Skip to Content
الإثنين 15 رمضان 1440 هـ الموافق لـ 20 مايو 2019 م

الكلمة الشهرية رقم: ١١٢

ومضاتٌ توضيحيةٌ
على العقائد الإسلامية
مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
لابن باديس ـ رحمه الله ـ

ـ تنبيهات واستدراكات ـ

ـ الحلقة الثانية ـ

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

ثانيًا: فقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في فصل: «لا نجاة إلَّا بالإسلام» (ص ٢٤):

«لَا نَجَاةَ لِأَحَدٍ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى إِلَّا بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٨٥[آل عمران]، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٣٢[البقرة]».

تنبيه واستدراك:

تكملةً لحكم القاعدةِ التي ذَكَرها المصنِّف رحمه الله فالأَوْلى ـ استيفاءً للمعنى ـ أَنْ يُضافَ إليها بعد قوله: «إلَّا بالدخول في الإسلام» عبارةُ: «ولزومِه له مِنْ غيرِ مُفارقةٍ حتَّى الموت»؛ ذلك لأنَّ مَنْ عاش على شيءٍ مات عليه، ومَنْ مات على شيءٍ بُعِث عليه، وهذه العبارةُ المُضافةُ تدلُّ عليها الآيةُ الثانية التي استشهد بها المصنِّف ـ رحمه الله ـ.

ثالثًا: وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في فصل: «الشهادة مفتاح الإسلام والإيمان» (ص ٢٩):

«الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَكُونُ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ»؛ ثمَّ ساق حديثَ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما في قَوْلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ لَمَّا بَعَثَهُ لِلْيَمَنِ: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ؛ فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَتَيْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ...» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

تنبيه واستدراك:

اقتصر المصنِّف ـ رحمه الله ـ على عزو الحديث إلى مسلمٍ فقط دون البخاريِّ وكأنه مِنْ أفراده، والأمرُ ليس كذلك، بل هو ممَّا اتَّفقا عليه، فقَدْ أخرجه البخاريُّ في «الزكاة» (٣/ ٢٦١) بابُ وجوبِ الزكاة، وأخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (١/ ١٩٥) باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائعِ الإسلام، كما أخرجه الترمذيُّ في «الزكاة» (٣/ ٢١) بابُ ما جاء في كراهةِ أخذِ خيارِ المال في الصدقة، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

هذا، ولعلَّ المصنِّف ـ رحمه الله ـ قَصَد بذكر مسلمٍ: مُسْنَدَ مُعاذٍ رضي الله عنه الذي فيه قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ..»، غير أنَّ بقيَّةَ الحديث إنما هو مِنْ مسندِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما في الصحيحين.

ولعلَّه ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ سار على حذوِ العلماء المغاربة الذين يفضِّلون «صحيحَ مسلم» على «صحيحِ البخاريِّ» لِمَا امتاز به مِنْ جمع الطُّرُق، وجودةِ السياق، والمحافظةِ على أداء الألفاظ مِنْ غيرِ تقطيعٍ ولا روايةٍ بالمعنى؛ لذلك اقتصر عليه.

وممَّا ينبغي لفتُ النظر إليه والتنبيهُ عليه أنه ليس المرادُ بالنطق بالشهادتين مجرَّدَ قولهما، بل لا بُدَّ مِنِ اعتقاد القلب بهما، والعملِ بمقتضاهما، وتحقيقِ شروطهما، وموالاةِ أهلهما، ومعاداةِ مَنْ خالفهما، ولا يُشترَطُ في صحَّة الإسلام النطقُ بالتبرِّي مِنْ كُلِّ دِينٍ يخالف دِينَ الإسلام؛ لأنَّ ذلك مِنْ لازمِ اعتقادِ الشهادتين.

رابعًا: وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في فصل: «أوَّل واجبٍ على المكلَّف» (ص ٣٠):

«أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ مِنْ مُسْلِمٍ بَلَغَ أَوْ كَافِرٍ يُرِيدُ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ: أَنْ يَعْلَمَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؛ لِحَدِيثِ مُعَاذٍ المُتَقَدِّمِ، وَلِحَدِيثِ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ: «لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَمِّ، قُلْ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ» ...» الحديث(١).

تنبيه واستدراك:

عبَّر المصنِّف ـ رحمه الله ـ عن أوَّلِ واجبٍ على المكلَّف بأَنْ «يَعْلَمَ» أَنْ «لا إلهَ إلَّا اللهُ»، وهي عبارةٌ غيرُ دقيقةٍ في بيان المعنى المرادِ توضيحُه، والأَوْلى منها عبارةُ: «أَنْ يَشْهَدَ»؛ لأنَّ الشهادة مِنَ العلم كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٨٦[الزخرف]، والمرادُ بالشهادة: العلمُ والنطق باللسان؛ فهي أعمُّ مِنْ مُفْرَداتها وأكملُ، ولأنَّ الشاهد مُخْبِرٌ عن علمٍ فلا يكفي فيه مجرَّدُ الإخبار، بل لا بُدَّ مِنْ علمٍ وإخبارٍ وقَبولٍ وإقرارٍ وانقيادٍ، وإنما تستقيم العبارةُ إذا عَنَى بها المصنِّفُ العاجزَ عن النطق؛ فإنه يكفيهِ العلمُ بها ليصير مسلمًا مع الإتيان بكُلِّ ما هو مِنْ خصائص الإسلام ومَبانيهِ كالصلاة والزكاة والصوم والحجِّ، أمَّا القادرُ على النطق فإنه لا يكفيه الاعتقادُ بقلبه، وقد نَقَل شيخ الإسلام ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ الإجماعَ على أنه ليس بمسلمٍ حتَّى ينطق بها(٢)؛ ذلك لأنَّ كلمةَ: «أشهد» تدلُّ على الإخبار، والإخبارُ متضمِّنٌ للنطق؛ ولهذا قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لعمِّه: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» ولم يَقُلْ له: «اعْلَمْ» أو «اعتقِدْ: أَنْ لا إلهَ إلَّا الله»، هذا مِنْ جهةٍ.

ويمكن توجيهُ كلامِ المصنِّف رحمه الله ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ بتوجيهين:

التوجيه الأوَّل: أنَّ المصنِّف ـ رحمه الله ـ قَصَد بعبارته الشهادةَ، ولكنَّه عبَّر عنها بلفظ العلم لأهمِّيَّته مِنْ عمومِ مُفْرَدات الشهادة، بدليلِ أنه أردف بعد كلامِه الأحاديثَ المصرِّحة بالشهادة المُقتضيةِ للعلم والنطق.

وجوابه: أنَّ الإشكال ليس في قصد المصنِّف، وإنما في عدمِ دقَّةِ عبارته ـ رحمه الله ـ، مع ما يعكِّر على هذا التوجيه مِنْ أنه لا يتحقَّق معه المعنى المطلوبُ في ذاته إلَّا بالبحث عن تأويلٍ يحتاجه اللفظُ؛ إذ «الأصلُ في اللفظ أَنْ يكون مُستقِلًّا بنفسه»، أي: يُفيدُ المعنى بذاته، وإفادتُه ذلك المعنى إنما تكون بالتطابق مع النصِّ الحديثيِّ؛ ابتغاءً للسلامة ودرءًا لأيِّ شبهةٍ.

التوجيه الثاني: أنَّ مُراد المصنِّف ـ رحمه الله ـ بالعلم هو المُرادِفُ لليقين، ويُؤيِّده حديثُ عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ مَاتَ ـ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ـ دَخَلَ الْجَنَّةَ»(٣).

وجوابُه: أنَّ الإشكال ـ أيضًا ـ لا يعود إلى قصده ـ رحمه الله ـ وحاشاه، وإنَّما إلى عدمِ دقَّةِ عبارته ـ رحمه الله ـ، ومع ذلك فإنَّ ذِكْرَ العلم ـ ولو أُريدَ به اليقينُ ـ قد يُستدَلُّ به على أنَّ مجرَّدَ معرفةِ القلب نافعةٌ دون النطق بالشهادتين لاقتصاره على العلم، وهو على خلافِ ما تَقرَّر مِنْ ركنية النطق بالشهادتين على القادر حتَّى يكون مسلمًا إجماعًا كما تَقدَّم، وضِمْنَ هذا المعنى قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ ما نصُّه: «ومذهبُ أهلِ السنَّة أنَّ المعرفة مُرتبِطةٌ بالشهادتين، لا تنفع إحداهما ولا تُنْجي مِنَ النار دون الأخرى إلَّا لمَنْ لم يقدر على الشهادتين لآفةٍ بلسانه أو لم تُمْهِله المدَّةُ ليقولها، بل اخترمَتْه المنيَّةُ، ولا حجَّةَ لمُخالِفِ الجماعة بهذا اللفظ؛ إذ قد وَرَد مفسَّرًا في الحديث الآخَر: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» و«مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ»، وقد جاء هذا الحديثُ وأمثالُه كثيرةٌ في ألفاظها اختلافٌ، ولمعانيها ـ عند أهل التحقيق ـ ائتلافٌ»(٤).

وقد ذَكَر المصنِّف ـ رحمه الله ـ أنَّ أوَّل واجبٍ على المكلَّف هو الشهادتان، واستشهد بحديثِ وفاة أبي طالبٍ، وليس فيه سوى شهادةٍ واحدةٍ عَرَضها عليه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم تجلَّتْ في كلمة الإخلاص.

ولعلَّ جوابَ هذا الإشكالِ في أنه لم يَقُلْ فيها: «محمَّدٌ رسول الله» مِنْ ناحيتين:

الأولى: لأنَّ الكلمتين صارَتَا كالكلمة الواحدة اختصارًا لها.

الثانية: ويُحْتمَلُ ـ أيضًا ـ أَنْ يكون أبو طالبٍ متحقِّقًا أنه رسول الله، غيرَ أنه لم يُقِرَّ بالتوحيد، فاقتصر على أمرِه له بقولِ: «لا إلهَ إلَّا اللهُ»، فإذا أقرَّ بالتوحيد لم يتوقَّف على الشهادة بالرسالة(٥).

خامسًا: وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في فصل: «حكم النظر في آيات الله» (ص ٣٨):

«يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ ـ مَعَ تَصْدِيقِهِ وَجَزْمِهِ ـ أَنْ يَنْظُرَ فِي آيَاتِ اللهِ وَيَسْتَعْمِلَ عَقْلَهُ لِلْفَهْمِ كَمَا تَجِبُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْوَاجِبَاتِ فِي الْإِسْلَامِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ[يونس: ١٠١]، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ مِمَّ خُلِقَ ٥[الطارق]، وَلِقَوْلِهِ: ﴿فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦٓ ٢٤[عَبَسَ]، وَلِقَوْلِهِ: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ ١٧ وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ ١٨ وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ ١٩ وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَتۡ ٢٠[الغاشية]».

تنبيه واستدراك:

الظاهر أنَّ الآياتِ التي استدلَّ بها المصنِّف ـ رحمه الله ـ على وجوب النظر والاستدلال إنما يُحتجُّ بها على الوجوب لمَنْ طَرَأ على فطرته ما يُفْسِدها أو يعكِّر صفوَها، أمَّا غيرُه فالمعرفةُ حاصلةٌ له بأصل الفطرة، لكِنْ يُستحَبُّ له النظرُ ويُرغَّب فيه؛ تثبيتًا للأصل وتفاديًا لأيِّ طارئٍ مُفْسِدٍ على الفطرة أو معكِّرٍ لها.

هذا، وقد اقتصر المصنِّف ـ رحمه الله ـ في استدلاله بالآيات على وجوب النظر بنوعِ طريقِ علمٍ واحدٍ مُوصِلٍ إلى توحيد الله سبحانه، المتمثِّلِ فيما أقامَهُ اللهُ مِنَ الأدلَّة الأُفُقية والنفسية التي تدلُّ على التوحيد أعظمَ دلالةٍ، وتشهد بلسانِ حالِهَا على لُطفِ صنعتِه وبديعِ حكمته وغرائبِ خَلْقِه، وهي النظرُ في مفعولات الله تعالى، غيرَ أنه تُوجَدُ أنواعُ طُرُقِ علمٍ أخرى تُرْشِد لتوحيده عزَّ وجلَّ، وأعظمُها: تدبُّرُ أسمائه وصِفَاتِه وأفعاله الدالَّة على كماله وعظمتِه وجلالِه؛ فإنها تُوجِبُ تعلُّقَ القلبِ به ومحبَّتَه والتألُّهَ له وَحْدَه لا شريكَ له(٦) ـ ذلك لأنَّ مفعولاتِ اللهِ تعالى تَستلزِمُ التدبُّرَ في أفعاله سبحانه؛ فمفعولاتُ اللهِ تعالى تدلُّ دلالةً جليَّةً على أفعال الله تعالى وصِفَاته، وذلك يقتضي ـ حتمًا ـ وجودَه وقدرتَه ومشيئتَه وعِلْمَه، وغيرَها مِنْ صفات الله تعالى.

وقد أفصح ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ عن طريقين إلى معرفة الله تعالى يأمر اللهُ بهما حيث قال ـ رحمه الله ـ: «الربُّ تعالى يدعو عِبادَه في القرآن إلى معرفته مِنْ طريقين: أحَدُهما: النظر في مفعولاته، والثاني: التفكُّرُ في آياته وتدبُّرُها، فتلك آياته المشهودة وهذه آياته المسموعة المعقولة، فالنوع الأوَّل: كقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ[البقرة: ١٦٤] إلى آخِرِها، وقولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠[آل عمران]، وهو كثيرٌ في القرآن. والثاني: كقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ[النساء: ٨٢؛ محمَّد: ٢٤]، وقولِه: ﴿أَفَلَمۡ يَدَّبَّرُواْ ٱلۡقَوۡلَ[المؤمنون: ٦٨]، وقولِه: ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ[ص: ٢٩]، وهو كثيرٌ أيضًا.

فأمَّا المفعولات فإنها دالَّةٌ على الأفعال، والأفعالُ دالَّةٌ على الصفات، فإنَّ المفعول يدلُّ على فاعلٍ فَعَله، وذلك يستلزم وجودَه وقدرتَه ومشيئتَه وعِلْمَه؛ لاستحالةِ صدور الفعل الاختياريِّ مِنْ معدومٍ أو موجودٍ لا قدرةَ له ولا حياةَ ولا عِلْمَ ولا إرادةَ، ثمَّ ما في المفعولات مِنَ التخصيصات المتنوِّعة دالٌّ على إرادة الفاعل وأنَّ فِعْلَه ليس بالطبع بحيث يكون واحدًا غيرَ متكرِّرٍ، وما فيها مِنَ المصالح والحِكَم والغايات المحمودة دالٌّ على حكمته تعالى، وما فيها مِنَ النفع والإحسان والخيرِ دالٌّ على رحمته، وما فيها مِنَ البطش والانتقام والعقوبة دالٌّ على غضبه، وما فيها مِنَ الإكرام والتقريب والعناية دالٌّ على محبَّته، وما فيها مِنَ الإهانة والإبعاد والخذلان دالٌّ على بُغضِه ومَقتِه وما فيها مِنِ ابتداء الشيء في غاية النقص والضعف ثمَّ سَوْقِه إلى تمامه ونهايتِه دالٌّ على وقوع المَعاد، وما فيها مِنْ أحوال النبات والحيوان وتصرُّفِ المياه دليلٌ على إمكان المَعاد، وما فيها مِنْ ظهور آثار الرحمة والنعمة على خَلْقه دليلٌ على صحَّة النبوَّات، وما فيها مِنَ الكمالات التي لو عَدِمَتْها كانَتْ ناقصةً دليلٌ على أنَّ مُعطيَ تلك الكمالاتِ أحقُّ بها، فمفعولاتُه مِنْ أدلِّ شيءٍ على صِفاتِه وصدقِ ما أخبرَتْ به رُسُلُه عنه، فالمصنوعات شاهدةٌ تصدِّق الآياتِ المسموعات، منبِّهةٌ على الاستدلال بالآيات المصنوعات؛ قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ[فُصِّلت: ٥٦]، أي: أنَّ القرآن حقٌّ، فأخبر أنه لا بُدَّ مِنْ أَنْ يُرِيَهم مِنْ آياته المشهودة ما يبيِّن لهم أنَّ آياتِه المتلوَّةَ حقٌّ، ثمَّ أخبر بكفايةِ شهادته على صحَّةِ خبره بما أقام مِنَ الدلائل والبراهينِ على صِدْقِ رسوله، فآياتُه شاهدةٌ بصدقه، وهو شاهدٌ بصدقِ رسوله بآياته، وهو الشاهد والمشهود له، وهو الدليل والمدلول عليه، فهو الدليلُ بنفسه على نفسه، كما قال بعضُ العارفين: كيف أطلب الدليلَ على مَنْ هو دليلٌ على كُلِّ شيءٍ؟! فأيُّ دليلٍ طلَبْتَه عليه وجَدْتَه أظهرَ منه؛ ولهذا قال الرُّسُلُ لقومهم: ﴿أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ[إبراهيم: ١٠]، فهو أعرفُ مِنْ كُلِّ معروفٍ وأبينُ مِنْ كُلِّ دليلٍ؛ فالأشياءُ عُرِفَتْ به في الحقيقة، وإِنْ كان عُرِف بها في النظر والاستدلال بأفعاله وأحكامه عليه»(٧).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٩ صفر ١٤٣٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٩ نوفمبر ٢٠١٦م

 



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الجنائز» (٣/ ٢٢٢) باب: إذا قال المشركُ عند الموت: «لا إلهَ إلَّا اللهُ»، ومسلمٌ في «الإيمان» (١/ ٢١٤) باب الدليل على صحَّةِ إسلامِ مَنْ حَضَره الموتُ ما لم يَشْرَعْ في النزع وهو الغرغرةُ، مِنْ حديثِ سعيد بنِ المسيِّب عن أبيه.

(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٣٠٢، ٦٠٩).

(٣) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (١/ ٢١٨) باب: مَنْ مات على التوحيد دَخَل الجنَّةَ، مِنْ حديثِ عثمان بنِ عفَّان رضي الله عنه.

(٤) «شرح مسلم» للنووي (١/ ٢١٩)

(٥) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (٧/ ١٩٦).

(٦) انظر: «تفسير السعدي» (٨٦٤).

(٧) «الفوائد» لابن القيِّم (٢٠).