في حكم أخذ الأجرة على الحجامة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 9 ذي الحجة 1445 هـ الموافق لـ 15 يونيو 2024 م

الفتوى رقم: ٤٣٤

الصنف: فتاوى المعاملات الماليَّة ـ الإجارة

في حكم أخذ الأجرة على الحجامة

السؤال:

ما حكم أخذ الأجرة على الحجامة؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فكسبُ الحجَّام حلالٌ، وما صحَّ مِنْ أحاديثَ في ذَمِّهِ محمولٌ على الكراهة التنزيهيةِ على ما عليه الجمهور استدلالًا بحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قَالَ: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْطَى الَّذِي حَجَمَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ»(١)، وفي رواية أبي داود: «وَلَوْ عَلِمَهُ خَبِيثًا لَمْ يُعْطِهِ»(٢)، فدلَّ ذلك على عدم التحريم؛ كما استدلُّوا بحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا حَجَّامًا فَحَجَمَهُ، وَسَأَلَهُ: «كَمْ خَرَاجُكَ؟» فَقَالَ: «ثَلَاثَةُ آصُعٍ»، فَوَضَعَ عَنْهُ صَاعًا وَأَعْطَاهُ أَجْرَهُ»(٣)، وبحديث عليٍّ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ، وَأَمَرَنِي فَأَعْطَيْتُ الْحَجَّامَ أَجْرَهُ»(٤)، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَكَلَّمَ أَهْلَهُ فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ»(٥).

أمَّا حديث أبي مسعود وأبي هريرة رضي الله عنهما قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَسْبِ الحَجَّامِ»(٦)، وحديث رافع بن خديج رضي الله عنه أنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قال: «كَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ»(٧)، وقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَا أَصَابَ الحَجَّامُ فَاعْلِفُوهُ النَّاضِحَ»(٨)، فهي محمولةٌ على الكراهة التنزيهية ـ لدناءة العمل وخِسَّته ـ لا على التحريم، إذ يُسمَّى رذيلُ المال ودنيئُه خبيثًا كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ[البقرة: ٢٦٧]، قال النووي ـ رحمه الله ـ: «وحملوا هذه الأحاديثَ التي في النهي على التنزيه والارتفاع عن دنيء الأكساب والحثِّ على مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، ولو كان حرامًا لم يفرِّق فيه بين الحرِّ والعبد، فإنه لا يجوز للرَّجل أَنْ يُطعِم عبدَه ما لا يَحِلُّ»(٩).

وعليه فإنَّ دفْعَ التعارض يكون بحمل النهي على الكراهة التنزيهية جمعًا بين الأدلَّة.

هذا، ولا يُلحَق كسبُ الحجَّام بثمن الكلب وأجرِ الزانية بدلالة الاقتران في قوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «ثَمَنُ الكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ البَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ»(١٠)؛ فإنهما على التَّحريم؛ لأنَّ الكلب نجسُ الذات محرَّمُ العَيْن، و«ما حُرِّم لذاته حُرِّمَ ثمنُه» لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «وَإِنَّ اللهَ إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا ـ أو: أَكْلَ شَيْءٍ ـ حَرَّمَ ثَمَنَهُ»(١١)؛ ولأنَّ الزِّنا محرَّمٌ، وبَذْلَ العِوَضِ عليه وأَخْذَه مِثلُه في الحرمة؛ لأنَّه وسيلةٌ إلى محرَّمٍ، والوسائل لها حكمُ المقاصد؛ ودلالة الاقتران ضعيفةٌ عند الأصوليين؛ لأنَّ «الاقتران في النَّظم لا يستلزم الاقترانَ في الحكم»؛ إذ قد يَجمع الكلامُ بين القرائن في اللفظ ويفرِّق بينها في المعاني والحكم بحسب الأغراض والمقاصد، وهذا إنَّما يُعلَم بدلائل الأصول وباعتبار معانيها.

هذا، والحجامة معدودة مِن فنون الطبِّ، وفيها نفعُ الأبدان وصلاحُها، وقد يجوز فيها ما لا يجوز في الطبِّ كما يُشترط فيها ما لَا يُشترط فيه في الجملة، قال نجم الدِّين بن قدامة ـ رحمه الله ـ: «ولا يُتعجَّب مِن قولِنا: إنَّ الطبَّ والحساب من فروض الكفاية(١٢)، فإنَّ أصول الصِّناعات ـ أيضًا ـ مِنْ فروض الكفاية كالفلاحة والحياكة بل الحجامة، فإنَّه لو خلا البلد عن حجَّامٍ لَأَسرعَ الهلاكُ إليهم، فإنَّ الذي أنزل الداءَ أنزل الدواءَ وأرشد إلى استعماله»(١٣).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٩ ربيع الثاني ١٤٢٧ﻫ
المــوافق ﻟ: ٢٧ مـاي ٢٠٠٦م

 



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاري في «البيوع» باب ذكر الحجَّام (٢١٠٣)، ومسلم في «المساقاة» وفي «السلام» (١٢٠٢)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(٢) أخرجه أبو داود في «الإجارة» بابٌ في كسب الحجَّام (٣٤٢٣)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(٣) أخرجه الترمذيُّ في «الشمائل المحمَّديَّة» (٣٠١) رقم: (٣٦٤)، مِنْ حديث عبد الله بنِ عمر رضي الله عنهما، وصحَّحه الألبانيُّ في «مختصر الشمائل المحمَّديَّة» (٣١٢).

(٤) أخرجه أحمد في «مسنده» (٦٩٢، ١١٣٠)، وابن ماجه في «التجارات» باب كسب الحجَّام (٢١٦٣)، واللفظ مِنَ «الشمائل المحمَّديَّة» للترمذي (٣٠٠) رقم: (٣٦٢)، مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «مختصر الشمائل المحمَّديَّة» (٣١٠).

(٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الطِّبِّ» باب الحِجَامَة مِنَ الدَّاء (٥٦٩٦)، ومسلمٌ في «المساقاة» (١٥٧٧) واللفظُ له، مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه.

(٦) أخرجه النسائيُّ في «البيوع» بابُ بيعِ ضِرَابِ الجمل (٤٦٧٣) مِنْ حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه ابن ماجه في «التجارات» باب كَسْب الحجَّام (٢١٦٥)، مِنْ حديثِ أبي مسعودٍ عُقبةَ بنِ عمرٍو رضي الله عنه. وصحَّحه العراقيُّ في تخريج «الإحياء» (٢/ ١٤٣)، والألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٩٧٦).

(٧) أخرجه مسلمٌ في «المساقاة والمزارعة» (١٥٦٨) مِنْ حديثِ رافع بنِ خديجٍ رضي الله عنه.

(٨) أخرجه أحمد (١٧٢٦٨) مِنْ حديثِ رافع بنِ خديجٍ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٣/ ٣٩٠). وفسَّره بعضهم بالرقيق (العبيد) الذين يكونون في الإبل، فالغلمان نُضَّاحٌ، والإبل نواضِحُ [«النهاية» لابن الأثير (٥/ ٦٩)].

(٩) «شرح مسلم» للنووي (١٠/ ٢٣٣).

(١١) أخرجه أحمد في «مسنده» (٢٦٧٨)، وابنُ حِبَّان في «صحيحه» (٤٩٣٨)، والدارقطنيُّ (٢٨١٥)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وصحَّحه الألبانيُّ في «غاية المَرام» (٣١٨).

(١٢) انظر الفتوى رقم: (328) الموسومة ﺑ: «في حكم تعلُّم الطِّبِّ بعد حصول الكفاية فيه وانتفاء الحاجة إليه» على موقعي الرسميِّ.

(١٣) «مختصر منهاج القاصدين» لأبي العبَّاس بن قدامة (١٧).