في حكمِ رَسمِ حاجبٍ على وَجهِ بنتٍ فقَدَتْهُ نتيجةَ مرضٍ جلديٍّ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 12 ذي الحجة 1445 هـ الموافق لـ 18 يونيو 2024 م

الفتوى رقم: ١٣٧٣

الصنف: فتاوى الأسرة ـ المرأة

في حكمِ رَسمِ حاجبٍ
على وَجهِ بنتٍ فقَدَتْهُ نتيجةَ مرضٍ جلديٍّ

السُّؤال:

لي بنتٌ صغيرةٌ في السِّنِّ، وُلِدَتْ مِنْ غيرِ حاجبِ العين، كانت تتناولُ بعضَ الأدويةِ التي تخصُّ حالَتها هذه، فعادت عليها بالضَّرر في جِسمِها، فاقْترَحوا عليَّ أَنْ أضعَ لها شيئًا يُشبِهُ الوشمَ يُوضَعُ موضِعَ الحاجبِ، ويدومُ لمدَّةِ سَنَةٍ ثمَّ يزولُ، ما حكمُ هذا الفعلِ ـ لو تفضَّلتُم ـ بارك الله فيكم؟

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقد يكون عدمُ وجودِ الشَّعرِ في الحواجبِ والجفونِ مِنَ النَّاحيةِ الطِّبِّيَّة ضِمنَ مُتلازِمةٍ وراثيَّةٍ، وقد يكونُ ناتجًا عن وجودِ مرضٍ جلديٍّ سواءٌ كان مِنَ الولادة أو طارئًا، مُؤقَّتًا كان أم دائمًا؛ والمعلومُ أنَّ الشَّرعَ نهَى عن التَّغييرِ لخَلْقِ الله إذا كان يُبتغى به التَّحسينُ والتَّزيينُ والتَّجميلُ دون ما كان داءً أو عِلَّةً أو مرضًا أو تشوُّهًا في حادثةِ مرورٍ أو حرقٍ ونحوِ ذلك.

وعليهِ، فإِنْ كان رسمُ الحواجبِ لإزالةِ تشوُّهٍ ناتجٍ عن مرضٍ أو حرقٍ وغيرِهما احتاجَت إليه، فإنَّ ذلك لا يدخُل في بابِ التَّجميلِ والتَّزيينِ المحرَّمِ وليس مِنَ التَّغيير لخَلْقِ الله للحُسن، وإنَّما هو مِنْ بابِ إزالةِ العيبِ ورفعِ الأذَى المعنويِّ، ومحاولةِ إرجاعِ صورةِ الوجهِ إلى أصلِ خِلقتِه، ويدلُّ على صِحَّةِ هذا التَّفريقِ حديثُ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ النَّامِصَةِ وَالْوَاشِرَةِ وَالْوَاصِلَةِ وَالْوَاشِمَةِ؛ إِلَّا مِنْ دَاءٍ»(١)؛ قال الشَّوكانيُّ ـ رحمه الله ـ: «قولُه: [إلَّا مِنْ داءٍ]: ظاهرُه أنَّ التَّحريمَ المذكورَ إنَّما هو فيمَا إذا كان لقصدِ التَّحسينِ لا لداءٍ وعِلَّةٍ؛ فإنَّه ليس بمُحرَّمٍ»(٢)؛ ويؤيِّدُ هذا المعنى قولُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «لُعِنَتِ الْوَاصِلَةُ وَالْمُسْتَوْصِلَةُ وَالنَّامِصَةُ وَالْمُتَنَمِّصَةُ وَالْوَاشِمَةُ وَالْمُسْتَوْشِمَةُ مِنْ غَيْرِ دَاءٍ»(٣)؛ قال ابنُ رسلان ـ رحمه الله ـ:  «وأمَّا قولُه: [مِنْ غيرِ داءٍ]: فهو قيدٌ في المسألةِ، والمعنى: أنَّ التَّحريمَ المذكورَ هو فيمَا إذا كانَ لِتَحسينِ المرأةِ لزوجِها لا لِداءٍ وعلَّةٍ بها، فإِنِ احتاجَتْ إليه لداءٍ بها وفعلَتْه للعلاجِ منه أو لضرورةٍ شرعيَّةٍ دعَتْ إليه لم يَحرُم»(٤)؛ ولأجلِ الحاجةِ أو الضَّرورةِ العلاجيَّةِ يُؤذَنُ في التَّغييرِ عملًا بقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»(٥)؛ علمًا أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد أَذِن في اتِّخاذِ أنفٍ مِنْ ذهبٍ رفعًا للأذَى والنَّتانةِ كما في حديثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ طَرَفَةَ: «أَنَّ جَدَّهُ عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ [أي: فضَّةٍ] فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ»(٦).

هذا، وإذا أمكنَ ـ طِبِّيًّا ـ زراعةُ الحواجبِ باستخدامِ بُصَيلاتِ الشَّعرِ المأخوذةِ مِنْ فَرْوَةِ رأسِ المريضِ نفسِه؛ فإنَّ زراعةَ الحاجبِ ـ حينَئذٍ ـ تكونُ أَفيَدَ للمريضِ مِنْ رسمه وأليقَ مِنْ وشمِه(٧)؛ ذلك لأنَّ الحاجبَ ـ فضلًا عن كونِه أحدَ المميِّزات الَّتي تزيدُ الوجهَ بهاءً وجمالًا ـ فهو يقومُ ـ أيضًا ـ بحمايةِ العَينِ مِنَ السَّوائلِ كالعَرَقِ والمَطَرِ، كما يَمنعُ قشرةَ الرَّأسِ مِنَ الدُّخولِ إليها.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٩ شوَّال ١٤٤٥ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٨ مايو ٢٠٢٤م



(١) أخرجه أحمد في «مُسنَده» (٣٩٤٥) مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه؛ قال أحمد شاكر في «تحقيقه» (٦/ ٢١): «إسنادُه صحيح»؛ وقال مُحقِّقُو طبعةِ الرِّسالة مِنَ المُسنَد (٧/ ٥٨): «إسنادُه قويٌّ».

(٢) «نيل الأوطار» للشوكاني (٧/ ٣٨٦)

(٣) أخرجه أبو داود في «التَّرجُّل» بابٌ في صِلَةِ الشَّعر (٤١٧٠). وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح أبي داود» (٢/ ٥٣٨).

(٤) «شرح سُنَن أبي داود» لابن رسلان (١٦/ ٥٠١)

(٥) أخرجه ابنُ ماجه في «الأحكام» بابُ مَنْ بنى في حقِّه ما يضرُّ بجاره (٢٣٤٠) مِنْ حديثِ عُبادةَ بنِ الصَّامت رضي الله عنه، و(٢٣٤١) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٨٩٦) و«السِّلسلة الصَّحيحة» (٢٥٠) و«صحيح الجامع» (٧٥١٧).

(٦) أخرجه أبو داود في «الخاتم» بابُ ما جاء في ربط الأسنان بالذَّهب (٤٢٣٢)، وأحمد في «مُسنَده» (١٩٠٠٦، ٢٠٢٧١ ـ ٢٠٢٧٥). قال الأرناؤوط في تحقيقه للسُّنَن (٦/ ٢٨٧) وللمُسنَد (٣١/ ٣٤٤، ٣٣/ ٣٩٨ ـ ٤٠٠): «إسنادُه حسنٌ»، وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح أبي داود» (٢/ ٥٥٢).

(٧) انظر الفتوى رقم: (1038) الموسومة ﺑ: «في حكم زراعة الشَّعر» على الموقع الرسميِّ.