في حكم صيام شهر الله المحرَّم | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 10 ذي القعدة 1445 هـ الموافق لـ 18 مايو 2024 م



الفتوى رقم: ٨١٧

الصنف: فتاوى الصيام ـ صوم التطوُّع

في حكم صيام شهر الله المحرَّم

السؤال:

هل يُشرَعُ صيامُ شهرِ مُحرَّمٍ كُلِّه؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فَقَبْلَ الجوابِ على سؤالكم فينبغي التنبيهُ على خطإٍ شائعٍ في إطلاق لفظِ «محرَّم» مجرَّدًا عن الألف واللَّام؛ ذلك لأنَّ الصوابَ إطلاقُه معرَّفًا، بأَنْ يقال: «المحرَّم»، لورود الأحاديث النبويَّة بها معرَّفةً؛ ولأنَّ العربَ لم تذكر هذا الشهرَ في مقالهم وأشعارهم إلَّا معرَّفًا بالألف واللام، دون بقيَّة الشهور؛ فإطلاقُ تسمِيَتِه إذًا سماعيٌّ وليس قياسيًّا.

هذا، وشهر المحرَّم محلٌّ للصيام؛ لذلك يُستحَبُّ الإكثارُ مِنَ الصيام فيه؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ»(١).

ويتأكَّد استحبابُ صومِ عاشوراءَ وهو اليومُ العاشرُ مِنَ المحرَّم لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ، وَلَمْ يَكْتُبِ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، وَأَنَا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ»(٢)؛ وصيامُ عاشوراءَ يكفِّر السَّنَةَ الماضية لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاء، أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ»(٣)؛ ويُستحَبُّ أَنْ يتقدَّمَه بصومِ يومٍ قبلَه وهو التاسعُ مِنَ المحرَّم؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «حِينَ صَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ ـ إِنْ شَاءَ اللهُ ـ صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ»»، قَالَ: «فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»(٤)، وفي روايةٍ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ»(٥)؛ كما يُستحَبُّ له أَنْ يصوم يومًا بعده وهو اليومُ الحادي عَشَرَ لِمَا رُوِيَ موقوفًا صحيحًا عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما مِنْ قوله: «صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاء، وَخَالِفُوا [فيه] اليَهُودَ، صُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا أَوْ بَعْدَهُ يَوْمًا»(٦)؛ قال الحافظ ـ رحمه الله ـ: «..صيامُ عاشوراءَ على ثلاثِ مَراتِبَ: أدناها: أَنْ يُصامَ وَحْدَه، وفوقَه: أَنْ يُصامَ التاسعُ معه، وفوقَه: أَنْ يُصامَ التاسعُ والحادي عَشَرَ»(٧).

وجديرٌ بالتنبيه أنَّ شهرَ اللهِ المحرَّمَ يجوز الصيامُ فيه مِنْ غيرِ تخصيصِ صومِ يومِ آخِرِ العامِ بِنيَّةِ توديع السَّنَةِ الهجريَّة القمريَّة، ولا أوَّلِ يومٍ مِنَ المحرَّم بِنيَّةِ افتتاح العام الجديد بالصيام، باستثناءِ ما ذُكِرَ مِنْ تخصيص عاشوراءَ ويومَيِ المخالفة فيهما لليهود؛ ومَنْ خصَّص آخِرَ العامِ وأوَّلَ العامِ الجديد بالصيام إنما استند على حديثٍ موضوعٍ: «مَنْ صَامَ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ ذِي الحِجَّةِ وَأَوَّلَ يَوْمٍ مِنَ المُحَرَّمِ، فَقَدْ خَتَمَ السَّنَةَ المَاضِيَةَ وَافْتَتَحَ السَّنَةَ المُسْتَقْبَلَةَ بِصَوْمٍ؛ جَعَلَ اللهُ لَهُ كَفَّارَةَ خَمْسِينَ سَنَةً»(٨)، وهو حديثٌ مكذوبٌ ومُختلَقٌ على النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم؛ قال أبو شامة: «ولم يأتِ شيءٌ في أوَّلِ ليلة المحرَّم، وقد فَتَّشْتُ فيما نُقِل مِنَ الآثارِ صحيحًا وضعيفًا وفي الأحاديثِ الموضوعة، فلم أَرَ أحَدًا ذَكَر فيها شيئًا؛ وإنِّي لَأتخوَّف ـ والعياذُ بالله ـ مِنْ مُفْتَرٍ يختلق فيها»(٩).

فلا يُشرَع ـ إذن ـ في شهر المحرَّم ولا في عاشوراءَ شيءٌ إلَّا الصيام؛ أمَّا أداءُ عُمرةِ أوَّل المحرَّم، أو التزامُ ذِكرٍ خاصٍّ أو دعاءٍ، أو إحياءُ ليلةِ عاشوراءَ بالتعبُّد والذِّكر والدعاءِ، فلم يَثبُت في ذلك شيءٌ عن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، ولا عن أصحابه رضي الله عنهم، ولا عن التابعين الكرام؛ قال صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(١٠).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٤ مِنَ المحرَّم ١٤٢٩ﻫ
الموافق ﻟ: ١١/ ٠١/ ٢٠٠٨م

 



(١) أخرجه مسلمٌ في «الصيام» (١١٦٣) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصوم» (٤/ ٢٤٤) بابُ صيامِ يومِ عاشوراءَ (٢٠٠٣)، ومسلمٌ في «الصيام» (٨/ ٨) بابُ صومِ يومِ عاشوراءَ (١١٢٩)، مِنْ حديثِ معاوية بنِ أبي سفيان رضي الله عنهما.

(٣) أخرجه مسلمٌ في «الصيام» (١١٦٢) مِنْ حديثِ أبي قتادة الأنصاريِّ رضي الله عنه.

(٤) أخرجه مسلمٌ في «الصيام» (١١٣٤) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٥) أخرجه مسلمٌ في «الصيام» (٨/ ١٣) بابُ صومِ يومِ عاشوراء (١١٣٤) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

غير أنَّ العلماء يختلفون في وجوبه قبل أَنْ يُكتب رمضانُ، [انظر: «المنتقى» للباجي (٢/ ٥٨)، «المقدِّمات الممهِّدات» لابن رشد الجد (١/ ٢٤٢)، «الاعتبار» للحازمي (٣٤٠)، «المغني» لابن قدامة (٣/ ١٧٣)، «المجموع» للنووي (٦/ ٣٨٢)، «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٢٤٦)].

(٦) أخرجه مرفوعًا: ابنُ خزيمة في «صحيحه» (٢٠٩٥)، وأحمد في «مسنده» (٢١٥٤)، قال الألبانيُّ في «صحيح ابنِ خزيمة» (٣/ ٢٩٠): «إسنادُه ضعيفٌ لسُوءِ حفظِ ابنِ أبي ليلى، وخالفه عطاءٌ وغيرُه فرواه عن ابنِ عبَّاسٍ موقوفًا، وسندُه صحيحٌ عند الطحاويِّ والبيهقيِّ».

وأخرجه موقوفًا: الطبريُّ في «تهذيب الآثار» (مسند عمر/ ١٤٣٠)، والأثر صحَّحه الألبانيُّ كما سَبَق، وزكريَّا بنُ غلام قادر الباكستاني في «ما صحَّ مِنْ آثار الصحابة في الفقه» (٢/ ٦٧٥).

(٧) «فتح الباري» لابن حجر (٤/ ٢٤٦).

(٨) حَكَم عليه بالوضع: ابنُ الجوزيِّ في «الموضوعات» (٢/ ١٩٩)، والسيوطيُّ في «اللآلئ المصنوعة» (٢/ ١٠٨)، والشوكاني في «الفوائد المجموعة» (ص:٩٦).

(٩) «الباعث على إنكار البِدَع والحوادث» لأبي شامة (٢٣٩).

(١٠) أخرجه بهذا اللفظِ مسلمٌ في «الأقضية» (١٢/ ١٦) بابُ نقضِ الأحكام الباطلة وردِّ مُحدَثاتِ الأمور (١٧١٨) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها؛ واتَّفق الشيخان على إخراجه عنها بلفظ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»: البخاريُّ في «الصلح» (٥/ ٣٠١) باب: إذا اصطلحوا على صُلحِ جَوْرٍ فالصلحُ مردودٌ (٢٦٩٧)، ومسلمٌ في «الأقضية» (١٢/ ١٦) رقم: (١٧١٨)؛ وعند البخاريِّ: «مَا لَيْسَ فِيهِ...».