في نفع وضرِّ شيخ الطريقة (أو المرابط) القريب منهم [«تاريخ الجزائر الثقافي» لسعد الله (١/ ٤٨، ١٨٧)].

(٢) أخرجه مسلم في «الإيمان» (٥٥)، من حديث تميم الداري رضي الله عنه. والحديث علَّقه البخاري في «الإيمان» باب رقم (٤٢).

(٣) أخرجه البخاري في «الإيمان» باب: من الإيمان أن يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه (١٣)، ومسلم في «الإيمان» (٤٥)، من حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه.

(٤) أخرجه البخاري في «الأدب» (٥٩٩٧) باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته، ومسلم في «الفضائل» (٢٣١٨)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٥) أخرجه أحمد في «المسند» (٢٢٧٥٥)، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وحَسَّنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٥/ ٢٣١).

(٦) أخرجه البخاري في «الإيمان» (١٠) باب: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ومسلم في «الإيمان» (٤٠)، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

(٧) أخرجه مسلم في «البر والصلة والآداب» (٢٥٥١)، مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٨) أخرجه الترمذي في «أبواب البر والصلة» (١٩٠٠) باب ما جاء من الفضل في رضا الوالدين، وابن ماجه في «الأدب» (٣٦٦٣) باب بر الوالدين، وأحمد في «المسند» (٢١٧١٧)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧١٤٥).

(٩) أخرجه البخاري في «الأدب» (٥٩٧٥) باب عقوق الوالدين من الكبائر، ومسلم في «الأقضية» (٥٩٣)، من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.

(١٠) أخرجه البخاري في «الشهادات» (٢٦٥٤) باب ما قيل في شهادة الزور، ومسلم في «الإيمان» (٨٧)، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.

(١١) «تفسير السعدي» (٨٥٦).

(١٢) أخرجه أحمد في «المسند» (١٠٩٥)، من حديث علي رضي الله عنه. وصحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٧٩).