Skip to Content
الثلاثاء 17 شعبان 1445 هـ الموافق لـ 27 فبراير 2024 م

ـ الحلقة الثانية ـ

نصُّ الحديثين:

١/  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ: أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ»(١).

٢/  وعنه رضي الله عنه أنَّ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قَالَ: «إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا»(٢).

٣/  وعنه ـ أيضًا ـ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مِرَارٍ»(٣).

٤/  وعن عبدِ اللهِ بنِ مُغَفَّل رضي الله عنه: أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم قَالَ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ»(٤).

خامسًا: الفوائد والأحكام المستنبطة من الحديث:

يتضمَّن الحديث فوائدَ وأحكامًا كثيرةً، ويتفرَّع منه فروعٌ أخرى، ويمكن أن نجملها في النقاط التالية:

١ ـ استُدِلَّ بظاهر الحديث ـ في قوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ» ـ على نجاسة لعابِ الكلبِ وسُؤْرِه وما وَلَغَ فيه، وهو مذهبُ الجمهور، وما يتفرَّع عنه من نجاسة أجزاء بدنه وجميع فضلاته، وأنَّ الطَّهور محمولٌ على الحقيقة الشرعية، أي: أنَّ نجاسة الكلب ـ عندهم ـ أصلية لا عارضة؛ وهذه المسألة خلافية ستأتي مُفصَّلةً في فقه الحديث.

٢ ـ استُدِلَّ بقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «طُهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ» على أنَّ «طهور» اسمٌ مشتركٌ يدور على معانٍ مختلفةٍ: فقد يَصلح للتعبُّد مثل غَسل الجنابة والوضوء، أو إزالةِ حدثٍ مثل غُسل الطِّيب مِن ثوبِ مُحْرِم؛ وقد يَصلح لإزالة النَّجَس الذي يقع على الثَّوب والبَدَن والمكان، وتطهيره إزالة النجاسة؛ ويَصلح لإزالة القَذَر المُستخبَث الواقع في الأعيان والمكان، وتطهيره للتنزُّه والنَّظافة؛ كما يَصلح لتمييز الشَّيءِ من الأشياء الدنية مثل القول في أزواج رسول الله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: الطَّاهرات، أي: المتميِّز عمَّن يدخل فيما لا يجوز مِنَ الدَّناءة ونحو ذلك(٥).

والمعلوم أنَّ المشترَك هو أحد أسباب الإجمال الذي يتبع الاحتمال، وهو غيرُ متَّضح الدَّلالة، وحُكمه التوقُّف فيه حَتَّى يتبيَّن المرادُ منه، ولا يجوز الاحتجاج بأحد محتمَلاتِه حتَّى ترِد قرينةٌ تدلُّ على المرادِ منه سواءٌ كانت القرينةُ لفظيةً أو سياقيَّةً أو حاليةً أو خارجيَّةً؛ لأنَّ المعنى لم يتعيَّن المراد منه بنفسه لتردُّده بين مَعنيين فأكثر فاحتاج إلى بيان(٦)، وسيأتي ذِكر المسألة في مناقشة الأدلَّة قريبًا.

٣ ـ ظاهرُ قوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ» العمومُ في كلِّ إناءٍ أو وعاءِ ماءٍ أو طعامٍ، وهو ما ذهب إليه الجمهور والقاضي عبد الوهاب واللَّخْمِي من المالكية، إلَّا أنَّ المشهور عند المالكية أن يُغسل إناءُ الماء دون الطعام، وتعليله أنَّ الطعام مصون عن الكلاب ومحفوظٌ عنها لعِزَّته عند العرب، فضلًا عن أنَّه لا يجوز إراقة الطعام لنهي النبي صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم عن إضاعة المال(٧).

والقول بالعموم أظهر؛ لأنَّه لو كان المولوغ فيه باقيًا على طهارته مِن نجاسة أو قذارة لم يُؤمر بغسله وإراقته سواء كان ماءً أو لبنًا أو زيتًا ونحو ذلك، وحتَّى لو ثبت ذلك تعبُّدًا ولم يكن معلَّلًا بالنَّجاسة إلَّا أنَّه قد ثبت طبِّيًّا بواسطة الأبحاث والمجاهر الحديثة أنَّ في لعاب الكلب جراثيمَ وأمراضًا فَتَّاكةً لا تزول بالماء وحده، ولا يخفى أنَّ حِفظ النَّفس أولى مِنْ حفظ المال.

٤ ـ ظاهر قوله: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ» العموم في دخول كلِّ إناءٍ متَّصل بالمائع الذي تناوله الكلب بلسانه من الماء وسائر المائعات كاللَّبن والزَّيت ونحوهما، وهو عامٌّ فيما يصل إليه لسان الكلب وما لا يصل إليه؛ لأنَّ الواجب إراقةُ ما أصابه الكلب بفمه ثمَّ غَسْل الإناء من ولوغه، وخرج منه الجامد؛ لأنَّ غَسل الإناء لا يجب إلَّا من رطوبة(٨)؛ قال النووي ـ رحمه الله ـ: «ولو ولغ في إناءٍ فيه طعام جامدٌ ألقي ما أصابه وما حَوله وانْتُفِعَ بالباقي على طهارته السابقة كما في الفأرة تموت في السمن الجامد»(٩).

٥ ـ وقوله: «إِنَاءِ أَحَدِكُمْ» شاملٌ لكلِّ إناءٍ، وذِكْرُ الإناء لم يخرج مخرجَ القَيْدِ حتى يخرج منه ما كان من المياه في غير الآنية إلَّا أن يكون الأمر تعبُّديًّا، وإنَّما خرج مخرجَ الغالب الأعمِّ؛ لأنَّ العادة الغالبة هي وضع مياههم وأطعمتهم في الآنية، وعليه، فليس للحديث مفهوم مخالفة (دليل الخطاب)، فولوغ الكلب في غير الأواني لا يخرجه عن حكم الولوغ في الآنية(١٠)، وإنَّما خُصَّت الأواني؛ لأنَّ الكلاب في الحَضَر تلغ في الأواني بخلاف الصحارى ومكان الصَّيد فلا تكون الأواني، وأمَّا تخصيص داخل الأواني فلأنَّه موضع الاستعمال، والقَذَرُ مِن الرِّيق واللُّعاب يحصل داخل الإناء، وأمَّا تخصيص الماء في الإناء ـ عادة ـ فلأنَّه لا يُحفظ كما تُحفظ سائر المائعات، وأنَّ الكلب ـ في الغالب ـ يشرب الماء دون غيره من المائعات(١١).

٦ ـ الإضافة الواردة في قوله: «أَحَدِكُمْ» ملغاة لا اعتبار لها؛ لأنَّ التطهير لا يتوقَّف على ملكية صاحب الإناء(١٢).

٧ ـ رواية «الولوغ» ورواية «الشرب» وإن كانتا متقاربتين في المعنى إلَّا أنَّ الولوغ أعمُّ مِنَ الشُّرب؛ لأنَّ معنى الولوغ إدخال فَمِه أو طَرَفِ لسانه في الماء وتحريكه سواء شَرِب أم لم يشرب؛ لذلك كان الشرب أخصَّ مِن الولوغ فلا يقوم مقامه(١٣) ـ كما تقدَّم بيانه في غريب الحديث ـ.

٨ ـ مفهوم الشرط في قوله: «إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ» يقتضي قصرَ الحكم على الولوغ أو الشرب؛ لأنَّ مفهوم الشَّرْطِ حُجَّة عند الأكثرين ولا يتعدَّى إلى اللَّعْقِ واللَّحس؛ ومفهومه ـ أيضًا ـ عند من قال: إنَّه لو وقع لعابه في الإناء مِنْ غير أن يلغ فيه أنَّه لا يُغسل الإناء منه ولا ينجس ما فيه، أمَّا لو بال الكلب في الإناء أو تغوَّط فيه فلا يجب غَسله سبعًا وإنَّما يغسل مَرَّة واحدة كسائر النجاسات؛ لتقييد الأمر بالولوغ أو الشرب، وهو وجهٌ لبعض الشافعية في غير لعابه(١٤).

قال العراقي ـ رحمه الله ـ: «والمذهب الصحيح الذي نصَّ عليه الشافعيُّ وجَزَم به عامَّةُ أصحابه: وجوب التسبيع في سائر أجزاء الكلب، وأنَّه إنَّما نصَّ على الولوغ لكونه الغالبَ فيما تصيبه الكلاب من الأواني، فإنها إنَّما تقصد الأكل والشرب مِنَ الأواني؛ فخرج بذلك مخرجَ الغالب لا مخرجَ الشرط»(١٥).

٩ ـ وظاهر قوله: «إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ» عامٌّ في جميع الكلاب؛ لأنَّ الألف واللام في لفظ: «الْكَلْب» لعمومِ الجِنس فلا فرق ـ في الحكم ـ بين الكلب المأذون في اتخاذه للصيد أو للضَّرع أو للزرع وغير المأذون في اتخاذه، كما لا فَرْقَ بين الكلب البدوي والحضري؛ لعموم اللفظ السابق، وهو مذهب الجمهور(١٦).

وخالف في ذلك بعض المالكية ممَّن يرى أنَّه يُستثنى من هذا العموم الكلبُ المأذون في اقتنائه بناءً على قاعدة تخصيص العموم بالمعنى المستنبَط من محلِّ النَّص مِن جهة، ولما في ذلك من دفع المشقة ـ من جهة أخرى ـ، إذ مشقَّة الغسل وحرجها إنَّما يتناسب مع اتخاذ ما مُنع من اتخاذه لا مع ما هو مباحٌ، و«المَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ»(١٧).

ومذهب الجمهور أصحُّ سواء كان الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب فيه ثبت تعبُّدًا أو للتعليل، قال ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ: «وفي هذا الحديث دليلٌ على أنَّ الكلب الذي أبيحَ اتخاذه هو المأمور فيه بغسل الإناء من ولوغه سبعًا، وهذا يشهد له النَّظر والمعقول؛ لأنَّ ما لم يُبَحِ اتخاذُه وأُمِرَ بقتله محالٌ أن يُتعبَّد فيه بشيء؛ لأنَّ ما أُمر بقتله فهو معدوم لا موجود، وما أبيح لنا اتخاذه للصيد والماشية أُمرنا بغسل الإناء مِن ولوغه»(١٨)، هذا من جهة، ولأنَّ التَّخصيص خلاف العموم، وحمله على العهد يحتاج إلى قرينةٍ تُبيِّن ذلك، فإن لم توجد قرينةٌ فلا تصلح المناسبةُ المُستنبَطةُ مِنَ اللفظ لتكونَ علَّةً تعود عليه بالتخصيص، ولأنَّ جمهور الأصوليِّين ـ من جهة أخرى ـ يمنعون قاعدة تخصيص العموم بالمعنى المستنبط مِنْ محلِّ النَّص، لأنَّ مقصود الشرع من الاستنباط إنَّما هو توسيع مجاري الأحكام لا تضييقها وإخراج بعض ما تناوله لفظ العموم منها(١٩).

يتفرع عن ذلك: مسألة تعدُّد الولوغ من كلبٍ واحدٍ أو مِن جماعة مِنْ الكلاب في إناءٍ واحدٍ، فهل يُغسل الإناء سبعًا مَرَّةً واحدةً للجميع على الوجه المأمور به، أم يتكرَّر الغَسل بتكرُّر سببه وهو الولوغ؟

ومبنى هذه المسألة على ما تقرَّر في المسألة السابقة هل الألف واللام في «الْكَلْب» لعموم الجِنس أم للعهد؟(٢٠).

والصحيح الأوَّل، وهو أنَّ الأصل في الألف واللام أن يُحمل على عموم الجِنس ما لم تكن قرينة عهدٍ، ويؤيِّدُه ما تقرَّر أنَّ الأسباب التي اتَّحد مُوجَبُها ولم يختلف مقصودُها تتداخلُ وتصيرُ كالسبب الواحد غالبًا(٢١)، وعليه فإنَّه يُغسل مَرَّةً واحدةً للجميع سبعًا.

١٠ ـ ليس في قوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ» حذفٌ أو إضمارٌ على الصحيح؛ لأنَّ «الأَصْلَ فِي اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِلًّا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إِضْمَارٍ»(٢٢)، وفي هذا المقام لا يحتاج إليه اللفظ؛ لأنَّ الكلب إذا ولغ فيما في الإناء فقد ولغ في الإناء، فكان الإناء وعاءً لِوُلُوغِه وظرفًا له، ويرجع الضمير في قوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «فَلْيُرِقُهُ» إلى الإناء، وكذا الضمير في قوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «ثُمَّ لْيَغْسِلْهُ» إلى الإناء ـ أيضًا ـ فتتَّحدُّ ـ بذلك ـ الضمائر ولا تختلف، وتنسجم ولا تضطرب.

بينما إذا حُمِل على الإضمار ـ وهو على خلاف الأصل ـ فيكون تقديره: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي شَرَابِ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ» فإنَّ الضمير في قوله: «فَلْيُرِقُهُ» يرجع إلى الشراب، والضميرَ في قوله: «ثُمَّ لْيَغْسِلْهُ» يرجع إلى الإناء، وبذلك تختلف الضمائر مع المجاورة في اللَّفظ، فكان حمله على الاستقلال أَولى من الإضمار لعدم اضطرابه ولا اختلافه(٢٣).

١١ ـ قوله: «أَنْ يَغْسِلَهُ» لا يتوقَّف الغسل على أن يكون مالك الإناء هو الغاسل، فيجوز أن يغسله غيرُ المالك، وإنَّما أضيف توجيه الأمر بالغسل إليه لأنَّ غالب مَن يقوم بالغسل هو مالك الإناء(٢٤).

١٢ ـ والأمر في قوله: «فَلْيَغْسِلْهُ» يقتضي ـ في الأصل ـ غسل الإناء من ولوغ الكلب فيه على الفور، وهو مذهب أكثر الفقهاء، غيرَ أنَّه محمول ـ عندهم ـ على الاستحباب، إلَّا لِمَن أراد أن يستعمل ذلك الإناء، والظاهر أنَّ هذه الحالة المستثناة لا يختلفون في وجوبها على الفور، لكن الخلاف في غير هذه الحالة، ومردُّه إلى أنَّ مَنْ يرى أنَّ صيغة الأمر المطلق تقتضي الفور، وقَصَر الأمرَ على التعبُّد فيناسبه إيجابه على الفور، ومَن يرى أنَّ صِيغة الأمر المطلق لا تقتضي الفور سواء كان الأمر قاصرًا ـ عنده ـ على التعبُّد أو على التنجيس فإنَّه يوجب غسله من غير تقييد، بل متى غسله فقد امتثل(٢٥).

١٣ ـ النظر يقتضي من قوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ» أنَّه لا يُغسل الإناء بالماء الذي ولغ فيه الكلب، وإنَّما هو مأمور بغسل الإناء بماءٍ غيرِه، وهذا ظاهرٌ لِمَنْ عَلَّلَ الأمرَ في غسل الإناء بالنَّجاسة أو القذارة، ولأنَّه مأمورٌ بإراقة الماء الذي ولغ فيه الكلب وطرحِهِ لا باستعماله، إذ المُرَاقُ أعمُّ مِنْ أن يكون ماءً أو طعامًا، فلو كان طاهرًا لم يُؤمر بإراقته للنَّهي عن إضاعة المال(٢٦).

أمَّا مَن بناه على التَّعبُّد فلا يُراق الماء عنده ولا يُجتنب لِمَا فيه مِنْ إضاعة المال، ويجوز غسل الإناء به(٢٧).

والمذهب الأوَّل أصحُّ؛ لأنَّ الماء الذي ولغ فيه الكلب لا يكفي لمعالجة سُؤره بالتطهير، بل يلزم إراقتُه ثمَّ غسل الإناء بعده سَبْعًا أولاهنَّ بالتُّراب كما ثبت بالنَّص، والتقيُّد بالنَّص واجبٌ فضلًا عمَّا يحمله الكلب في لعابه مِنْ أمراضٍ ضارَّةٍ ناجمة عن جراثيمَ فَتَّاكة كما هو ثابتٌ طِبِّيًّا.

١٤ ـ استُدِلَّ بالحديث على تنجيس المائعات إذا وقع في جزءٍ منها نجاسةٌ، وعلى تنجيس الإناء الذي يتَّصل بالمائع، وعلى أنَّ الماء القليل ينجس بوقوع النجاسة فيه وإن لم يتغيَّر، إذ المعلوم أنَّ ولوغ الكلب في الإناء لا يغيِّر الماء الذي فيه غالبًا(٢٨)، وهذه مسألة مَضَت مُفصَّلة في: «القول السديد شرح حديث أبي سعيد رضي الله عنه: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»».

١٥ ـ استُدِلَّ بالحديث ـ أيضًا ـ على أنَّ وُرود الماء على النجاسة يخالف ورودها عليه؛ لأنَّ الأمر بإراقة الماء كان لَمَّا وردت عليه النَّجاسة(٢٩)، وهذه المسألة ـ أيضًا ـ تقدَّمت في «القول السديد شرح حديث أبي سعيد رضي الله عنه: «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»».

١٦ ـ والظاهر أنَّ الأمر بغسل الإناء سَبع مَرَّاتٍ محمولٌ على الوجوب، وهو مذهب الجمهور مِن المالكية والشافعية والحنابلة، غيرَ أنَّه عند المالكية يجب غسل الإناء سَبْعًا تعبُّدًا، أمَّا عند غيرِهم مِمَّن يرى أنَّ الأمر للتعليل فإنَّ الغسل سَبعًا لتطهير النَّجاسة(٣٠)، وقيل غير ذلك(٣١).

وذهب الحنفية إلى أنَّ الإناء يُغسل ثلاثَ مرَّاتٍ وجوبًا فقط ويُستحبُّ الإتمام إلى سبع مَرَّاتٍ(٣٢)، واستدلَّ الحنفية على ذلك بأدلَّة منها:

ما رُوي عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم أنَّه قال في الكلب يلغ في الإناء: «يُغْسَلُ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا»(٣٣)؛ والحديث يدلُّ على عدم تعيين السَّبع لأنَّه مخيَّرٌ ولا تخييرَ في مُعيَّنٍ، فكان ذلك صارفًا عن الوجوب إلى الاستحباب(٣٤).

ولأنَّ أبا هريرة رضي الله عنه راويَ الحديث قد أفتى بغسل الإناء مِن ولوغ الكلب ثلاثَ مرَّاتٍ(٣٥)، والرَّاوي أعلم بما روى، فكان ذلك دليلًا على عدم وجوب الغَسل سبعًا؛ قال الطحاوي ـ رحمه الله ـ: «فلمَّا كان أبو هريرة قد رأى أنَّ الثَّلاثة يُطهِّر الإناءَ مِن وُلوغ الكلب فيه، وقد روى عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم ما ذكرنا ثبت بذلك نسخ السبع؛ لأنَّا نُحسِنُ الظَّنَّ به، فلا نتوهَّم عليه أنَّه يترك ما سمعه مِنَ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم إلَّا إلى مثله، وإلَّا سَقطت عدالته فلم يُقبل قولُه ولا روايته»(٣٦).

وادَّعى بعضُ الحنفيةِ النَّسخَ مِن جهة أنَّ الأمرَ بغَسل الإناء مِن وُلوغ الكلب سبعًا إنَّما كان عند الأمر بقتل الكلاب، فلمَّا نُهيَ عن قتلها نُسِخ الأمر بغسل الإناء من السبع إلى الثلاث(٣٧).

ولأنَّ نجاسة الكلب أخفُّ مِن الغائط أو العَذِرة، ولم يُوجب الشَّرع في الطهارة مِن الغائط أن يُغسل الإناء سَبعًا مع أنَّه أغلظ منه، فلزم أن لا يَجب في سُؤْرِ الكلب التسبيع مِنْ باب التنبيه بالأعلى على الأدنى(٣٨).

لم يُقرَّ الجمهور بمسلك الحنفية، وفَنَّدوا أدلَّتهم بما يلي:

أنَّ الحديث الذي اعتمد عليه الحنفية في تقرير مذهبهم ضعيفٌ لا يَصلح للاحتجاج ـ كما هو مُبيَّنٌ على الهامش(٣٩) ـ.

أمَّا كون أبي هريرة رضي الله عنه ـ وهو راوي الحديث ـ «أعلمَ بما روى»، وقد أفتى بثلاث غسلات، فثبت بذلك ـ عندهم ـ نسخ السبع كما هو ظاهر من كلام الطحاوي ـ رحمه الله ـ.

فقد أجاب الجمهور عن ذلك بأنَّ «العِبْرَةَ بِمَا رَوَى لَا بِمَا رَأَى» أي: أنَّ الاعتبار بما رواه عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، لا بما اجتهد فيه وأفتى به، إذ لا حُجَّة في الموقوف مع صِحَّة المرفوع ولا يقدح ذلك فيه، قال ابن حجر ـ رحمه الله ـ: «وتُعُقِّبَ بأنَّه يُحتمل أن يكون أفتى بذلك لاعتقاده ندبيَّةَ السَّبع لا وُجوبها أو كان نسي ما رواه، ومع الاحتمال لا يثبت النَّسخ، وأيضًا فقد ثبت أنَّه أفتى بالغسل سبعًا، ورواية مَن روى عنه موافقةَ فُتياه لروايته أرجحُ مِنْ رواية مَنْ روى عنه مخالفتَها مِنْ حيث الإسنادُ ومِنْ حيث النَّظرُ»(٤٠).

وأمَّا دعوى النَّسخ فقد أجاب عنها الجمهور بأنَّ النَّسخ لا يثبت بالحَدْس والرَّأي، ويَدلُّ على أنَّ النَّسخ مُنتفٍ أنَّ حديث الأمر بقتل الكلاب إنَّما كان في أوائل الهجرة، بينما الأمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب فيه جاء متأخِّرًا جدًّا؛ لأنَّه مِن رواية أبي هريرة وعبد الله بن مغفَّل رضي الله عنهما، وكلاهما كان إسلامه سَنَة سبعٍ مِنَ الهجرة، فضلًا عن أنَّ ظاهر سياق حديث عبد الله بن مغفَّل عند مسلم(٤١) لا يساعد على القول بالنَّسخ؛ لأنَّ أمر النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بالتسبيع من ولوغ الكلب كان بعد النَّهي عن قتل الكلاب والرخصةِ في كلب الصيد والماشية.

أمَّا القول بأنَّ الغائط أو العذرة أشدُّ نجاسةً من سُؤْرِ الكلب ولم يُقيِّدْهُ الشارع بالسَّبع فيكون الولوغ كذلك من باب أولى.

فقد أجاب الجمهور أنَّ شِدَّة النَّجاسة في الأشياء ولزوم تطهير بعضها هو أمرٌ تعبُّديٌّ لا مجال للرَّأي فيه، وإذا كان الغائط أشدَّ استقذارًا مِنْ سُؤْرِ الكلب فلا يلزم ـ حُكمًا ـ أن يكون سُؤْرُ الكلب دونه أو أخفَّ منه في تغليظ التطهير والتشديد فيه لثبوت حكمه بالنَّص، والمعلوم أنَّ القياسَ في مقابلة النَّص فاسد الاعتبار(٤٢).

١٧ ـ في الحديث دليل على وجوب تتريب الإناء الذي ولغ فيه الكلب مَرَّةً واحدةً مِنَ الغسلات، وأن تكون في الغسلة الأولى على الصحيح؛ لأنَّ الأمر بالتتريب يقتضي الوجوب وهو مذهب الشافعي وأحمد(٤٣)، وخالف الحنفية والمالكية في هذه المسألة، وذهبوا إلى عدم وجوب التتريب أصلًا، واستدلَّ الحنفية بنفس الأدلَّة السابقة التي استندوا إليها في عدم وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب سَبْعًا(٤٤)، وقد فنّدت أدلتهم في موضعها(٤٥).

وأمَّا المالكية فقد عَلَّلوا الحكمَ بعدم وجوب التَّتريب بأنَّه لم يثبت عند مالك رواية زيادة التُّراب فلم يقل بها(٤٦) من جهة، ولأنَّ الزيادة مضطربة ـ من جهة ثانية ـ فرُويَ «أُولاهُنَّ» و«أخراهنَّ أو إحداهنَّ» و«السابعة» و«الثامنة»، والاضطراب قادح في هذه الزيادة مُشعِر بعدم ضبط رواتها.

وقد نقد الجمهور هذا المسلك بأنَّ رواية الأمر بالتتريب صحيحة ـ بلا ريب ـ وأنَّ الزيادة من الثِّقة مقبولةٌ، وهي مِن رواية ابن سيرين قال بها الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث.

وأمَّا الاضطراب فلا يكون قادحًا إلَّا إذا تحقَّق فيه شرطان وهما: اختلاف روايات الحديث بحيث لا يمكن الجمع بينها أولًا، وتَسَاوي الروايات في القُوَّة بحيث لا يمكن ترجيح رواية على أخرى ثانيًا، وليس الأمر ـ ها هنا ـ كذلك؛ فإن رواية: «أُولاهُنَّ» أرجحُ؛ لأنَّها رواية أكثر الحُفَّاظ وأعلاهم ضبطًا، ولإخراج الشيخين لها، ولأنَّ التراب إذا جاء في الغسلة الأولى كان أنقى(٤٧).

قال الصنعاني ـ رحمه الله ـ: «فإنَّ رواية «أولاهُنَّ» أرجح لكثرة رواتها، وبإخراج الشيخين لها وذلك مِن وجوه الترجيح عند التَّعارض، وألفاظ الرِّوايات التي عُورضت بها «أولاهُنَّ» لا تقاومها، وبيان ذلك: أنَّ رواية «أُخراهُنَّ» ـ مُنفردةً ـ لا توجد في شيءٍ مِنْ كُتُب الحديث مسندةً، ورواية «السابعة بالتراب» اختُلِف فيها، فلا تقاوم روايةَ «أولاهنَّ بالتراب»، ورواية «إحداهنَّ» بالحاء والدال المهملتين ليست في الأمَّهات، بل رواها البزار، فعلى صِحَّتها فهي مُطلقة يجب حملها على المقيَّدة، ورواية «أولاهنَّ أو أخراهن» ـ بالتخيير ـ إن كان ذلك من الراوي فهو شكٌّ منه، فيرجع إلى الترجيح، ورواية «أولاهنَّ» أرجح، وإن كان مِن كلامه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم فهو تخيير منه صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، ويرجع إلى ترجيح «أولاهنَّ»، لثبوتها فقط عند الشيخين»(٤٨).

١٨ ـ وقوله: «بالتُّرَابِ» يقتضي تعيُّن التراب في إزالة ما في الإناء مِن ولوغ الكلب فيه دون غيرِه من المزيلات والمطهِّرات الأخرى.

ولا يخفى أنَّ مَن حمله على التعبُّد جعله مُتعيِّنًا لا يقوم غيرُه مقامَه ولو كان أبلغَ في الإزالة كالصابون والأُشنان(٤٩) ونحوهما.

أمَّا مَن حمله على التعليل فقد اختلفوا في العِلَّة على أقوال(٥٠)، ويرى ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أنَّه يجزئ ذلك مُطلقًا حيث قال: «ويجزئ ـ موضعَ التراب ـ الأُشنانُ والصابون ونحوهما في أقوى الوجوه»(٥١).

والأصح في هذه المسألة تعيُّن التراب، فلا يكفي الصابون والأُشنان وشبهُهما في إزالة ما ولغ فيه الكلب؛ لأنَّ التراب ـ من جهة ـ ورد منصوصًا عليه في الحديث، ولأنَّ الواجب التقيُّد بالنَّص، إذ لو قام غيرُ التراب مقامَه لبيَّنه الشَّرع في الحال وما أخَّره، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا ٦٤[مريم]، ولأنَّه ـ من جهة ثانية ـ أحد المُطَهِّرَيْنِ(٥٢)، ولأنَّ لسان الكلب ـ من جهة ثالثة ـ يحمل داء «الكَلَب» يُفرزه مع لُعابه، فلا يُعقَّم منه الإناء ولا ينقى إلَّا بالغسل الكثير وباستعمال التراب، ومنه يُعلم أنَّ التطهير بالتراب يحصل به الإنقاء ما لا يحصل بغيره من المزيلات والمطهِّرات(٥٣).

١٩ ـ والظاهر مِن الحديث أنَّه لا يحصل الغسل بالتراب النَّجِس إذ لا يتحقَّق به المقصود، وأنَّ مسح موضع النَّجاسة بالتراب فقط دون استعمال الماء لا يجزئ، فصورة استعمال التراب المجزئة لِمَن أوجبه تتجلَّى في أنَّه لا فرق بين أن يطرح الماء على التراب، أو يطرح التراب على الماء، أو يخلط الماء بالتراب حَتَّى يتكدَّر فيغسل به المحلَّ، وأن يكون في الغسلة الأولى ـ على الرَّاجح ـ ليأتي عليه ما ينظِّفه(٥٤).

٢٠ ـ الظاهر من رواية «وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ» تقتضي زيادة مَرَّة ثامنةٍ، وهي غسلة مُستقلَّة، والزِّيادة مِن الثِّقة مقبولة، ولأنَّ الأصل الحقيقة، وتأويلها يتضمَّن إخراجَها من الحقيقة إلى المجاز. وقد نُقل عن الحسن البصري ـ رحمه الله ـ أنَّه قال بهذه الغسلة الثامنة(٥٥) وهو قول أحمد ـ رحمه الله ـ(٥٦) ورجَّحه الصنعاني ـ رحمه الله ـ وقال: «والحقُّ مع الحسن البصري»(٥٧).

وأمَّا مَن لم يقل بظاهر هذه الرواية فقد احتاج إلى تأويلها، ووجهُ التأويل ما ذكره النووي ـ رحمه الله ـ بقوله: «فمذهبنا ومذهب الجماهير أنَّ المراد: اغسلوه سبعًا: واحدةٌ مِنهنَّ بالتراب مع الماء، فكأنَّ التراب قائمٌ مقامَ غسلة فسُمِّيت ثامنةً لهذا»(٥٨)، وتعقَّبه ابن دقيق العيد ـ رحمه الله ـ بأنَّ قوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ» ظاهرٌ في كونها غسلة ثامنة، ومخالفة هذا الظاهر إن كان سببها الرواية التي فيها السبع فلا معارضة بينهما لحصول الزيادة في هذا الحديث(٥٩).

وقد رَجَّح ابن تيمية ـ رحمه الله ـ التأويل السابق بقوله: «والصحيح أنَّه عَدَّ التُّراب ثامنةً وإن لم تكن غسلةً كما قال تعالى: ﴿ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ [الكهف: ٢٢]، يحقِّق ذلك أنَّ أهل اللغة قالوا: إذا كان اسم الفاعل على العدد مِنْ غير جِنس المفعول يجعله زائدًا كما قال الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ[المجادلة: ٧]، وإن كان مِن جنسه جعله أحدهم لقوله: ﴿ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ[التوبة: ٤٠]، فلما قال: «سَبْعَ مَرَّاتٍ» عُلم أنَّ التراب سَمَّاه ثامنًا؛ لأنَّه مِن غير الجنس، وإلَّا قال: فاغسلوه ثمانيًا وعفِّروه الثامنة»(٦٠).

قلت: هذا من حيث التوفيق بين الأحاديث، وإلَّا فإنَّ المعلوم أنَّ الرواياتِ اختلفت في تعيُّن موضع غسلة التتريب، وأنَّ الأرجح في ذلك ـ كما تقدَّم ـ رواية أبي هريرة رضي الله عنه بزيادة: «أُولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ» لكون رُواتها أكثرَ حفظًا وأعلى ضبطًا، لذلك يُقدَّم حديث أبي هريرة رضي الله عنه على حديث عبد الله بن مغفَّل رضي الله عنه؛ لكونه أرجحَ سندًا سواء من جهة الحفظ والضبط أو من جهة ورود الزيادة عند أبي هريرة رضي الله عنه «أُولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ» من طريقين، ولأنَّ ترتيب الثامنة ـ من جهة المعنى ـ يقتضي الحاجة إلى غسلة أخرى لتنظيفه(٦١).

٢١ ـ وتفريعًا على ما تقدَّم من حكم غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا والتتريب، فهل يُلحق الخنزير في غسل الإناء من ولوغه قياسًا على الكلب؟

اختلف العلماء في ذلك، ولمالك ـ رحمه الله ـ روايتان(٦٢).

ولا يخفى أنَّ مَن أثبت الغسل مِن ولوغ الكلب تعبُّدًا فلا يصلح ـ عنده ـ قياس الخنزير عليه، وهذا الرأي هو الرواية المشهورة عن مالك، ومَن رأى الحكم مُعلَّلًا سواء بالنَّجاسة أو بالاستقذار لكثرة ملابسته للنجاسة أثبت في الخنزير حكم الكلب في غسل الإناء مِن بابٍ أولى، لأنَّ الخنزيرَ لا يباح اقتناؤه والانتفاع به أصلًا، وقد نصَّ القرآن عليه فهو أولى بذلك(٦٣)، قال ابن القصَّار ـ رحمه الله ـ عن الخنزير: «فإنَّه أسوأ حالًا من الكلب؛ لأنَّه ساواه في أكله الأنجاسَ، وزاد عليه بأكله العذرةَ، وأنَّ النَّصَّ ورد بتحريم لحمه وبيعه على كلِّ حال، ولا يجوز اقتناؤه لصيدٍ ولا غيره؛ فوجب أن يكون بالتغليظ في غسل الإناء مِن ولوغه»(٦٤).

وهذا القول هو الرواية الأخرى عن مالك ـ رحمه الله ـ، فقد «روى مُطرِّف عن مالك: أنَّ الخنزير كالكلب، يُغسل الإناء من ولوغه سبعًا بناءً على التعليل بكثرة ملابسته للنجاسة، والخنزير أكثر ملابسةً لها، ولأنها طعامه، وقد ورد النهي عن أكله، وحرم اتخاذه، فكان أولى بذلك من الكلب»(٦٥).

والصحيح ما عليه أكثر أهل العلم مِن أنَّ نجاسة الخنزير كنجاسة غيره، فتُغسل كما تُغسل بقية النَّجاسات، ولا تقاس على الكلب في وجوب غسل الإناء سبعًا والتتريب لما يلي:

لوجوب الاقتصار على مورد النَّصِّ، فلا يُتوسَّع فيه؛ لأنَّ العِلَّة في غلظ نجاسة الكلب غير ظاهرة(٦٦).

ولأنَّ الأصل عدم الوجوب حَتَّى يَرِدَ من الشرع دليل يقضي بوجوبه.

ولأنَّ القرآن ذكر الخنزيرَ وكذا السُّنَّةَ، وهو موجودٌ في زمن النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، ولم يَرِدْ إلحاقُه بالكلب.

ولأنَّ مَن يقيس الخنزير على الكلب «يلزمه ذلك في سائر السِّباع لوجود العِلَّة فيها، وهي ـ أيضًا ـ أكثرُ أكلًا للأنجاس من الكلب»(٦٧).

ويحتمل أن تكون العِلَّة في أنهم كانوا يتخذون الكلب عادةً للحاجة ويقتنونه للمنافع المنتفية عن الخنزير، إذ لم يكن مِن عادتهم اقتناء الخنازير؛ لذلك شَدَّد عليهم في الكلب؛ فلا يُلحق به الخنزير لانتفاء العِلَّة(٦٨).

ـ يُتبَع ـ



(١) أخرجه مسلم في «الطهارة» (٣/ ١٨٣) باب حكم ولوغ الكلب، وأبو داود في «الطهارة» (١/ ٥٧) باب الوضوء بسُؤْر الكلب، والترمذي في «الطهارة» (١/ ١٥١) باب ما جاء في سُؤْر الكلب، والنسائي في «المياه» (١/ ١٧٧) باب تعفير الإناء بالتراب من ولوغ الكلب فيه.

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه بهذا اللفظ البخاري في «الوضوء» (١/ ٢٧٤) باب الماء يُغسل به شعرُ الإنسان، ومسلم في «الطهارة» (٣/ ١٨٢) من طريق مالك؛ انظر: «الموطأ» كتاب «الطهارة» (١/ ٥٥) باب جامع الوضوء.

(٣) أخرجه مسلم في «الطهارة» (٣/ ١٨٢) باب حكم ولوغ الكلب، والنسائي في «المياه» (١/ ١٧٦) باب سُؤْر الكلب.

(٤) أخرجه مسلم في «الطهارة» (٣/ ١٨٣) باب حكم ولوغ الكلب، وأبو داود في «الطهارة» (١/ ٥٩) باب الوضوء بسُؤْر الكلب، والنسائي في «المياه» (١/ ١٧٧) باب تعفير الإناء بالتراب من ولوغ الكلب فيه، وابن ماجه في «الطهارة» (١/ ١٣٠) باب غَسْل الإناء من ولوغ الكلب، وتمامُه: أنَّ عبد الله بنَ مُغَفَّل قال: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم بِقَتْلِ الكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الكِلَابِ؟» ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبِ الْغَنَمِ، وَقَالَ: «إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ...» الحديث.

(٥) انظر: «عيون الأدلة» لابن القصار (٢/ ٧٥٤).

(٦) انظر: «مفتاح الوصول» للتلمساني (٤٨٠)، بتحقيقي، والمصادر الأصولية المثبتة في هامشه.

(٧) انظر: «معالم السنن» للخطابي (١/ ٥٨)، «التمهيد» لابن عبد البر (١٨/ ٢٧٠)، و«شرح الإلمام» لابن دقيق (٢/ ٢٢٥)، «رياض الأفهام» للفاكهاني (١/ ١٠٦)، «طرح التثريب» للعراقي (٢/ ١٢١)، «العدة» للصنعاني (١/ ١١٨).

(٨) انظر: «شرح الإلمام» لابن دقيق (٢/ ٢٢٤)، «توضيح الأحكام» للبسام (١/ ١٢٩).

(٩) «شرح مسلم» للنووي (٣/ ١٨٦).

(١٠) انظر: «طرح التثريب» للعراقي (٢/ ١٢٠)، «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٧٥)، «نيل الأوطار» للشوكاني (١/ ٦٢).

(١١) انظر: «عيون الأدلة» لابن القصار (٢/ ٧٥٥)؛ ومَن عَلَّق الحكم بالإناء على وجه التعبُّد فإنَّه يُخْرِج عنه ما لا يُسمَّى بالإناء كبُقْعَةٍ من الأرض أو مستنقع أو يَدِ إنسان ونحو ذلك، [انظر: «شرح الإلمام» لابن دقيق (٢/ ٢٣٦)].

(١٢) انظر: «شرح الإلمام» لابن دقيق (٢/ ٢٣٧)، «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٧٥).

(١٣) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٧٥).

(١٤) انظر: «طرح التثريب» للعراقي (٢/ ١٢٢)، «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٧٥).

(١٥) «طرح التثريب» للعراقي (٢/ ١٢٢)، وانظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ٥٢).

(١٦) انظر: «شرح مسلم» للنووي (٣/ ١٨٤)، «شرح الإلمام» (٢/ ٢٣٩) و«إحكام الأحكام» (١/ ٣٠) كلاهما لابن دقيق، «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٧٦).

(١٧) انظر: «رياض الأفهام» للفاكهاني (١/ ١٠٤)، «توضيح الأحكام» للبسام (١/ ١٢٩).

(١٨) «التمهيد» لابن عبد البر (١٨/ ٢٦٦)، وانظر: «شرح الإلمام» لابن دقيق (٢/ ٢٣٩)، «طرح التثريب» للعراقي (٢/ ١٢٠).

(١٩) انظر: «شرح الإلمام» لابن دقيق (١/ ٤١٧، ٢/ ٢٤٠)، «رياض الأفهام» للفاكهاني (١/ ١٠٥).

(٢٠) انظر: «شرح الإلمام» لابن دقيق (٢/ ٢٤١ ـ ٢٤٣)، «رياض الأفهام» للفاكهاني (١/ ١٠٩).

(٢١) انظر: «الأشباه والنظائر» للسيوطي (١٢٦).

(٢٢) انظر: «مفتاح الوصول» للتلمساني [بتحقيقي] والمصادر الأخرى على هامشه (ص ٥٢٨).

(٢٣) انظر: «شرح الإلمام» لابن دقيق (٢/ ٢١٣).

(٢٤) انظر: المصدر السابق (٢/ ٢٣٧)، «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٧٥).

(٢٥) انظر: «شرح الإلمام» لابن دقيق (٢/ ٢٦١)، «رياض الأفهام» للفاكهاني (١/ ١١٠)، «طرح التثريب» للعراقي (٢/ ١٢٥)، «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٧٥).

(٢٦) «معالم السنن» للخطابي (١/ ٥٨)، «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٧٥).

(٢٧) انظر: «رياض الأفهام» للفاكهاني (١/ ١٠٩)، «العدة» للصنعاني (١/ ١١٨).

(٢٨) انظر: «معالم السنن» للخطابي (١/ ٥٨)، «شرح الإلمام» لابن دقيق (٢/ ٢٢٤)، «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٧٦).

(٢٩) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٧٦).

(٣٠) انظر: «الكافي» لابن عبد البر (١٧)، «شرح السُّنَّة» للبَغَوي (٢/ ٧٥)، «المغني» لابن قدامة (١/ ٥٢)، «طرح التثريب» للعراقي (٢/ ١٢٤)، «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٧٦)، «نهاية المحتاج» للرملي (١/ ٢٥٢)، «سبل السلام» للصنعاني (١/ ٥٢).

(٣١) الذين عَلَّلوا الأمر بالغسل في الحديث اختلفوا في العِلَّة اختلافًا متفاوتًا، فعلَّل بعضُهم بمُطلق النَّجاسة، ويرى جماعةٌ أنَّ العِلَّة القذارة لاستعمال النجاسات، ويُعلِّل آخرون بأنَّهم نُهُوا عن اتخاذ الكلب فلم ينتهوا فَغُلِّظ عليهم بذلك، ومنهم مَن ذهب إلى أنَّ ذلك مُعلَّل بما يُتَّقَى مِن كون الكلب مُصابًا بداء الكلب، [انظر: «شرح الإلمام» لابن دقيق (٢/ ٢٥٢)].

(٣٢) انظر: «الاختيار» لابن مودود (١/ ١٩)، «شرح الإلمام» لابن دقيق (٢/ ٢٦٥)، «تبيين الحقائق» للزيلعي (١/ ٣٢)، «طرح التثريب» للعراقي (٢/ ١٣٢)، «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٧٦)، «فتح القدير» لابن الهمام (١/ ١١٢)، «سبل السلام» للصنعاني (١/ ٥٢).

هذا، ويحتمل أن يكون ظاهر الأمر للنَّدب، وعن مالك رواية أنَّ الأمر بالتسبيع للنَّدب، والمعهود عند أصحابه أنَّه للوجوب، لكنَّه للتعبُّد لكون الكلب طاهرًا عندهم، قال ابن دقيق ـ رحمه الله ـ في «شرح الإلمام» (١/ ٢٥٢): «ويمكن توجيهه بأنَّ الأمر يُصرف عن ظاهره إلى النَّدب بقرينةٍ أو بأمرٍ من خارج؛ فيجعل قيام الدليل ـ عنده ـ على طهارة الكلب سببًا لصرفه عن الظاهر».

ومِن أصحاب الرَّأي مَنْ يرى أنَّه لا عَدد في غسله ولا تعفير، بل هو كسائر النجاسات. [انظر: «شرح السنة» للبغوي (٢/ ٧٥)، «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٧٧)].

(٣٣) أخرجه الدارقطني (١/ ٦٦)، وقال: «تفرَّد به عبد الوهاب عن إسماعيل وهو متروك الحديث، وغيره يرويه عن إسماعيل بهذا الإسناد «فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا» وهو الصواب»، والحديث ضَعَّفه البيهقي في «المعرفة» (٢/ ٥٦)، وفي «السنن الكبرى» (١/ ٢٤٠)، قال العراقي في «طرح التثريب» (٢/ ١٢٤): «والحديث ضعيف؛ لأنَّه من رواية عبد الوهاب بن الضَّحاك أحدِ الضُّعفاء عن إسماعيل بن عيَّاش عن هشام بن عروة، ورواية إسماعيل عن الحجازيِّين ضعيفة عند الجمهور».

(٣٤) انظر: «سبل السلام» للصنعاني (١/ ٥٢).

(٣٥) أخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٣)، والدارقطني في «سننه» (١/ ٦٦)، وإسناده صحيح موقوف، [انظر: «نصب الرَّاية» للزيلعي (١/ ١٣١)، «الدراية» لابن حجر (١/ ٦١)].

(٣٦) «شرح معاني الآثار» للطحاوي (١/ ٢٣).

(٣٧) انظر: «طرح التثريب» للعراقي (٢/ ١٢٤)، «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٧٧).

(٣٨) انظر: «شرح معاني الآثار» للطحاوي (١/ ٢٢)، «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٧٧).

(٤٠) «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٧٧)، وانظر: «طرح التثريب» للعراقي (٢/ ١٢٤)، «سبل السلام» للصنعاني (١/ ٥٢).

(٤١) تقدَّم تخريجه، انظر: (الهامش رقم: 4).

(٤٢) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٧٧).

(٤٣) انظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ٥٢)، «إحكام الأحكام» لابن دقيق (١/ ٢٨)، «نهاية المحتاج» للرملي (١/ ٢٥٢)، «توضيح الأحكام» للبسَّام (١/ ١٣٠).

(٤٤) انظر: «فتح القدير» لابن الهمام (١/ ١١٤).

(٤٥) انظر: المصادر السابقة في مسألة عدد الغسلات.

(٤٦) انظر: «رياض الأفهام» للفاكهاني (١/ ١١٠).

(٤٧) انظر: «توضيح الأحكام» للبسام (١/ ١٣٠).

(٤٨) «سبل السلام» للصنعاني (١/ ٥٣).

(٤٩) الأُشْنان: شجرٌ مِنَ الفصيلة الرمراميَّة، ينبت في الأرض الرمليَّة، ويُستعمَلُ هو أو رمادُه في غَسْل الثياب والأيدي، [انظر: «المُعجَم الوسيط» (١/ ١٩)].

(٥٠) انظر: «المغني» لابن قدامة (١/ ٥٣)، «طرح التثريب» للعراقي (٢/ ١٣٣).

(٥١) «شرح العمدة» لابن تيمية (١/ ٣٧).

(٥٢) انظر: «إحكام الأحكام» لابن دقيق (١/ ٣١)، «رياض الأفهام» للفاكهاني (١/ ١١٢).

(٥٣) انظر: «توضيح الأحكام» للبسام (١/ ١٢٩).

(٥٤) انظر: «شرح مسلم» للنووي (٣/ ١٨٥)، «سبل السلام» للصنعاني (١/ ٥٢)، «توضيح الأحكام» للبسَّام (١/ ١٢٩).

(٥٥) انظر: «شرح الإلمام» لابن دقيق (٢/ ٣٠٧)، «رياض الأفهام» للفاكهاني (١/ ١١١)، «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٢٧٧)، «سبل السلام» للصنعاني (١/ ٥٣).

(٥٦) انظر: «الإنصاف» للمرداوي (١/ ٢٩٤)، «المغني» لابن قدامة (١/ ٥٣)، «شرح الزركشي على الخرقي» (١/ ١٤٤).

(٥٧) «سبل السلام» للصنعاني (١/ ٥٤).

(٥٨) «شرح مسلم» للنووي (٣/ ١٨٥).

(٥٩) «شرح الإلمام» لابن دقيق (٢/ ٣٠٩).

(٦٠) «شرح العمدة» لابن تيمية (١/ ٣٦).

(٦١) انظر: «إرواء الغليل» للألباني (١/ ٦٢).

(٦٢) انظر: «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (١/ ١٧٩)، «المسالك» لابن العربي (٢/ ١٢٦)، «رياض الأفهام» للفاكهاني (١/ ١٠٣).

(٦٣) انظر: «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (١/ ١٧٩)، «شرح العمدة» لابن تيمية (٣٧).

(٦٤) «عيون الأدلة» لابن القصار (٢/ ٩٥٣).

(٦٥) «رياض الأفهام» للفاكهاني (١/ ١٠٤)، وانظر: «التفريع» لابن الجلاب (١/ ٢١٤).

(٦٦) انظر: «عيون الأدلة» لابن القصار (٢/ ٩٥٢)، «توضيح الأحكام» للبسَّام (١/ ١٣٠).

(٦٧) «المسالك» لابن العربي (٢/ ١٢٦).

(٦٨) انظر: «الإشراف» للقاضي عبد الوهاب (١/ ١٧٩)، «رياض الأفهام» للفاكهاني (١/ ١٠٤).