Skip to Content
الأحد 28 ذو القعدة 1438 هـ الموافق لـ 20 أغسطس 2017 م

الكلمة الشهرية رقم: ١١٤

ومضاتٌ توضيحيةٌ
على العقائد الإسلامية
مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
لابن باديس ـ رحمه الله ـ

ـ تنبيهات واستدراكات ـ

ـ الحلقة الرابعة ـ

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فمواصلةً لهذه السلسلة التوضيحية مِنَ التنبيهات والاستدراكات أقول ـ وبالله التوفيقُ ـ:

تاسعًا: قول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في فصل ٢٠: «الإيمانُ في اللغة» (ص ٤٩):

«الْإِيمَانُ ـ فِي اللُّغَةِ ـ هُوَ: التَّصْدِيقُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤۡمِنٖ لَّنَا وَلَوۡ كُنَّا صَٰدِقِينَ ١٧[يوسف]».

تنبيه واستدراك:

الإيمان ـ في اللغة ـ يدور مَعْناهُ على التصديقِ والثِّقَة والطُّمَأْنِينة وزوالِ الخوف والإقرار(١)، واختارَ المُصنِّفُ ـ رحمه الله ـ التصديقَ لِمَا عليه عامَّةُ أهلِ اللغة، قال ابنُ منظورٍ: «اتَّفق أهلُ العلمِ مِنَ اللغويين وغيرِهم أنَّ الإيمان مَعْناهُ: التصديقُ»(٢).

والحقيقة أنَّ التعريف بالإقرار ـ مِنْ جهةِ اللغةِ ـ أَصْدَقُ في الدلالة على معنى الإيمانِ مِنْ غيرها مِنَ الألفاظ الأخرى التي فُسِّرَ بها الإيمانُ، وقد نَبَّهَ إلى هذه الحقيقةِ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ وأجلاها بالكشف عن فوارقَ مُهِمَّةٍ لفظًا ومعنًى تدفع دعوى الترادف بين الإيمان والتصديق مِنْ جهةِ اللغة، منها:

١ ـ مِنْ جهة المعنى: أنَّ الإيمان ليس مُرادِفًا للتصديق في المعنى؛ فلا يُسْتَعْمَلُ الإيمانُ إلَّا فيما يُؤتمَنُ فيه المُخْبِرُ كالأمور الغيبية ونحوِها ممَّا يدخله الرَّيْبُ؛ لكونه مُشْتَقًّا مِنَ الأمن، أمَّا المُشاهَداتُ المحسوسةُ فلا تُسْتَخْدَمُ فيها لفظةُ: «آمَنَ» وإنما يُقالُ فيها: «صدَّق»؛ فإنَّ كُلَّ مُخْبِرٍ عن مُشاهَدةٍ أو غَيْبٍ يُقالُ له: «صَدَقْتَ» كما يُقالُ له: «كَذَبْتَ»، أمَّا لفظُ «الإيمان» فلا يُسْتَعْمَلُ إلَّا في الخبر عن غائبٍ.

٢ ـ مِنْ جهة المُقابَلة: أنَّ لَفْظَ: «الإيمان» ـ في اللغة ـ لا يُقابَلُ بالتكذيب كلفظِ التصديق؛ فإنه مِنَ المعلوم ـ في اللغة ـ أنَّ كُلَّ مُخْبِرٍ يُقالُ له: «صَدَقْتَ» أو «كَذَبْتَ»، ويقال: «صدَّقْناهُ» أو «كذَّبناهُ»، ولا يُقالُ لكُلِّ مُخْبِرٍ: «آمَنَّا له» أو «كذَّبْناهُ»، ولا يُقالُ: «أنت مُؤْمِنٌ له» أو «مكذِّبٌ له»، بل المعروفُ في مُقابَلةِ الإيمانِ لفظُ الكفر، يُقالُ: «هو مُؤْمِنٌ أو كافرٌ»، والكفرُ لا يختصُّ بالتكذيب.

٣ ـ مِنْ جهة التعدِّي: فإنَّ لَفْظَ: «آمَنَ» يختلف عن لَفْظِ: «صدَّق»؛ فإنَّ «آمَنَ» لا يتعدَّى إلَّا بالباء أو اللام ـ كما تَقدَّمَ ـ فيقالُ: «آمَنَ به» و«آمَنَ له»، ولا يُقالُ: آمَنَه إلَّا مِنَ الأمَان الذي هو ضدُّ الإخافة، بينما لفظُ «صدَّق» فإنه يَصِحُّ تَعْدِيَتُه بنَفْسِه فيقال: «صدَّقَهُ».

وعليه، فالإيمانُ ليس هو مجرَّدَ التصديقِ فحَسْبُ مع خُلُوِّه مِنْ طُمَأْنِينةٍ وأمنٍ والْتزامٍ وانقيادٍ؛ فإنَّ هذا لا يعكس ـ بصدقٍ ـ حقيقةَ الإيمان؛ إذ لو أَخْبَرَ غيرَه بخبرٍ لا يَتضمَّنُ طمأنينةً إلى المُخْبِرِ ولا الثِّقَةَ به فلا يُقالُ فيه: «آمَنَ له»، وكذلك إذا تَضَمَّنَ خبرُه طاعةَ المُسْتمِعِ له مع حصولِ الطُّمَأْنِينةِ إلى صِدْقِه؛ فإنه لا يكون مُؤْمِنًا للخبر إلَّا بالْتزامِ طاعته مع تصديقه؛ فإِنْ صدَّقه دون الْتزامٍ بطاعته فإنَّ هذا يُسمَّى تصديقًا ولا يُسمَّى إيمانًا.

لذلك كان لفظُ الإقرارِ مُوافقًا ـ مِنْ جهةِ اللغة ـ للإيمانِ المُشْتَقِّ مِنَ الأمن الذي هو الإقرارُ والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقرَّ في القلبِ التصديقُ والانقياد، أي: هو مُتضمِّنٌ للالتزام بالمُؤْمَنِ به، سواءٌ كان خبرًا أو إنشاءً، ووجهُ تَضَمُّنِ لفظِ الإقرار للالتزام مِنْ جهتين:

الأولى: الإخبار، وهو ـ مِنْ هذا الوجهِ ـ كلفظِ التصديق والشهادةِ ونحوِهما، وهذا مَعْنَى الإقرارِ الذي يذكره الفُقَهاءُ في كتاب الإقرار.

والثانية: إنشاءُ الالتزام كما في قوله تعالى: ﴿ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨١[آل عمران]، وليس هو ـ هنا ـ الخبرَ المجرَّد؛ فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِي[آل عمران: ٨١]؛ فهذا الالتزامُ للإيمان والنصرِ للرسول وكذلك لفظُ «الإيمانِ» فيه إخبارٌ وإنشاءٌ والْتزامٌ، بخلافِ لفظِ «التصديق» المجرَّدِ فإنه يُطابِقُ الخبرَ فقط، بينما الإقرارُ يُطابِقُ الخبرَ والأمر؛ فكان الإقرارُ أَصْدَقَ في الدلالةِ على مَعْنَى الإيمان لتَضمُّنِه قولَ القلبِ ـ الذي هو التصديقُ ـ وعَمَلَ القلبِ ـ الذي هو الانقيادُ ـ(٣).

فالحاصل: أنه لا ينبغي أَنْ يُتوهَّم بأنَّ الإيمان ـ في اللغة ـ هو مُطْلَقُ التصديقِ مجرَّدًا عن معنًى زائدٍ؛ فمِثْلُ هذا التجريدِ للألفاظ العربيةِ لا يُوجَدُ إلَّا في المَعاجِمِ والقواميس التي تكتفي بذِكْرِ المعنى المشترك اقتصارًا دون بيانِ الزيادات واللوازم التي يقتضيها الاستعمالُ؛ بُغيةَ اختصارِ المعنى وتسهيلِ الفهم على القارئ، وإنما الألفاظُ ـ في لغة العرب ـ لا تُوجَدُ إلَّا ضِمْنَ كلامٍ مُفيدٍ مقيَّدةً بقيودٍ يقتضيها الاستعمالُ.

ومنه يَتبيَّنُ أنَّ الإيمان يَتضمَّنُ معنًى زائدًا على مجرَّد التصديق، وهو الإقرارُ المُسْتلزِمُ لقَبول الأخبار والإذعانِ للأحكام.

عاشرًا: وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في فصل ٢١: «مَحَل الإيمان» (ص ٤٩):

«مَحَلُّ الْإِيمَانِ ـ بِمَعْنَى التَّصْدِيقِ الْجَازِمِ ـ هُوَ الْقَلْبُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡ[الحُجُرات: ١٤]، وَلِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يَسۡتَ‍ٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ ٤٥[التوبة]، وَلِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «يُدْخِلُ اللهُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ، وَيُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا مَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ».

تنبيه واستدراك:

تَقرَّرَ ـ في الشريعة ـ أنَّ مَحَلَّ الإيمانِ والعقلِ والفقهِ والزيغِ ونحوِ ذلك: هو القلبُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ[الحُجُرات: ٧]، وقولِه تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ[المجادلة: ٢٢]، وقولِه: ﴿وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ[النحل: ١٠٦]، وكذلك الآيات التي استدلَّ بها المُصنِّفُ ـ رحمه الله ـ على أنَّ مَحَلَّ الإيمانِ في القلب، وإلى هذا المَحَلِّ أضافَ اللهُ تعالى العقلَ والفقه والزيغ في مثلِ قوله تعالى: ﴿أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ[الحج: ٤٦]، وقولِه تعالى: ﴿وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ ٨٧[التوبة]، وقولِه تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ[الصف: ٥].

كما يدلُّ ـ مِنَ السنَّة ـ على أنَّ مَحَلَّ الإيمانِ ومُسْتقَرَّه القلبُ قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ..»(٤).

كما أنَّ النيَّةَ مَحَلُّها القلبُ باتِّفاقِ العُلَماء على ما نَقَلهُ عنهم ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ(٥).

هذا، والقلب الذي يَعْنيهِ اللهُ تعالى في هذه الآياتِ إنما مَحَلُّه الصدرُ، وقد جاء التنصيصُ عليه صراحةً في قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ ٤٦[الحج].

وللتذكير والتنبيه فإنَّ الإيمان المتعلِّق بالقلب ليس مجرَّدَ التصديقِ الجازم الذي هو قولُ القلب فحسب، وإنما حقيقتُه أنه قائمٌ على أصلين: قول القلب وعَمَله.

ـ فأمَّا قول القلب فهو: التصديقُ بالحقِّ واعتقادُه؛ فلا بُدَّ مِنْ تصديق الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم فيما أخبر به؛ فتصديقُ القلبِ شرطٌ في اعتقادِ بقيَّةِ الأجزاء وكونِها نافعةً، ومعنَى ذلك أنه إذا زالَ تصديقُ القلب لم تنفع بقيَّةُ الأجزاء.

ـ أمَّا عملُ القلب فهو: مَحَبَّةُ الحقِّ وإرادتُه مثل: الإخلاص والحبِّ والخوف والرجاء والتعظيم والانقياد والتوكُّل وغيرِها مِنْ أعمال القلوب؛ فإذا زالَ عَمَلُ القلبِ مع اعتقادِ الصدق فإنَّ أهل السُّنَّةِ مُجْمِعون على زوال الإيمان، وأنه لا ينفع التصديقُ مع انتفاءِ عَمَلِ القلب(٦)؛ قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «وفي الجملة فلا بُدَّ في الإيمان الذي في القلب مِنْ تصديقٍ بالله ورسوله، وحُبِّ الله ورسولِه، وإلَّا فمُجرَّدُ التصديقِ مع البغض لله ولرسوله ومُعاداةِ الله ورسوله ليس إيمانًا باتِّفاق المسلمين»(٧).

وقال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «كُلُّ مسألةٍ علميةٍ فإنه يتبعها إيمانُ القلبِ وتصديقُه وحُبُّه، وذلك عملٌ، بل هو أصلُ العمل، وهذا ممَّا غَفَلَ عنه كثيرٌ مِنَ المتكلِّمين في مَسائِلِ الإيمان، حيث ظنُّوا أنه مُجرَّدُ التصديقِ دون الأعمال، وهذا مِنْ أَقْبَحِ الغلط وأَعْظَمِه؛ فإنَّ كثيرًا مِنَ الكُفَّار كانوا جازمين بصدقِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم غيرَ شاكِّين فيه، غير أنه لم يقترن بذلك التصديقِ عَمَلُ القلبِ مِنْ حُبِّ ما جاءَ به والرِّضا به وإرادتِه، والمُوالاةِ والمُعاداةِ عليه؛ فلا تُهْمِلْ هذا الموضعَ فإنه مُهِمٌّ جدًّا، به تُعْرَفُ حقيقةُ الإيمان»(٨).

هذا، ويجدر التنبيهُ إلى أنَّ المصنِّف ـ رحمه الله ـ جَعَل الحديثَ ممَّا انفرد به مسلمٌ عن البخاريِّ، والصحيحُ أنه ممَّا أخرج البخاريُّ ـ أيضًا ـ في «الإيمان» (١/ ٧٢) بابُ تَفاضُلِ أهلِ الإيمان في الأعمال، وفي «الرِّقاق» (١١/ ٤١٦) بابُ صفةِ الجنَّة والنار، ومسلمٌ في «الإيمان» (٣/ ٣٥ ـ ٣٦) بابُ إثباتِ الشفاعة وإخراجِ المُوحِّدين مِنَ النار، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه؛ وتمامُه: «فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا حُمَمًا قَدِ امْتَحَشُوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرِ الحَيَاةِ أَوْ الحَيَا فَيَنْبُتُونَ فِيهِ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ إِلَى جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَوْهَا كَيْفَ تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً؟».

علمًا أنَّ عبارة: «ذَرَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ» التي نصَّ عليها المصنِّف ـ رحمه الله ـ في متن الحديث وعزاها لمسلمٍ لا أثرَ لها في مسلمٍ بل ولا في البخاريِّ، وإنما هي مِنْ روايةِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه الثابتةِ في «سنن ابن ماجه» (١/ ٢٢).

حادي عشر: وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في فصل ٢٦: «الإيمانُ قولٌ وعملٌ» (ص ٥٤):

«الْإِيمَانُ ـ فِي الْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ ـ هُوَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْقَلْبِ وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ، فَمَنِ اسْتَكْمَلَ ذَلِكَ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهُ لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ[الأنفال: ٢]، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ١٥[الحُجُرات]، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسٍ(٩)، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَنَسٍ(١٠)، وَلِقَوْلِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ ـ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ ـ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ رَحِمَهُمَا اللهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ(١١)».

تنبيه واستدراك:

الذي قرَّرهُ المصنِّفُ ـ رحمه الله ـ في تعريف الإيمان شرعًا سَقَطَ منه خطئًا: «قولٌ بالقلب و..»، يُؤكِّدُه ما سَبَقَ تقريرُه مِنْ أنَّ الدِّين كُلَّه: عقدٌ بالقلب ونطقٌ باللسان وعملٌ بالجوارح الظاهرة والباطنة، وهو مُعْتقَدُ أهلِ السنَّة والجماعة؛ فقَدِ اتَّفَقَ الصحابةُ والتابعون ومَنْ بَعْدَهم مِنْ أهل السنَّة على ذلك؛ قال محمَّد بنُ إدريس الشافعيُّ ـ رحمه الله ـ: «وكان الإجماعُ مِنَ الصحابة والتابعين مِنْ بَعْدِهم ومَنْ أَدْرَكْناهم يقولون: إنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ ونيَّةٌ، لا يُجْزِئُ واحدٌ مِنَ الثلاثةِ إلَّا بالآخَرِ»(١٢).

وقال ابنُ عبد البرِّ ـ رحمه الله ـ: «أَجْمَعَ أهلُ الفقهِ والحديثِ على أنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ، ولا عَمَلَ إلَّا بنيَّةٍ، والإيمانُ ـ عندهم ـ يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعاتُ كُلُّها ـ عندهم ـ إيمانٌ»(١٣).

والنقولُ مُتواتِرةٌ عن السلف بأنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ وإِنْ تَفاوَتَتْ عباراتُ السلفِ في الإيمان؛ فلا فَرْقَ بين قولهم: «إنَّ الإيمان قولٌ وعملٌ»، أو «قولٌ وعملٌ ونيَّةٌ»، أو «قولٌ وعملٌ واعتقادٌ»، أو «تصديقٌ بالجَنان وقولٌ باللسان وعملٌ بالجوارح» وغيرها؛ فكُلُّها عباراتٌ مُتفاوِتةُ الألفاظِ داخلةٌ في باب اختلاف التنوُّع، ليس فيها اختلافٌ معنويٌّ.

ثاني عشر: وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في فصل ٢٧: «الإيمانُ يزيد وينقص» (ص ٥٨) مُستدِلًّا بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم:

«مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ»، ثمَّ قال في تخريجه: «رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ».

تنبيه واستدراك:

الحديث لم يُخْرِجْه البخاريُّ ـ وهو وَهْمٌ مِنَ المصنِّف رحمه الله ـ وإنما انفرد بروايته مسلمٌ عن البخاريِّ فأخرجه في «الإيمان» (٢/ ٢٢ ـ ٢٣) بابُ بيانِ كون النهي عن المُنْكَرِ مِنَ الإيمان، وأبو داود في «الملاحم» (٤/ ٥١١) باب الأمر والنهي، والترمذيُّ في «الفِتَن» (٤/ ٤٦٩ ـ ٤٧٠) بابُ ما جاء في تغيير المُنْكَر باليد أو باللسان أو بالقلب، والنسائيُّ في «الإيمان» (٨/ ١١١، ١١٢) بابُ تفاضُلِ أهل الإيمان، وابنُ ماجه في «إقامة الصلاة» (١/ ٤٠٦) بابُ ما جاء في صلاة العيدين، وفي «الفِتَن» (٢/ ١٣٣٠) باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأحمد في «مسنده» (٣/ ١٠، ٢٠، ٤٩، ٥٢، ٥٤، ٩٢)، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه.

ثالث عشر: وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في فصل ٢٨: «التصديقُ يقوى ويضعف» (ص ٥٨):

«التَّصْدِيقُ ـ الَّذِي هُوَ الْجُزْءُ الْأَصْلِيُّ فِي الْإِيمَانِ ـ يَقْوَى وَيَضْعُفُ: يَقْوَى بِالنَّظَرِ فِي الآيَاتِ الْكَوْنِيَّةِ، وَالتَّدَبُّرِ فِي الآيَاتِ السَّمْعِيَّةِ، وَالتَّقَرُّبِ بِالْعِبَادَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، وَيَضْعُفُ بِضِدِّ ذَلِكَ»، ثمَّ استدلَّ بآيتين وحديثين.

تنبيه واستدراك:

ذَكَر المصنِّفُ ـ رحمه الله ـ أنَّ التصديقَ بالقلب والإقرارَ به هو الجزءُ الأصليُّ في الإيمان؛ لأنه بزواله لا تنفع أجزاءُ الإيمان باتِّفاق المسلمين، ولم يتعرَّضْ ـ رحمه الله ـ تصريحًا لعملِ القلب؛ فإنَّ عَمَلَ القلبِ هو ـ أيضًا ـ جزءٌ أصليٌّ في الإيمان؛ فأهلُ السنَّة مُجْمِعون على أنَّ زوالَ عملِ القلب هو زوالٌ للإيمان خلافًا للمُرْجِئة، وما أشار إليه المصنِّف ـ رحمه الله ـ في استدلاله بالنصوص الشرعية يُؤكِّد هذا الجزءَ الأصليَّ في الإيمان، كما يؤكِّده ما ذَكَره في مواطنَ أخرى مثل قوله: «والحبُّ في الله مثلًا يُسمَّى إيمانًا»(١٤)، وقولِه: «مَنْ لم يُخْضِعْ قلبَه لِمَا عَرَفه مِنْ عقائد الإسلام لم تُفِدْه تلك المعرفةُ ولم يكن بها مِنَ المسلمين»(١٥) وغيرها؛ ذلك لأنَّ القلب هو الأصلُ ورأسُ الأمر، وأعمالُه يُشترَطُ ـ في قَبولها ـ الإخلاصُ فيها لله تعالى وهو عملٌ قلبيٌّ، بل هي مِنْ أهمِّ المطالب؛ إِذْ لا تُقْبَلُ الأعمالُ الظاهرةُ إِنْ خَلَتْ مِنَ الأعمال القلبية، ولا عِبْرةَ بصلاح الظاهر مع فساد الباطن؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ»(١٦).

لذلك وَجَب على المسلم العنايةُ بإصلاحِ باطنه بتطهيرِ قلبه ممَّا يُدنِّسُه مِنَ الآفات والمكروهات، وعمارتِه بمحبَّة الله عزَّ وجلَّ ومحبَّةِ ما يُحِبُّه اللهُ عزَّ وجلَّ، والعملِ على تقويةِ إيمانه، والخشيةِ مِنْ كُلِّ ما يُباعِدُ منه.

ـ يُتْبَع ـ

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٤ ربيع الثاني ١٤٣٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٢ يناير ٢٠١٧م

 



(١) انظر: «المفردات» للراغب الأصفهاني (٣٥)، «تهذيب اللغة» للأزهري (١٥/ ٥١٣)، «الصحاح» للجوهري (٥/ ٢٠٧١)، «القاموس المحيط» للفيروزآبادي (١٥١٨).

(٢) «لسان العرب» لابن منظور (١/ ٢٢٤).

(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٢٩٠ ـ ٢٩٣، ٥٢٩ ـ ٥٣٤، ٦٣٧ ـ ٦٣٨).

(٤) أخرجه أبو داود في «الأدب» (٥/ ١٩٤) بابٌ في الغِيبة، وأحمد في «مسنده» (٤/ ٤٢٠ ـ ٤٢١)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١٠/ ٤١٨) و«شُعَب الإيمان» (٩/ ٧٤) و«الآداب» (٤٨)، والموصليُّ في «مسنده» (١٣/ ٤١٩)، مِن حديث أبي بَرْزَةَ رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع الصغير» (٦/ ٣٠٨) رقم: (٧٨٦١).

(٥) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٨/ ٢٦٢).

(٦) انظر: «كتاب الصلاة» لابن القيِّم (٥٤).

(٧) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٥٣٧).

(٨) «الصواعق المُرْسَلة» لابن القيِّم باختصار الموصلي (٥١٥).

(٩) أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» (١/ ٥٦) باب: مِنَ الإيمان أَنْ يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنَفْسِه، ومسلمٌ في «الإيمان» (٢/ ١٦) باب الدليل على أنَّ مِنْ خِصالِ الإيمان أَنْ يُحِبَّ لأخيه المسلم ما يُحِبُّ لنَفْسِه مِنَ الخير، مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه.

(١٠) أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» (١/ ٥٨) باب: حُبُّ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم مِنَ الإيمان، ومسلمٌ في «الإيمان» (٢/ ١٥) بابُ وجوبِ محبَّة الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم أَكْثَرَ مِنَ الأهل، مِنْ حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه.

(١١) أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» (١/ ٥١) بابُ أمور الإيمان، ومسلمٌ في «الإيمان» (٢/ ٣ ـ ٦) بابُ بيانِ عدد شُعَبِ الإيمان، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(١٢) انظر: «شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة والجماعة» للَّالَكائي (٥/ ٨٨٦)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٧/ ٣٠٨).

(١٣) «التمهيد» لابن عبد البرِّ (٩/ ٢٣٨).

(١٤) «العقائد الإسلامية» لابن باديس (٥٤) في الفصل: (٢٥).

(١٥) المصدر السابق (٦٣) في الفصل: (٣١).

(١٦) أخرجه البخاريُّ في «الإيمان» (١/ ١٢٦) بابُ فضلِ مَنِ استبرأ لدِينه، ومسلمٌ في «المساقاة» (١١/ ٢٧) بابُ أخذِ الحلال وتركِ الشُّبُهات، مِنْ حديثِ النعمان بنِ بشيرٍ رضي الله عنهما.