Skip to Content
الإثنين 19 ذي القعدة 1440 هـ الموافق لـ 22 يوليو 2019 م

الكلمة الشهرية رقم: ١١١

ومضاتٌ توضيحيةٌ
على العقائد الإسلامية
مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
لابن باديس ـ رحمه الله ـ

ـ تنبيهات واستدراكات ـ

ـ الحلقة الأولى ـ

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالعلماء وَرَثةُ الأنبياء، فاحترامُهم وتقديرهم وتوقيرهم والتأدُّب معهم سنَّةٌ ماضيةٌ حضَّ عليها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ودَرَج عليها سلفُ الأمَّة؛ فقَدْ جاء في السنَّة المطهَّرة قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا وَيَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَ عَنِ المُنْكَرِ، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ»(١)، وأخذُ العلمِ عن العلماء هو السبيلُ الممهِّد لصنعِهم، والطريقُ المقرِّب إلى الله تعالى؛ فقَدْ جاء في الحديث قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «.. وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ»(٢).

لذلك يَحْرُم إيذاءُ العلماء والقدحُ في أعراضهم وذواتِهم أو الانتقاصُ مِنْ قَدْرِهم أو التهوينُ بمَنْصِبهم وسُمْعتِهم، أو الاستخفافُ بشأنهم والاستهزاءُ بمنزلتهم ومكانتِهم، أو غِيبَتُهم والافتراءُ عليهم، أو تعييرُهم بالأوصاف الشنيعة والخصالِ القبيحة ونحو ذلك؛ لأنَّ القدح فيهم طعنٌ في الدين، ومنقصةٌ في سنَّةِ سيِّد المُرْسَلين، وذمٌّ للدعوة إلى الله التي يحملونها، ومَسَبَّةٌ للمِلَّة التي ينتسبون إليها؛ قال ابنُ المبارك ـ رحمه الله ـ: «حقٌّ على العاقل أَنْ لا يَستخِفَّ بثلاثةٍ: العلماء والسلاطين والإخوان؛ فإنه مَنِ استخف بالعلماء ذَهَبَتْ آخِرَتُه، ومَنِ استخفَّ بالسلطان ذهبَتْ دنياه، ومَنِ استخفَّ بالإخوان ذهبَتْ مروءتُه»(٣)، ولا يخفى أنَّ إيذاء العلماء هو إيذاءٌ لأولياء الله الصالحين، وسبيلُ الولاية والصلاحِ: الإيمان والتقوى، وهما لا يتمَّان إلَّا بالعلم، وذلك صفةُ العلماء العاملين؛ ويوضِّحه قولُه تعالى: ﴿أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٦٣[يونس]، ومعاداتُهم سبيلٌ مَقيتٌ وخطيرٌ لا يسلكه إلَّا أهلُ الزيغ والضلال، وخطورتُه تظهر في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فيما يرويه عن ربِّه عزَّ وجلَّ ـ: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ»(٤).

غير أنَّ العلماء ـ مهما تَفاضلوا في العلم والفضل ـ فهُمْ بشرٌ غيرُ معصومين في اجتهاداتهم وأعمالِهِم، وهُم عُرضةٌ لكُلِّ ما يدخل في الطبيعة البشرية مِنْ سهوٍ وغفلةٍ وتقصيرٍ ونحوِ ذلك مِنْ صُوَر النقص؛ ممَّا يُفْضي إلى الوقوع في الهفوات والهَنَات والأخطاء والزلَّات؛ فالنقصُ طبيعةُ البشر، وقدرةُ البشرِ محدودةٌ مهما عَلَتْ وارتفعَتْ؛ فهُمْ مجبولون على النقص؛ فالكمالُ لله وَحْده، والعصمةُ لمَنْ عَصَمه اللهُ.

لذلك لا ينبغي اتِّباعُ نوادرِ العلماء وزلَّاتِهم وهَفَواتِهم وأخطائهم بعد ثبوتها، ولا العملُ بمُوجَبها على وجه الانقياد والطاعة؛ لِمَا فيها مِنْ مخالفةِ شرعِ الله تعالى؛ إذ المعلومُ أنَّ طاعة العلماءِ ليسَتْ على إطلاقها، بل ليس للعالم مِنَ الطاعة إلَّا لأنه مبلِّغٌ عن اللهِ دِينَه وشَرْعَه، وإنما تجب الطاعةُ المُطْلَقةُ العامَّةُ لله تعالى ولرسوله صلَّى الله عليه وسلَّم ليس إلَّا، هذا مِنْ جهةٍ.

ولا ينبغي ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ أَنْ تُهْدَرَ للعالِمِ محاسنُه وفضائلُه بالاستنقاص مِنْ وزنه العلميِّ وقيمته الأدبية بسببِ غلَطِه أو سقطتِه وهفوتِه، فيشنَّعَ عليه بها بدعوَى الغفلة والتقصير والجهل ونحوِ ذلك مِنْ أساليب الإقصاء، فتُرَدَّ بسببها بقيَّةُ آرائه وجملةُ أقواله وفتاويه؛ إذ لا يسلمُ العالِمُ مِنَ الخطإ، ولا يكاد يُفْلِتُ مِنَ الغلط أحَدٌ، وهذا مسلكٌ غيرُ مَرْضيٍّ، وضِمْنَ هذا المعنى قال سعيد بنُ المسيِّب ـ رحمه الله ـ: «ليس مِنْ عالمٍ ولا شريفٍ ولا ذي فضلٍ إلَّا وفيه عيبٌ، ولكِنْ مَنْ كان فضلُه أكثرَ مِنْ نقصِه ذَهَب نقصُه لفضلِه، كما أنَّ مَنْ غَلَب عليه نقصانُه ذَهَب فضلُه»(٥)، وقال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «.. ومَنْ له علمٌ بالشرع والواقع يعلم ـ قطعًا ـ أنَّ الرجل الجليل الذي له ـ في الإسلام ـ قَدَمٌ صالحٌ وآثارٌ حسنةٌ وهو مِنَ الإسلامِ وأهلِه بمكانٍ قد تكون منه الهَفْوَةُ والزَّلَّةُ هو فيها معذورٌ بل ومأجورٌ لاجتهاده؛ فلا يجوز أَنْ يُتَّبَعَ فيها، ولا يجوز أَنْ تُهْدَر مكانتُه وإمامتُه ومنزلتُه مِنْ قلوب المسلمين»(٦)، وقال رحمه الله  ـ أيضًا ـ: «.. فلو كان كُلُّ مَنْ أخطأ أو غَلِط تُرِك جملةً وأُهدِرَتْ محاسنُه لَفسَدَتِ العلومُ والصناعاتُ والحِكَمُ وتعطَّلَتْ مَعالِمُها»(٧).

وأكَّد الشاطبيُّ ـ رحمه الله ـ هذا المعنى بقوله: «إنَّ زلَّةَ العالِمِ لا يصحُّ اعتمادُها مِنْ جهةٍ ولا الأخذُ بها تقليدًا له؛ وذلك لأنها موضوعةٌ على المخالفة للشرع؛ ولذلك عُدَّتْ زلَّةً، وإلَّا فلو كانَتْ مُعتَدًّا بها لم يُجْعَلْ لها هذه الرتبةُ، ولا نُسِب إلى صاحِبِها الزللُ فيها، كما أنه لا ينبغي أَنْ يُنْسَب صاحبُها إلى التقصير، ولا أَنْ يُشنَّع عليه بها، ولا ينتقص مِنْ أجلها، أو يُعتقَدَ فيه الإقدامُ على المخالفة بحتًا؛ فإنَّ هذا كُلَّه خلافُ ما تقتضي رتبتُه في الدين»(٨).

فالحاصل أنَّ علماء الإسلام مِنْ أئمَّة المسلمين، وهُمْ خيرُ الأمَّة؛ فالواجب تُجاهَهم الْتِماسُ العذرِ لهم، وإحسانُ الظنِّ بهم؛ لأنهم حَمَلةُ الدِّينِ العاملون به، ومِنْ حقِّهم ـ إِنْ وقعوا في خطإٍ أو غلطٍ أو هفوةٍ ـ أَنْ يُنْصَحوا فيها، وتُبيَّنَ أخطاؤهم على وجه الإنصاف والعدل، وبالأسلوب الأدبيِّ اللائق بمَقامِهم، المؤدِّي إلى الغرض المطلوب، بعيدًا عن دوافع الهوى والتشهِّي والحيف؛ تحاشيًا لكُلِّ ما مِنْ شأنه أَنْ يَحُطَّ مِنْ قَدْرهم ومنزلتِهم أو أَنْ تُمَسَّ كرامتُهم وعِرْضُهم.

هذا، ومِنْ أفرادِ أعلام الدِّين وأحَدِ رجاله المُصْلِحين، الذين لهم ـ في الإسلام ـ قدمٌ صالحٌ وآثارٌ حسنةٌ: الشيخ العلَّامة عبد الحميد بنُ باديس ـ رحمه الله ـ رائدُ النهضة في الجزائر، وناشرُ علمِ الكتاب والسنَّة فيها، الذي حارَبَ الجهلَ والهوى والتعصُّبَ والخرافة؛ فأحيا اللهُ بدعوته قلوبَ الناسِ لقَبول الحقِّ والهداية، وحرَّر عقولَهُم مِنْ بِدَع المُبْتدِعين وزيغِ المُنْحرِفين وضلالِ المُتصوِّفين الطُّرُقيِّين؛ فحَفِظ للأمَّة الجزائرية عقيدتَها ولُغتَها وهويَّتَها، وردَّ على مَنْ خالفها أو عارضها، فعاش ناصحًا لأمَّته، يؤلِّف النفوسَ، ويشيِّد العقولَ، ويعلِّم الأجيالَ، ويبني الرجالَ كالجبال، ويحمي حِمَى الدِّينِ واللغةِ والوطن.

وممَّا خلَّفه الشيخ عبد الحميد بنُ باديس ـ رحمه الله ـ مِنَ العلم النافع ـ مع كثرةِ مشاغلِه وأعبائِه ـ مختصرٌ مفيدٌ في علم الاعتقاد المتعلِّق بالله وأسمائه وصِفَاتِه، وبأركان الإيمان ومسائله، ولا يخفى أنَّ علم الاعتقاد هو أصلُ الدِّين وركيزتُه، وأساسُ دعوةِ الأنبياء والمُرْسَلين، فهو مِنْ أجلِّ الطاعات وأفضل القُرُبات؛ إذ شرفُ العلم بشرف المعلوم.

ومختصرُه في الاعتقاد هو عبارةٌ عن دروسٍ متتابعةٍ، وحلقاتٍ موصولةٍ كان الشيخ عبد الحميد بنُ باديس ـ رحمه الله ـ يعقدها بالجامع الأخضر بمدينةِ قسنطينة المحروسة، ويُلقيها على تلاميذه بصورةٍ متسلسلةٍ، يَستدِلُّ لهذه الدروسِ العَقَدية بالقرآن الكريم والسنَّةِ النبوية الصحيحة؛ فجاء مختصرُه مفيدًا موسومًا بعنوان: «العقائد الإسلامية مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية»، وتضمَّنَتْ فصولُه «عقيدةً مُثْلَى يتعلَّمها الطالبُ فيأتي منه مسلمٌ سلفيٌّ، موحِّدٌ لربِّه بدلائل القرآن كأحسنِ ما يكون المسلمُ النقيُّ، ويَستدِلُّ على ما يَعتقِدُ في ربِّه بآيةٍ مِنْ كلام ربِّه، لا بقول السنوسيِّ(٩) في «عقيدته الصغرى»: «أمَّا برهانُ وجودِه تعالى فحدوثُ العالَمِ»!!»(١٠).

وبالدراسة وتتبُّعِ ما كَتَبه الشيخ ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ مِنْ فصولٍ في مختصره العَقَديِّ وما أملاهُ في حِلَقه الدراسية المسجدية مِنْ قواعد ووجوه الاستدلال مِنَ القرآن والسنَّة، فقَدْ وجَدْتُ ـ أثناءَ تتبُّعي ودراستي ـ بعضَ فقراتٍ مِنْ فصوله تحتاج إلى ومضاتٍ توضيحيةٍ مُلِحَّةٍ، رأيتُ مِنْ واجبي أَنْ أتناولها بالتنبيه عليها واستدراكِ ما تخلَّف منها؛ إتمامًا لفائدةِ هذا المختصر المستوعِبِ لمعلوماتٍ مُعينةٍ على الفهم الصحيح للعقيدة الإسلامية، وإكمالًا لمنفعةِ ما سُطِّر فيه مِنْ قواعدَ واستدلالاتٍ على المنهج السليم في فهم العقيدة، وما حَصَل مِنْ نقصٍ فلا يُهوِّن مِنْ عمله المبذول، وكما قِيلَ قديمًا: «الكتابُ كالمكلَّف: لا يسلم مِنَ المؤاخَذة، ولا يرتفع عنه القلمُ».

وسأتعرَّض إلى ذِكْر هذه التنبيهاتِ والاستدراكاتِ في مواضعها مِنَ «العقائد الإسلامية» مُحافِظًا على تبويبه مُلتزمًا بترتيبه على ما يأتي(١١):

أوَّلًا: جاء في افتتاح الكتاب ما نصُّه:

«الحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْه وَنَسْتَغْفِرُهُ، [وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وسيِّئاتِ أَعْمَالِنَا]، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، [وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ]».

تنبيهٌ واستدراك:

قوله: «ونتوب إليه» زيادةٌ مُدْرَجةٌ في الحديث الواردِ في خُطبة الحاجة، والأَوْلى ذِكْرُ الخُطبة ـ كما هي ـ مع المحافظةِ على نصِّها الثابت مِنْ غيرِ زيادةٍ عليها.

وقد اقتصر المصنِّف ـ رحمه الله ـ على صدر الخُطبة، ووَرَد في نصِّها بعد قوله: «وأشهد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه» ذِكْرُ الآياتِ التالية مرتَّبةً على الوجه التالي:

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٠٢[آل عمران].

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا ١[النساء].

﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠ يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١[الأحزاب].

وما بين المعقوفتين قوله: [وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وسيِّئاتِ أَعْمَالِنَا] ساقطٌ مِنْ نصِّ المصنِّف ـ رحمه الله ـ.

أمَّا إيرادُ المصنِّفِ ـ رحمه الله ـ الفعلَ في الشهادتين بصيغة الجمع، فهو خلافُ المنصوصِ عليه في الأحاديث المُثبِتة لها بصيغة المتكلِّم المفرد، فالأفعالُ في نصِّ الأحاديث ورَدَتْ بصيغة الجمع ما عدا الشهادتين، قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «والأحاديث كُلُّها متَّفِقةٌ على أنَّ: «نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ» بالنون، والشهادتان بالإفراد: «وأشهد أَنْ لا إله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسوله»، قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية: لمَّا كانَتْ كلمةُ الشهادة لا يتحمَّلها أحَدٌ عن أحَدٍ، ولا تقبل النيابةَ بحالٍ أفرد الشهادةَ بها، ولمَّا كانَتِ الاستعانة والاستعاذةُ والاستغفار يقبل ذلك: فيستغفر الرجلُ لغيره، ويستعينُ اللهَ له، ويستعيذُ بالله له؛ أتى فيها بلفظ الجمع؛ ولهذا يقول: «اللهمّ أعِنَّا، وأعِذْنا، واغفِرْ لنا». قال ذلك في حديثِ ابنِ مسعودٍ، وليس فيه: «نَحْمَدُهُ»، وفي حديثِ ابنِ عبَّاسٍ: «نَحْمَدُهُ» بالنون، مع أنَّ الحمد لا يتحمَّله أحَدٌ عن أحَدٍ ولا يقبل النيابةَ، فإِنْ كانَتْ هذه اللفظةُ محفوظةً فيه إلى ألفاظ الحمد والاستعانة على نسقٍ واحدٍ.

وفيه معنًى آخَرُ، وهو أنَّ الاستعانة والاستعاذة والاستغفار طلبٌ وإنشاءٌ، فيُستحَبُّ للطالب أَنْ يطلبه لنفسه ولإخوانه المؤمنين، وأمَّا الشهادة فهي إخبارٌ عن شهادته لله بالوحدانية ولنبيِّه بالرسالة، وهي خبرٌ يُطابِق عَقْدَ القلب وتصديقَه، وهذا إنما يخبر به الإنسانُ عن نفسه لعلمِه بحاله، بخلافِ إخباره عن غيره، فإنه إنما يخبر عن قوله ونُطقه لا عن عقد قلبه، واللهُ أعلمُ»(١٢).

وحديثُ خُطبةِ الحاجة أخرجه بهذا اللفظ مسلمٌ في «الجمعة» (٦/ ١٥٣) باب: خُطبته صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في الجمعة، وابن ماجه (١/ ١٧) رقم: (٤٥)، وأحمد في «مسنده» برقم: (٥٣٧١) والبيهقيُّ في «الجمعة» برقم: (٦٠١٠)، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما، وفي صدره: «فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ». وفي روايةٍ أخرى: «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» أخرجها أبو داود (٥/ ١٥) رقم: (٤٦٠٧)، والترمذيُّ (٥/ ٤٤) رقم: (٢٦٧٦)، وابنُ ماجه (١/ ١٦) رقم: (٤٢)، وأحمد في «مسنده» برقم: (١٧٦٠٨)، مِنْ حديثِ العرباض بنِ سارية رضي الله عنه، قال الترمذيُّ: «حديثٌ حسنٌ صحيحٌ». 

وما بين المعقوفتين: [وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ]: زيادةٌ أخرجها النسائيُّ في «العيدين» (٣/ ١٨٨ ـ ١٨٩) باب: كيف الخُطبة؟ مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح سنن النسائي» (١/ ٥١٢) رقم: (١٥٧٧).

هذا، وللمحدِّث ناصر الدين الألبانيِّ ـ رحمه الله ـ رسالةٌ قيِّمةٌ في خُطبة الحاجة تَتبَّعَ طُرُقَها وألفاظَها مِنْ مختلفِ كُتُب السنَّة المطهَّرة، وذَكَر جملةً مِنْ فوائدها، وآخِرُ طبعةٍ للرسالة تولَّتْها مكتبةُ المعارف للنشر والتوزيع بالرياض، سنة: (١٤٢١ﻫ/ ٢٠٠٠م).

هذه خُطبةُ الحاجةِ التي كان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يعلِّمها أصحابَه كما يعلِّمهم التشهُّدَ في الصلاة، وكان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يفتتح خُطَبَه بها، وكان السلف الصالح يقدِّمونها بين يدَيْ دروسهم وكُتُبهم ومختلف شئونهم، وقد دَأَب الشيخ عبد الحميد بنُ باديس ـ رحمه الله ـ على هذه الصيغة عند افتتاح مجالسه العلمية العامرة، ودروسِه العامَّة تأسِّيًا بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولعلَّ مِنْ آثارِ حِرْصِه على المحافظة عليها: حصولَ النفعِ والفائدة مِنْ مجالسه، ولا يخفى أنَّ خُطبة الحاجةِ تتضمَّن الحمد والثناءَ على الله بما هو أهلُه، والتشهُّد الذي إِنْ خَلَتِ الخُطبةُ منه فإنها تُعَدُّ كاليد المقطوعة التي لا طائلَ تحتها على ما أخبر به النبيُّ المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله: «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ»(١٣).

لذلك يُستحَبُّ المحافظةُ على نصِّها في افتتاح الخُطَب والدروس والمحاضرات، وعند عقود النكاح ونحوِها، وألحق بها بعضُ الأئمَّة المتأخِّرين طلائعَ الرسائل وصدور الكُتُب ومقدِّمة المصنَّفات وكذا الرسائل والمنشورات الجامعية؛ تمسُّكًا بالسنَّة وعملًا بالهدي المغني عن التعبيرات الكثيرة المختلفة التي يأتي بها الوُعَّاظُ وغيرُهم، وخيرُ الهديِ هديُ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم.

قال الأستاذ محمَّد الصالح رمضان ـ رحمه الله ـ في هذا الموضع مِنْ روايته في «مقدِّمة العقائد» (٢٣): «هذا ما حَفِظناه عن أستاذِنا الإمام الشيخ عبد الحميد بنِ باديس، وقد كان يفتتح به دروسَ التفسيرِ العموميةَ كُلَّ ليلةٍ طيلةَ السنوات التي قرَأْناها عليه، رَحِمه اللهُ ورَضِيَ عنه».

ـ يُتْبَع ـ

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٢ مِنَ المحرَّم ١٤٣٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٣ أكتوبر ٢٠١٦م



(١) أخرجه أحمد في «مسنده» (٥/ ٣٢٣)، والحاكم في «مستدركه» (١/ ١٢٢)، والطبرانيُّ في «مكارم الأخلاق» (٣٦٧) بألفاظٍ متقاربةٍ، مِنْ حديثِ عبادة بنِ الصامت رضي الله عنه. والحديث حسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الترغيب والترهيب» (١/ ١٥٢) رقم: (١٠١)، وفي «صحيح الجامع» (٥/ ١٠٢) رقم: (٥٣١٩).

(٢) أخرجه مسلمٌ في «الذِّكر والدعاء» (٢٦٩٩) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٣) «سِيَر أعلام النُّبَلاء» للذهبي (١٧/ ٢٥١).

(٤) أخرجه البخاريُّ في «الرِّقاق» باب التواضع (٦٥٠٢) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٥) انظر: «جامع بيان العلم وفضله» لابن عبد البرِّ (٢/ ٤٨).

(٦) «إعلام الموقِّعين» لابن القيِّم (٣/ ٢٨٣).

(٧) «مدارج السالكين» لابن القيِّم (٢/ ٣٩).

(٨) «الموافقات» للشاطبي (٤/ ١٧٠ ـ ١٧١).

(٩) هو أبو عبد الله محمَّد بنُ يوسف بنِ عمر بنِ شعيبٍ السنوسيُّ الحسنيُّ، أحَدُ أعلام تلمسان، له مُشارَكةٌ في شتَّى العلومِ وأنواعِ المَعارف، مِنْ مؤلَّفاته: تفسيرُ سورةِ الفاتحة و«ص» وما بعدها، و«شرح صحيح البخاري» لم يكمله، و«مكمل إكمال الإكمال في شرح مسلم»، و«عقيدة أهل التوحيد» وتُسمَّى ﺑ: «العقيدة الكبرى»، و«أمُّ البراهين» وتُسمَّى ﺑ: «العقيدة الصغرى»، و«شرح الآجرُّومية» وغيرها. وُلِد بتلمسان سنة: (٨٣٢ﻫ)، وتُوُفِّيَ بها سنة: (٨٩٥ﻫ).

انظر ترجمته في: «البستان» لابن مريم (٢٣٧)، «درَّة الحجال» (١/ ١٤١) و«لقط الفرائد» (٢٧١) كلاهما لابن القاضي، «نيل الابتهاج» للتنبكتي (٣٢٥)، «الأعلام» للزركلي (٧/ ١٥٤)، «شجرة النور» لمخلوف (١/ ٢٦٦)، «فهرس الفهارس» للكتَّاني (٢/ ٩٩٨)، «تعريف الخلف» للحفناوي (١/ ١٧٩)، «معجم المؤلِّفين» لكحالة (٣/ ٧٨٦)، «الفكر السامي» للحجوي (٢/ ٢٦٢).

(١٠) انظر: تقديم الشيخ محمَّد البشير الإبراهيمي ـ رحمه الله ـ في مقدِّمة «العقائد الإسلامية» لمحمَّد الصالح رمضان (١٨ ـ ١٩).

(١١) اعتمدتُ في أرقام الصفحات على نسخة: محمَّد الصالح رمضان، الطبعة الثانية.

(١٢) «تهذيب السنن» لابن القيِّم (٦/ ١٤٩).

(١٣) أخرجه أبو داود (٥/ ١٧٣)، وأحمد (٢/ ٣٠٢، ٣٤٣)، والبيهقيُّ في «سننه الكبرى» (٣/ ٢٠٩) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح سنن أبي داود» (٣/ ١٨٩) وفي «السلسلة الصحيحة» (١/ ١١٥) رقم: (١٦٩).