في حكم تعلُّم الطبِّ بعد حصول الكفاية فيه وانتفاء الحاجة إليه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 6 جمادى الآخرة 1442 هـ الموافق لـ 19 جانفي 2021 م



الفتوى رقم: ٣٢٨

الصنف: فتاوى طبِّية

في حكم تعلُّم الطبِّ بعد حصول الكفاية فيه وانتفاء الحاجة إليه

السؤال: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: «وقد ذكر طائفة من أصحابنا وغيرهم: أنَّ أصول الصناعات كالفلاحة، والحياكة، والبناية فرض على الكفاية، والتحقيق: أنها فرض عند الحاجة إليها، وأما مع الاستغناء عنها فلا تجب»(١).

فهل علم الطب يندرج تحت كلام شيخ الإسلام مع العلم أنَّ الحاجة الداعية لتعلمه متحققة في كل زمان ومكان؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أما بعد:

فاعلم أنَّ المعني "بطائفة من أصحابنا وغيرهم" من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله- منهم: أبو الفرج ابن الجوزي، وابن قدامة، والغزالي، فقد اختصر أبو العباس بن قدامة المقدسي الحنبلي كتاب "منهاج القاصدين" لابن الجوزي الحنبلي الذي اختصر" المنهاج" من كتاب"إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي الشافعي، وقد جاء في "مختصر منهاج القاصدين" لابن قدامة:" فأمَّا فرض الكفاية فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا،كالطب إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان على الصحة... فهذه العلوم لو خلا البلد عمن يقوم بها حَرَجَ أهل البلد، وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الباقين، ولا يتعجب من قولنا: إنَّ الطب والحساب من فروض الكفاية، فإنَّ أصول الصناعات أيضًا من فروض الكفاية،كالفلاحة والحياكة، بل الحجامة فإنه لو خلا البلد عن حجام لأسرع الهلاك إليهم، فإنَّ الذي أنزل الداء أنزل الدواء وأرشد إلى استعماله"(٢).

وعليه، فإنَّ علم الطب الذي يعرف به أحوال بدن الإنسان من جهة ما يعرض لها من صحة وفساد، علم نظري وعملي، معدود من العلوم العقلية كالحساب، وإذا كانت الحِرف والصناعات التي يحتاج إليها الناس في معايشهم، كالفلاحة ونحوها على فرض الكفاية فالطب والحساب أولى على ما ذكره أبو حامد الغزالي، غير أنَّ فرضية تعلم الطب على الكفاية مبنية على وجود الحاجة إليه، والحاجة متفاوتة القدر بحسب الأحوال والأزمنة والأمكنة، وبحسب تفاوت الظروف والأحوال، لكن إذا كانت كفاية بلد من الأطباء يغطون حاجيات الناس إلى العلاج بدفع العلل والأمراض عن أبدانهم، فإنَّ فرضيته الكفائية يمكن أن تنحصر في القضايا الطبية الجديرة بإتقانها والتفنن فيها، والتي هي سبيل لتقوية شوكة المسلمين، والاستغناء عن الأطباء الكفار، أما ما عداها بعد حصول الكفاية فيبقى الترغيب ملحًا في تعلمه، وتعليمه، وتطبيقه، لنفع العباد وصلاح أبدانهم، لذلك كانت عناية علماء الإسلام وفقهائه فائقة في تعلمه وتعليمه والكتابة فيه بما هو مبثوث في مؤلفاتهم.

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلم تسليما.

الجزائر في: ٢٠ من المحرَّم ١٤٢٧ﻫ
الموافق ﻟ: ١٩ فبراير ٢٠٠٦م


(١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: ٢٨/ ٧٩، ٢٩/ ١٩٤.

(٢) «مختصر منهاج القاصدين» لابن قدامة: [١٦].