Skip to Content
الأربعاء 4 ربيع الأول 1439 هـ الموافق لـ 22 نوفمبر 2017 م

طرق الخلاص من الذنوب وتكفير السيئات

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فإنَّ سعادة المؤمن في دنياه وأخراه تكمن في مدى تأديبِه نفسَه وتزكيتِها، إذْ ما تطهر عليه نفسُه هو حسنة الإيمان والعمل الصالح، وإنَّ شقاءه منوطٌ بفسادها وخبثها، إذ ما تخبث به وتتدسَّى هو سيِّئة الكفر والمعاصي والذنوب، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا. وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩-١٠]، لذلك فالواجب على المؤمن أن يحمل نفسه على الآداب المزكِّية لها، المطهِّرة لخبثها وأدرانها، كما أنَّ عليه أن يجنِّبها كلَّ ما يدسِّيها من الأقوال والأفعال، ويُفسدها مِن سيِّئِ المعتقدات، تلك هي الذنوب التي لا يسلم منها بنو آدم، فما في جِبِلَّتهم يأبى أن لا يقعَ منهم ذنبٌ، ولو أرادوا أن لا يقع منهم ذنبٌ أصلاً فَقَدْ راموا ما ليس لهم إلاَّ مَن عصمه اللهُ مِن الذنوب ممَّن أُعْطِيَ النبوَّة من بني آدم، قال صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ، فَيَغْفِرُ لَهُمْ»(١)، وقد بيَّنتِ الشريعةُ الغرَّاءُ الطُّرُقَ الشرعية التي يجب أن تُتَّبَع للتخلُّص من الذنوب والآثام لإصلاح النفس وتطهيرها لتصبح أهلاً لكرامة الله سبحانه وتعالى ورضاه، وهي محصورةٌ في أربعة مكفِّراتٍ:

أوَّلها التوبة: فالتوبة بداية العبد التقيِّ ونهايتُه، لا تفارقه ولا يزال فيها إلى الممات، وحقيقةُ التوبة: الندم على ما سلف من الذنوب، والإقلاعُ عنها في الحال، والعزمُ على أن لا يعاودها في المستقبل، والتحلُّل من الآدميِّ إن كانت في حقِّه، والتوبة فرضٌ دائمٌ على كلِّ مسلمٍ على قدر استطاعته، وهي واجبةٌ على الفور لا يجوز تأخيرها في معصيةٍ صغيرةٍ ولا كبيرةٍ، إذ هي عنوان الفلاح وطريقه، قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، فعلَّق الله تعالى الفلاحَ بالتوبة تعليقَ المسبَّب بسببه، ثمَّ أتى بأداةِ «لَعَلَّ» المشعرة بالترجِّي، فكان المعنى أنه «لا يرجو الفلاحَ إلاَّ التائبون»، والتوبة التي تعالج الذنبَ وتمحو أثرَه هي التوبة النصوح، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التحريم: ٨]، تلك هي التوبة المقبولة، يتردَّد صاحبُها بين خوفِ ألاَّ تُقْبَلَ، ورجاءِ أن تُقْبَلَ مع إدمانٍ في الطاعات(٢).

ثانيها الاستغفار: وهو طلبُ المغفرة بالقلب واللسان والجوارح، وهو يتضمَّن العزمَ الجازم على ترك ما يُغْضِب اللهَ والإقبالِ على ما يحبُّه.

هذا، والمغفرةُ تُذْكَرُ في مقابَلة العذاب، لأنَّ العذاب يحصل بسبب الذنوب، والمغفرة من الله مانعةٌ من عذابه، ولا يكون ذلك إلاَّ بصحَّة العزم على الإقبال على الله عزَّ وجلَّ وتركِ الذنوب والآثام، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة:١٧٥]، وإذا كانت التوبة أبلغ في الدلالة على رجوع العبد من معصية الله تعالى إلى طاعته والقيام بأمره، فإنَّ الاستغفار أبلغُ في الدلالة على الاعتراف بالذنب والندم عليه وطلبِ إزالة أثره، لذلك كثيرًا ما يُقْرَنُ بين الاستغفار والتوبة، قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة: ٧٤] وقال تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾[هود: ٣].

غيرَ أنَّ الذنوب -وإن كانتْ محلَّ مغفرةٍ- إلاَّ أنه يُستثنى منها الشركُ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، لذلك كان التوحيدُ أساسَ المغفرة وسببَها الأعظمَ، ومَن فقدَ التوحيدَ فقدَ المغفرةَ، ومن جاء مع التوحيد بقُراب الأرض خطايا لَقِيَه اللهُ بقُرابها مغفرةً، على أنه موكولٌ إلى مشيئة الله وفضله: إنْ شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه، فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً»(٣).

هكذا تتصاغر الذنوبُ أمام نور توحيد الله سبحانه وتعالى، فعاقبةُ المذنب من الموحِّدين الجنَّةُ وعدمُ الخلود في النار، فلا يُلْقَى فيها كما يُلقى الكفَّارُ، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفَّارُ، فمن وحَّد اللهَ واستغفر وتاب وقام بشروط التوحيد أوجب ذلك له مغفرةَ ما سلف مِن الذنوبِ كلِّها ونجا من النار بالكلِّيَّة، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]، ذلك لأنَّ المغفرة المطلقة من الله سبحانه وتعالى تتضمَّن إزالةَ أثرِ الذنوب والوقايةَ من شرِّها.

هذا، ومن ثمرات الاستغفار: اطمئنانُ القلب وانشراحُ الصدر وجلاءُ الهمِّ والغمِّ، والاستبشارُ برحمة الله ورضوانه، ومن ثمرات الاشتغال به شَغْلُ لسانه عن غيره، وانبعاثُ معاني الصفح والعفو وحُسْنِ الخُلُق في نفسِه.

ثالثها الاستكثار من الحسنات: ذلك لأنَّ السيِّئاتِ تُغْفَر بالحسنات لقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] ولقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨-٧٠]، فالحسنات تكفِّر كثيرًا من السيِّئات ويؤكِّده قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى. جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّى﴾ [طه:٧٥-٧٦]، ومِن ظواهر هذه النصوص القرآنية يتبيَّن أنَّ «الحسنات» شاملةٌ بإذهاب عموم السيِّئات -صغيرِها وكبيرِها-، غيرَ أنَّ السيِّئة الكبيرة تحتاج إلى حسنةٍ مثلها لتكفيرها ومحوها كالشرك لا يكفِّره إلاَّ التوبةُ منه والدخول في الإسلام، إذ الإسلامُ يَجُبُّ ما قبله، وعليه فالاستكثار من الحسنات أمرٌ مرغوبٌ فيه لكونه مُذْهِبًا للسيِّئة، لكنْ بشرط عدم الاتِّكال عليها للوقاية من الوقوع في المظالم والذنوب، ذلك لأنَّ السيِّئة في مقابل الحسنة تأكلها أو تنقص أجْرَها فلا ينتفع بها صاحبها ولا تبلغ به الدرجاتِ العُلَى، فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قال: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: «الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ»، فَقَالَ: «إِنَّ المُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ»(٤). فالحديث صريحٌ في أنَّ الحسناتِ تُذْهِبُ السيِّئاتِ -صغيرَها وكبيرَها- وتقطعها، ومن جهةٍ أخرى تنقص السيِّئاتُ الحسناتِ وتأكلها حتى إذا فَنِيَتِ الحسناتُ أُخِذَ الرجل بذنوبه وطُرِحَ في النار.

هذا، ولا تَعَارُضَ مع قوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ»(٥).

فإنَّ مضمون الحديث خاصٌّ بما تكفِّره الصلواتُ الخمس والجمعة ورمضانُ من الصغائر، أمَّا النصوص المتقدِّمةُ فأعمُّ من محتوى هذا النصِّ فهي شاملةٌ للكبائر أيضًا، ولا منافاةَ في العمل بمقتضى العامِّ والخاصِّ كما هو مقرَّرٌ أصوليًّا.

ومن الحسنات المكفِّرات: الجهادُ في سبيل الله، والنصيحةُ، والأمرُ بالمعروف، والنهيُ عن المنكر، والصبرُ على القضاء، والحبُّ في الله والبغضُ في الله، والتطوعُ في الصلاة والصدقة والصيام، وغيرُ ذلك من الأعمال الصالحات.

هذا، والاستكثارُ من الحسنات ضربٌ من ضروب التوبة والاستغفار، لذلك تُقْرَنُ الأعمالُ الصالحةُ بالتوبة في العديد من الآيات القرآنية، فلا تَعارُضَ بين وجوب التوبة والاستغفار مع القول بتكفير السيِّئات بالحسنات، لأنَّ التوبة والاستغفار محلُّها القلبُ واللسان والجوارح، والعملُ الصالح جزءٌ منها، لذلك فمن استغنى بظاهر الحسنات عن حقيقة التوبة والاستغفار فقَدْ أسقط عن نفسه فرْضَ التوبة والاستغفار، ورضِيَ قلبُه به واعتقده، وهذا لا شكَّ في بطلانه من جهة المعتقد والعمل، وأنه من الكبائر العظيمة وطريقٌ من طُرُقِ الكفر، لأنه يتضمَّن الإيمانَ ببعض الشريعة والكفرَ ببعضها، وقد جاء في الحديث: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»(٦).

وعلى التائب أن يُناسِبَ بين الحسنة والسيِّئة فلا يتركُ الفرائضَ والواجباتِ بدعوى فعل الحسنات المكفِّرات، فإنَّ تكفير ترك الفرائض والواجبات يحصل بتداركها والقيام بها إن لم يسقطْ وجوبُها أو يتعذَّرْ تدارُكُها، أمَّا الاستمرار على تركها مع الاتِّكال على تكفيرها بالعمل الصالح من غير جنسها فذاك سبيل المغرورين ممَّن خدعهم الشيطانُ بمكرِه وصدَّهم عن سبيل المتَّقين.

رابعها الأذى الذي يلحق المؤمنَ: فالأذى الذي يُصاب به المؤمنُ في نفسه وماله وأهله هو من مكفِّرات الذنوب والخطايا، كما ثبت في «الصحيحين» قولُه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «مَا يُصِيبُ المُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلاَ نَصَبٍ وَلاَ سَقَمٍ وَلاَ حَزَنٍ حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلاَّ كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ»(٧)، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: لَمَّا نزلتْ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] بلغتْ من المسلمين مبلغًا شديدًا، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم: «قَارِبُوا وَسَدِّدُوا فَفِي كُلِّ مَا يُصَابُ بِهِ الْمُسْلِمُ كَفَّارَةٌ حَتَّى النَّكْبَةِ يُنْكَبُهَا أَوِ الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا»(٨)، وثبت -أيضًا- من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ إِلاَّ حَطَّ اللهُ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا»(٩)، والأجرُ والثواب يكون بقدر المصيبة والنَّصَبِ، فقد ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «إِنَّ لَكِ مِنَ الأَجْرِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ وَنَفَقَتِكِ»(١٠).

ففي طُرُقِ الخلاص من الذنوب والخطايا أملٌ عظيمٌ في فضل الله العميم، حيث يبعث في نفس المسلم الأملَ المُشرِقَ، ويحملها على فعل الخيرات وترك المنكرات، ويدفعها إلى الطاعة من غير تهاوُنٍ، ويوطِّنها على العمل ضِمْنَ مراقبة الله وعلمه ومحاسبة نفسه، إذ هما من طُرُقِ إصلاحها وتأديبها وتطهيرها، فإلزامُ المسلم نَفْسَه بمراقبة الله تعالى حتى يتمَّ لها اليقينُ بأنَّ اللهَ تعالى عليها رقيبٌ؛ فهذا معنى إسلام الوجه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان: ٢٢] كما أمر بمحاسبة النفس على ما قدَّمتْ لغدها المنتظَر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨].

هذا، وعلى المسلم أن يجاهد نفْسَه بالتأديب جهادًا متواصِلاً حتى تطمئنَّ نفسُه وتطيبَ ليكونَ أهلاً لمحبَّة الله ورضاه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾[العنكبوت: ٦٩].

هكذا دربُ الصالحين من هذه الأمَّة يسعَوْنَ جاهدين إلى الخلاص من الذنوب والمعاصي بالتوبة والاستغفار والاستكثار من الأعمال الصالحة، ويسارعون في الخيرات، ويحاسبون أنفُسَهم على تفريطها ويجاهدونها على التقوى وينهَوْنَها عن السوء والهوى مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠-٤١].

وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: ٢٠ رجب ١٤٢٦ﻫ

الموافق ﻟ : ٢٥ أغسطس ٢٠٠٥م



(١) أخرجه مسلم في «التوبة» (٢٧٤٩)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) انظر: اختلاف عبارة العلماء في التوبة النصوح على ثلاثةٍ وعشرين قولاً في «تفسير القرطبي» (١٨/ ١٩٧-١٩٩).

(٣) أخرجه الترمذي في «الدعوات» (٣٥٤٠)، من حديث أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، وصحَّحه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١/ ٢٤٩).

(٤) أخرجه مسلم في «المساقاة» (٢٥٨١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٥) أخرجه مسلم في «الطهارة» (٢٣٣)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٦) أخرجه مسلم في «الأقضية» (١٧١٨)، من حديث عائشة رضي الله عنها. وأخرجه البخاري معلقا: (٩/ ١٠٧).

(٧) أخرجه ومسلم في «البر والصلة والآداب» (٢٥٧٣)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٨) أخرجه مسلم في «البرِّ والصلة والآداب» (٢٥٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٩) أخرجه البخاري كتاب «المرضى» باب وضع اليد على المريض (٥٦٦٠)، ومسلم في «البرِّ والصلة والآداب» (٢٥٧١)، من حديث عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه.

(١٠) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (١٧٣٣)، وصحَّحه الألباني في «صحيح الجامع» (٢١٦٠).