Skip to Content
الثلاثاء 15 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 12 نوفمبر 2019 م

الكلمة الشهرية رقم: ١١٣

ومضاتٌ توضيحيةٌ
على العقائد الإسلامية
مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
لابن باديس ـ رحمه الله ـ

ـ تنبيهات واستدراكات ـ

ـ الحلقة الثالثة ـ

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

سادسًا: فقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في فصل: «وسائل إزالة الشبهات» (ص ٤٠):

«مَنْ عَرَضَتْ لَهُ شُبْهَةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى إِزَالَتِهَا: بِالنَّظَرِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِسُؤَالِ غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ[البقرة: ٢٣]، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكّٖ مِّمَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ فَسۡ‍َٔلِ ٱلَّذِينَ يَقۡرَءُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكَ[يونس: ٩٤]، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسۡ‍َٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ[النحل: ٤٣؛ الأنبياء: ٧]».

تنبيه واستدراك:

المصنِّف ـ رحمه الله ـ بعد أن بيَّن ما يزيد في اليقين ويقوِّي الإيمانَ ـ وذلك بالنظر في آيات الله المشهودة والتفكُّرِ في آياته المسموعة المعقولة ـ أراد الإشارةَ والتنبيه إلى ما يعكِّر صفاءَ العقيدة ويدفع بالإنسان إلى الشكِّ والحيرة ومختلفِ مكايد الشيطان وشراكه؛ لذلك تَناوَل بالذكر ما يحفظ للمرء عقيدتَه ويسلِّم قلبَه مِنَ الوساوس الإبليسية، والتلبيساتِ والخطرات الشيطانية.

هذا، والمعلوم أنَّ الذي يجب عليه إزالةُ الشبهة إذا عَرَضَتْ له إنما هو الشاكُّ الحائر الذي لم يعرف الحقَّ مِنَ الضلال، وهو مريدٌ للهدى ومؤثرٌ له وصادقٌ في طلبه؛ فهذا الذي إذا تَبيَّن له الحقُّ فحَرِيٌّ باتِّباعه؛ إذ الشرعُ أَمَر بالعلم والتعلُّم وسؤالِ أهل الذكر، ويسَّر القرآنَ وبيَّنه لمَنْ صلحَتْ نيَّتُه وحَسُنت سريرتُه؛ قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ[القمر: ١٧، ٢٢، ٣٢، ٤٠]، وقال تعالى: ﴿فَسۡ‍َٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٤٣ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٤٤[النحل].

وهذا بخلاف الشاكِّ المُعْرِض عن طلب الحقِّ وغيرِ المجتهد في السعي إلى معرفته، ولا يحدِّثُ نَفْسَه بغيرِ ما هو عليه، فهذا لا يُوفَّق غالبًا لمعرفة الحقِّ والانتفاع به.

أمَّا المعاند فليس بشاكٍّ لأنه يترك الحقَّ بعد معرفته وعلمِه به، ويرضى بما هو عليه مِنَ الباطل والضلالة، فهذا يُستبعَدُ رجوعُه لتركِه للحقِّ بعد ما تَبيَّن له((١)).

سابعًا: وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في فصل: «الإسلام بمعنى الدين» (ص ٤٢):

«يَجِيءُ لَفْظُ الْإِسْلَامِ ـ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ ـ مُرَادًا بِهِ: الدِّينُ كُلُّهُ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْعَقَائِدِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَحْكَامِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُ[آل عمران: ١٩]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا[المائدة: ٣]، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ»((٢)) إلخ».

تنبيه واستدراك:

يُطْلَقُ لفظُ «الإسلام» على أحكام الدِّين جميعًا كما في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٨٥[آل عمران]، وهذه الآيةُ والآيةُ الأولى التي استدلَّ بها المصنِّف ـ رحمه الله ـ تدلَّان على معنًى أَوْسَعَ مِنْ مُرادِ المصنِّف، وهو عمومُ ما بَعَثَ اللهُ به الأنبياءَ والمُرْسَلين مِنْ أوَّلِهم إلى آخِرِهم كما بيَّنه ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ حيث قال: «ولهذا كان رأسُ الإسلام: شهادةَ أَنْ «لا إله إلَّا الله»، وهي متضمِّنةٌ عبادةَ اللهِ وَحْدَه وتَرْكَ عبادةِ ما سِواه، وهو الإسلامُ العامُّ الذي لا يقبل اللهُ مِنَ الأوَّلين والآخِرِين دينًا سِواه»((٣))، وقال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُ[آل عمران: ١٩]: «إخبارًا منه تعالى بأنه لا دِينَ عنده يقبله مِنْ أحَدٍ سوى الإسلامِ، وهو اتِّباعُ الرُّسُل فيما بَعَثَهم اللهُ به في كُلِّ حينٍ حتَّى خُتِموا بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم»((٤))؛ فإنَّ هذا المعنى العامَّ للإسلام لا يُنافي الاستدلالَ بخصوص الإسلام الذي جاء به النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذا المقصودُ هو الأقربُ إلى إرادةِ المصنِّف ـ رحمه الله ـ لعدَمِ التعارض بين جنس الإسلام وآحاده أو أفراده، علمًا أنَّ المصنِّف ـ رحمه الله ـ ساقَ حديثَ ابنِ عمر رضي الله عنهما، وفيه دلالةٌ ـ أيضًا ـ على إرادة الدين كُلِّه وإِنْ أُطْلِق فيه لفظُ «الإسلام» على بعضِ أحكام الدين وقواعده؛ ذلك لأنَّ الإسلام الذي هو الدينُ كُلُّه بُنِيَ على هذه الخمس؛ ولهذا سُمِّيَتْ: قواعدَ الإسلام وأركانَه.

ثامنًا: وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في فصل: «الإسلام بمعنى الاستسلام» (ص ٤٥):

«وَيَجِيءُ الْإِسْلَامُ بِمَعْنَى الِاسْتِسْلَامِ فِي الظَّاهِرِ دُونَ إِيمَانٍ فِي الْقَلْبِ، وَهَذَا لَا يَنْفَعُ صَاحِبَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡ[الحُجُرات: ١٤]، وَلِحَدِيثِ سَعْدٍ: «أَعْطَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ رَهْطًا ـ وَسَعْدٌ جَالِسٌ فِيهِمْ ـ قَالَ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُعْطِهِ ـ وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ ـ فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «أَوْ مُسْلِمًا»، فَسَكَتُّ قَلِيلًا ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «أَوْ مُسْلِمًا»، فَسَكَتُّ قَلِيلًا ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لَأَرَاهُ مُؤْمِنًا»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «أَوْ مُسْلِمًا، إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ؛ خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ»»((٥)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ».

تنبيه واستدراك:

استدلَّ المصنِّف ـ رحمه الله ـ بالآية والحديثِ على أنَّ الإسلام المعرَّى عن الإيمانِ لا ينفع صاحِبَه؛ لأنَّ الإيمان لم يدخل في قلوبهم، ومَنْ لم يدخلِ الإيمانُ في قلبه فهو كافرٌ؛ فالأعرابُ المذكورون في الآيةِ مُنافِقون؛ لأنهم مسلمون في الظاهرِ وهُمْ كُفَّارٌ في الباطن، وهو أحَدُ القولين المشهورَيْن للسلف والخلف، واختاره البخاريُّ ومحمَّدُ بنُ نصرٍ المروزيُّ، واستظهره محمَّد الأمين الشنقيطيُّ ـ رحمه الله ـ((٦)).

أمَّا ما عليه جمهورُ أهلِ السنَّة فإنهم يُقرِّرون لهم الثوابَ على إسلامهم، ويُخْرِجهم إسلامُهم مِنَ الكفر والنفاق، وهو قولٌ مَرْوِيٌّ عن الحسن وابنِ سيرين وإبراهيمَ النَّخَعيِّ وأبي جعفرٍ الباقر، وبه قال حمَّادُ بنُ زيدٍ وأحمدُ بنُ حنبلٍ وسهلُ بنُ عبد الله التستريُّ وأبو طالبٍ المكِّيُّ وغيرُهم، وهو الصحيحُ الراجح خلافًا لِمَا رجَّحه المصنِّف ـ رحمه الله ـ، وذلك لِمَا يلي:

ـ لأنَّ الله تعالى أَثْبَتَ إسلامَهم ووَصَفهم بوصفٍ كريمٍ بقوله: ﴿وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا[الحجرات: ١٤]، والمعلومُ أنَّ الله تعالى لا يُثْبِت إسلامَ أحَدٍ إلَّا إذا صحَّ إسلامُه وكان ذلك مُوجِبًا لدخول الجنَّة، وإلحاقُهم برتبة المُنافِقين غيرُ سليمٍ؛ لأنَّ الله تعالى ذَكَر المُنافِقين في آياتٍ متعدِّدةٍ ولم يُقَرِّرْ إسلامَهم، بل نفى عنهم الإسلامَ نفيًا قاطعًا وأَثْبَتَ لهم الكفرَ، فمِنْ ذلك: قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ[التوبة: ٧٤]، وقولُه تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ قَالُواْ نَشۡهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَكَٰذِبُونَ ١[المنافقون]، وقولُه تعالى: ﴿وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٠٧[التوبة]، وقولُه تعالى: ﴿يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٩[البقرة]، وقال سبحانه في شأن المُنافِقين مِنَ الأعراب: ﴿وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغۡرَمٗا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَ[التوبة: ٩٨].

ـ ولأنَّ حرفَ ﴿لَمَّا﴾ ـ في الآية ـ يُنْفى به ما قَرُبَ وجودُه ويُنتظَرُ ويُتوقَّعُ حصولُه ولو لم يُوجَدْ بَعْدُ؛ فالإيمانُ منهم مُنْتَظَرٌ، ومَنْ دَخَلَ في الإسلام يحتاج إلى عَقْدِ النيَّةِ على الإخلاص لله تعالى والاعتقادِ بكُلِّ ما يبلغه مِنْ دينِ الله تعالى، وما يَرِدُ في القلب مِنْ حقائقِ الإيمان الكثيرة إنما يَثْبُتُ بالرفق والتدرُّج، وقد حَصَرَ اللهُ تعالى الإيمانَ ـ في آية الحجرات ـ في أهلِ الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله وهي مرتبةُ الصادقين؛ فتَعيَّن في هذا الموضعِ إطلاقُ غيرِ الإيمان على الذين دخلوا في الإسلامِ ولكِنْ لم يَصِلوا بَعْدُ إلى مرتبة الإيمان؛ ومِنْ هنا يتبيَّن أنَّ الذين وُصِفُوا بالإسلام دون الإيمانِ قد لا يكونون كُفَّارًا في الباطن، بل معهم بعضُ الإسلام المقبول؛ لأنَّ الإسلام لا يُرادِفُ الإيمانَ مُطْلقًا ولا يُخالِفه مُطْلقًا؛ إذ الإسلامُ أَوْسَعُ مِنَ الإيمان؛ فكُلُّ مؤمنٍ مسلمٌ وليس كُلُّ مسلمٍ مؤمنًا؛ فالإيمانُ أخصُّ مِنَ الإسلام، ونفيُ الأخصِّ لا يستلزم نفيَ الأعمِّ، ولأنَّ مِنَ الأعرابِ مُنافِقين ـ كما تَقدَّم ـ ومنهم مَنْ ليس كذلك، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩٩[التوبة]، وفيهم قسمٌ ثالثٌ ليس هو مُنافِقًا محضًا ولا هو مِنَ المؤمنين حقًّا، بل هو فاسقٌ مِلِّيٌّ وهو المَعْنِيُّ في آية الحجرات، قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «... فدلَّ البيانُ على أنَّ الإيمان المَنْفِيَّ عن هؤلاء الأعرابِ هو هذا الإيمانُ الذي نُفِي عن فُسَّاق أهلِ القِبلة الذين لا يُخلَّدون في النار، بل قد يكون مع أحَدِهم مثقالُ ذرَّةٍ مِنْ إيمانٍ، ونفيُ هذا الإيمانِ لا يقتضي ثبوتَ الكفر الذي يُخلَّد صاحِبُه في النار.

وبتَحقُّقِ هذا المَقامِ يزول الاشتباهُ في هذا الموضع، ويُعْلَم أنَّ في المسلمين قسمًا ليس هو مُنافِقًا محضًا في الدرك الأسفل مِنَ النار، وليس هو مِنَ المؤمنين الذين قِيلَ فيهم: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ١٥[الحجرات]، ولا مِنَ الذين قِيلَ فيهم: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗا[الأنفال: ٤، ٧٤]، فلا هم مُنافِقون ولا هم مِنْ هؤلاء الصادقين المؤمنين حقًّا، ولا مِنَ الذين يدخلون الجنَّةَ بلا عقابٍ، بل له طاعاتٌ ومَعاصٍ وحسناتٌ وسيِّئاتٌ، ومعه مِنَ الإيمان ما لا يُخلَّد معه في النار، وله مِنَ الكبائر ما يَستوجِبُ دخولَ النار، وهذا القسمُ قد يُسمِّيهِ بعضُ الناس: الفاسقَ المِلِّيَّ، وهذا ممَّا تَنازَعَ الناسُ في اسْمِه وحُكْمِه، والخلافُ فيه أوَّلُ خلافٍ ظَهَرَ في الإسلام في مسائل أصول الدين»((٧)).

وأمَّا حديثُ سعدٍ رضي الله عنه فقَدْ قال عنه ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ: «ومحصَّلُ القصَّةِ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان يُوسِّع العطاءَ لِمَنْ أَظْهَرَ الإسلامَ تألُّفًا، فلمَّا أعطى الرهطَ وهُمْ مِنَ المؤلَّفة وتَرَكَ جُعَيْلًا وهو مِنَ المهاجرين مع أنَّ الجميع سألوه؛ خاطَبَه سعدٌ في أمره لأنه كان يرى أنَّ جُعَيْلًا أحقُّ منهم لِمَا اختبره منه دونهم؛ ولهذا راجَعَ فيه أَكْثَرَ مِنْ مرَّةٍ، فأَرْشَدَه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلى أمرين:

أحَدُهما: إعلامُه بالحكمة في إعطاءِ أولئك وحرمانِ جُعَيْلٍ مع كونه أحبَّ إليه ممَّنْ أعطى؛ لأنه لو تَرَكَ إعطاءَ المؤلَّفِ لم يُؤْمَنِ ارتدادُه فيكون مِنْ أهل النار.

ثانيهما: إرشاده إلى التوقُّف عن الثناء بالأمر الباطن دون الثناء بالأمر الظاهر، فوَضَحَ بهذا فائدةُ ردِّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم على سعدٍ، وأنه لا يستلزم مَحْضَ الإنكارِ عليه، بل كان أحَدُ الجوابين على طريق المشورة بالأَوْلى، والآخَرُ على طريق الاعتذار»((٨)).

قلت: وممَّا وُجِّهَتْ به الآيةُ السابقة، وكذا مِنْ محصَّلِ القصَّةِ مِنْ حديثِ سعدٍ رضي الله عنه يتبيَّن عدَمُ نهوضِ الاحتجاجِ بهما فيما قرَّره المصنِّفُ ـ رحمه الله ـ لأنَّ نفيَ الإيمانِ المطلق لا يَلْزَم منه انتفاءُ مُطْلَقِ الإيمان. قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «وكُلُّ مؤمنٍ لا بُدَّ أَنْ يكون مسلمًا؛ فإنَّ الإيمان يستلزم الأعمالَ، وليس كُلُّ مسلمٍ مؤمنًا هذا الإيمانَ المطلق لأنَّ الاستسلامَ للهِ والعملَ له لا يتوقَّف على هذا الإيمانِ الخاصِّ»((٩)).

ـ يُتْبَع ـ

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٩ صفر ١٤٣٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٩ نوفمبر ٢٠١٦م

 



(١) انظر: «تفسير السعدي» (٣٥).

(٢) متَّفقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» (١/ ٤٩) باب: «دعاؤكم: إيمانُكم»، ومسلمٌ في «الإيمان» (١/ ١٧٧) بابُ بيانِ أركان الإسلام، والترمذيُّ في «الإيمان» (٥/ ٥) بابُ ما جاء: بُني الإسلام على خمسٍ، والنسائيُّ في «الإيمان وشرائعه» (٨/ ١٠٧) بابٌ: على كم بُني الإسلام؟ والبغويُّ في «شرح السنَّة» (١/ ١٧) بابُ بيانِ الأعمال، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمر رضي الله عنهما.

هذا، وقد وَرَدَ في رواية البخاريِّ والنسائيِّ تقديمُ الحجِّ على الصوم، وعليه بنى البخاريُّ ترتيبَه، لكِنْ وَرَد في مسلمٍ (١/ ١٤٦) مِنْ رواية سعد بنِ عُبَيْدة عن ابنِ عمر بتقديم الصوم على الحجِّ وفيه: «فقال رجلٌ: «الحَجُّ وَصِيَامُ رَمَضَانَ»، قَالَ: «لَا، صِيَامُ رَمَضَانَ وَالحَجُّ، هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»»، قال ابنُ حجرٍ في [«الفتح» (١/ ٥٠)]: «ففي هذا إشعارٌ بأنَّ رواية حنظلة التي في البخاريِّ مرويَّةٌ بالمعنى».

(٣) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٢٦٠، ١٠/ ١٥).

(٤) «تفسير ابن كثير» (١/ ٣٥٤).

(٥) أخرجه مسلمٌ بهذا اللفظ في «الإيمان» (٢/ ١٨٠) باب تألُّفِ قلبِ مَنْ يُخاف على إيمانه لضعفِه، وفي «الزكاة» (٧/ ١٤٨) بابُ إعطاء المؤلَّفة ومَنْ يُخاف على إيمانه.

والحديث أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» (١/ ٧٩) باب: إذا لم يكن الإسلامُ على الحقيقةِ وكان على الاستسلام أو الخوف مِنَ القتل، وفي «الزكاة» (٣/ ٣٤٠) بابُ قولِ الله تعالى: ﴿لَا يَسۡ‍َٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗا[البقرة: ٢٧٣]، وأبو داود في «السنَّة» (٥/ ٦٠) باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، مِنْ حديثِ سعد بنِ أبي الوقَّاص رضي الله عنه.

(٦) انظر: «أضواء البيان» للشنقيطي (٧/ ٦٣٨).

(٧) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٤٧٨)، وانظر تقريرَ هذا الأصلِ في: «مجموع الفتاوى» أيضًا (٧/ ٤٦١)، «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (٣٩٢)، «أضواء البيان» للشنقيطي (٧/ ٦٣٦).

(٨) «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٨٠).

(٩) «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢٧٠).