Skip to Content
الأحد 28 ذو القعدة 1438 هـ الموافق لـ 20 أغسطس 2017 م

الكلمة الشهرية رقم: ١١٧

ومضاتٌ توضيحيةٌ
على العقائد الإسلامية
مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
لابن باديس ـ رحمه الله ـ

ـ تنبيهات واستدراكات ـ

ـ الحلقة السادسة ـ

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

ففي هذه السلسلة التوضيحية أُواصِلُ متابعةَ فصولِ عقائد الإيمان للإمام ابنِ باديس ـ رحمه الله ـ ومنهجِه في تقرير أسماء الله وصِفَاتِه بالتنبيهات والاستدراكات على ما يأتي:

سادس عشر: قول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في الفصل ٣٥: «الوجودُ والقِدَمُ والبقاء» (ص ٦٨):

«هُوَ الْمَوْجُودُ الْحَقُّ لِذَاتِهِ، الَّذِي لَا يَقْبَلُ وُجُودُهُ الْعَدَمَ؛ فَهُوَ الْقَدِيمُ الَّذِي لَا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ، وَهُوَ الْبَاقِي الَّذِي لَا نِهَايَةَ لِوُجُودِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ[إبراهيم: ١٠]»، ثمَّ ساق جملةً أخرى مِنَ الأدلَّة القرآنية.

تنبيه واستدراك:

عبارةُ: «واجب الوجود لذاته» أَحْدَثَها الفلاسفةُ والمتكلِّمون، وهي لا تُعْرَفُ في كلام الشارع ولا في كلام السلف، لكنَّ المعنى ثابتٌ في كلام الشارع ومُجْمَعٌ عليه، وهو قولُه تعالى: ﴿هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ[الحديد: ٣]، وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ»(١).

وكذلك اسمُ «القديمُ» لم يَرِدْ به نصٌّ مِنَ الشرع على أنَّه مِنْ أسمائه؛ لذلك لا ينبغي عَدُّهُ في أسماءِ الله الحُسْنى لعَدَمِ ثبوته مِنْ جهةِ النقل، ويُغْنِي عنه اسْمُه ـ سبحانه ـ «الأوَّلُ» كما تَقَدَّمَ في آيةِ سورة الحديد والحديث.

قال ابنُ أبي العزِّ ـ رحمه الله ـ: «وقد أَدْخَلَ المتكلِّمون في أسماءِ الله تعالى «القديمَ»، وليس هو مِنَ الأسماء الحُسْنى؛ فإنَّ «القديم» في لغةِ العرب التي نَزَلَ بها القرآنُ هو: المُتقدِّمُ على غيره؛ فيُقالُ: «هذا قديمٌ» للعتيق، و«هذا حديثٌ» للجديد، ولم يَسْتعملوا هذا الاسْمَ إلَّا في المُتقدِّمِ على غيره، لا فيما لم يَسْبِقْهُ عدمٌ، كما قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ ٣٩[يس]، والعرجونُ القديمُ: الذي يبقى إلى حينِ وجودِ العرجون الثاني؛ فإذا وُجِدَ الجديدُ قِيلَ للأوَّل: قديمٌ.. وأمَّا إدخالُ «القديم» في أسماء الله تعالى فهو مشهورٌ عند أَكْثَرِ أهل الكلام، وقد أَنْكَرَ ذلك كثيرٌ مِنَ السلف والخلف، منهم ابنُ حزمٍ ـ رحمه الله ـ؛ ولا رَيْبَ أنه إذا كان مُسْتعمَلًا في نفسِ التقدُّمِ فإنَّ ما تَقَدَّمَ على الحوادث كُلِّها فهو أَحَقُّ بالتقدُّم مِنْ غيره، لكنَّ أسماء الله تعالى هي الأسماءُ الحُسْنى التي تدلُّ على خصوصِ ما يُمْدَحُ به، والتقدُّمُ ـ في اللغة ـ مطلقٌ لا يختصُّ بالتقدُّم على الحوادث كُلِّها؛ فلا يكونُ مِنَ الأسماء الحُسْنى، وجاء الشرعُ باسْمِه «الأوَّل» وهو أَحْسَنُ مِنَ «القديم»؛ لأنه يُشْعِرُ بأنَّ ما بعده آيلٌ إليه وتابعٌ له، بخلافِ «القديم»، واللهُ تعالى له الأسماءُ الحُسْنى لا الحَسَنةُ»(٢).

ويُلاحَظُ أنَّ المُصنِّف ـ رحمه الله ـ لم يُورِدْ ذِكْرَ «القديم» على أنه اسْمٌ مِنْ أسماءِ الله تعالى، وإنما ذَكَره مِنْ بابِ الخبر، بمَعْنَى أنه مُتقدِّمٌ على كُلِّ ما سِواهُ، وبابُ الإخبار أَوْسَعُ مِنْ باب الصفات التوقيفية ـ كما أفادَ ذلك ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ حيث قال: «إنَّ ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أَوْسَعُ ممَّا يدخل في باب أسمائه وصِفاته ﻛ: «الشيء» و«الموجود» و«القائم بنَفْسِه»؛ فإنه يُخْبَرُ به عنه ولا يدخل في أسمائه الحُسْنى وصِفاتِه العُلْيا»(٣).

ويُلاحَظُ ـ أيضًا ـ: احتياطُ المُصنِّف ـ رحمه الله ـ في عبارته حيث قيَّدَ «القديمَ» بأنه «الذي لا بِدايةَ لوجوده»؛ فلو أَطْلَقَها مِنْ غيرِ تقييدٍ لم يكن مَعْناها الحقُّ صحيحًا إلَّا بالزيادة المذكورة.

وفي قوله تعالى: ﴿أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ[إبراهيم: ١٠]، فالظاهرُ أنَّ المُصنِّف ـ رحمه الله ـ استدلَّ بالآيةِ على معنى الوجود الحقِّ لذاته ـ وهو أَحَدُ مَعاني الآية ـ ويكون مَعْناها: أفي وجودِ اللهِ شكٌّ؟! ذلك لأنَّ الفطرة السليمةَ شاهدةٌ بوجوده ومجبولةٌ على الإقرار به، غيرَ أنه قد يَقْترِنُ بالفطرةِ بعضُ حالاتِ الاضطراب والشكِّ؛ الأمرُ الذي يحتاج إلى نظرٍ في الدليل المُوصِلِ إلى وجوده.

ومِنْ مَهَمَّة الرُّسُلِ إرشادُ الناس إلى طريقِ معرفته تعالى بأنه فاطرُ السماواتِ والأرض الذي خَلَقهما وأَنْشَأَهما وابتدعهما مِنَ العدم؛ فهي شواهدُ دالَّةٌ على عدَمِ الشكِّ في وجوده ـ سبحانه ـ ووحدانيته.

والآيةُ تَحْتَمِلُ ـ أيضًا ـ معنى الإلهيةِ وتوحيدِ العبادة، ويكونُ مَعْناها: أفي إلهيته وتَفرُّدِهِ بوجوبِ العبادة له شكٌّ!! وهو المُخْترِعُ لجميع الموجودات والمُبْدِعُ لها على غيرِ مثالٍ سابقٍ؟ فإنَّ شواهد الحدوثِ والخَلْقِ والتسخيرِ ظاهرةٌ عليها، والإلهيةُ مُشارٌ إليها بلفظِ الجلالة في الآية؛ وعليه فلا يَسْتحِقُّ العبادةَ إلَّا هو وَحْدَهُ لا شريكَ له؛ ذلك لأنَّ غالِبَ الأُمَمِ كانَتْ مُقِرَّةً بالصانع، ولكِنْ كانَتْ تعبد معه غيرَه مِنَ الأولياءِ والوسائط(٤).

وللآية معنًى ثالثٌ ذَكَرَهُ القرطبيُّ ـ رحمه الله ـ فقال: «ويحتمل وجهًا ثالثًا: أفي قدرةِ الله شكٌّ؟ لأنهم مُتَّفِقون عليها ومُخْتَلِفون فيما عَدَاهَا، يدلُّ عليه قولُه: ﴿فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ﴾: خالِقِها ومُخْترِعِها ومُنْشِئِها ومُوجِدِها بعد العدم؛ ليُنبِّهَ على قدرته فلا تجوزُ العبادةُ إلَّا له»(٥).

وفي الآية معانٍ أخرى.

والمعنى الأوَّل الذي اختاره المُصنِّفُ ـ رحمه الله ـ أَقْرَبُ في المُجادَلةِ وأَوْضَحُ عند المُحاجَجة؛ لأنَّ الله ـ سبحانه ـ «أَعْرَفُ مِنْ كُلِّ معروفٍ وأَبْيَنُ مِنْ كُلِّ دليلٍ؛ فالأشياءُ عُرِفَتْ به في الحقيقة، وإِنْ كان عُرِفَ بها في النظر والاستدلال بأفعاله وأحكامه عليه»(٦)، ولو أشار المصنِّف ـ رحمه الله ـ إلى المعنى الثاني ـ وهو توحيد الإلهية والعبادة ـ لكان أكملَ في العبارة وأَفْيَدَ في المعنى؛ لأنَّ كثيرًا ما يَرِدُ في القرآنِ الاستدلالُ بتوحيد الربوبية الذي جُبِلَتْ عليه فِطَرُ العُقَلاء: كقوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَهُمۡ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٨٧[الزخرف]، الدالِّ على استلزامِ توحيدِ الإلهية بإفرادِ الله بجميعِ أنواعِ العبادات، والإخلاصِ له فيها على وجهِ ما شَرَعَهُ اللهُ على أَلْسِنةِ رُسُلِه، ومُعْظَمُ الآياتِ القرآنية في هذا النوعِ مِنَ التوحيد، وهو مَحَلُّ دعوةِ الرُّسُل، ومَوْضِعُ معركتِهم مع أُمَمِهم: ﴿أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ ٥[ص].

سابع عشر: وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في الفصل ٤١: «صفة القدرة» (ص ٧٧):

«وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: الْقُدْرَةُ عَلَى إِيجَادِ كُلِّ مُمْكِنٍ وَإِعْدَامِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِير[البقرة: ٢٠، ١٠٩، ١٤٨؛ آل عمران: ١٦٥؛ النحل: ٧٧؛ النور: ٤٥؛ العنكبوت: ٢٠؛ فاطر: ١]، وَلِقَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا ٤٥[الكهف]، وَلِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعۡجِزَهُۥ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَلِيمٗا قَدِيرٗا ٤٤[فاطر]».

تنبيه واستدراك:

اكتفى المُصنِّفُ ـ رحمه الله ـ بالاستدلال على صفة القدرة بالآيات القرآنية، وقد دلَّتِ الأحاديثُ النبوية ـ أيضًا ـ على هذه الصفة؛ فمِنْ ذلك: حديثُ عثمان بنِ أبي العاص رضي الله عنه مرفوعًا: «أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ»(٧)، وحديثُ أبي مسعودٍ البدريِّ رضي الله عنه لمَّا ضَرَبَ غُلامَه، قال له النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «اعْلَمْ ـ أَبَا مَسْعُودٍ ـ أَنَّ اللهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الغُلَامِ»(٨).

كما أنَّ المُصنِّفَ ـ رحمه الله ـ تَعرَّضَ ـ مِنْ جهةٍ أُولى، ومِنْ خلالِ الآيات القرآنية المذكورة ـ إلى اسْمَيْن: «القدير» و«المُقْتدِرِ» دون اسْمِ «القادر»، ويدلُّ على اسْمِ «القادر»: قولُه تعالى: ﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍ[الأنعام: ٦٥]، وقولُه تعالى: ﴿أَلَيۡسَ ذَٰلِكَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰ ٤٠[القيامة]، وقولُه تعالى: ﴿أَوَلَيۡسَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُم[يس: ٨١].

وقد يكون القادرُ بمعنى المقدِّرِ للشيء مِنَ التقدير لا مِنَ القدرة مثل قولِه تعالى: ﴿فَقَدَرۡنَا فَنِعۡمَ ٱلۡقَٰدِرُونَ ٢٣[المُرْسَلات]، أي: «نِعْمَ المُقدِّرون»(٩).

ومِنْ جهةٍ ثانيةٍ، فإنَّ عِبارةَ المُصنِّفِ ـ رحمه الله ـ تُثْبِتُ أنَّ لله قدرةً على إيجادِ كُلِّ مُمْكِنٍ وإعدامِ كُلِّ مُمْكِنٍ، وتَعَلُّق قدرةِ الله بالمُمْكِنات فقط دون المُسْتحيلات والواجبات؛ لأنَّ واجب الوجود ليس بمخلوقٍ، والمُستحيلاتِ ليسَتْ بشيءٍ ولا وجودَ لها مطلقًا في الخارج، بل هي قائمةٌ في الذهن ـ كما سيأتي لاحقًا ـ(١٠).

ثامن عشر: وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في الفصل ٤٢: «صفة الإرادة» (ص ٧٧):

«وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: الْإِرَادَةُ وَالْمَشِيئَةُ الْمُطْلَقَةُ فِي جَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ؛ فَيُخَصِّصُ(١١) مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ؛ لِقَوْلِهِ(١٢) تَعَالَى: ﴿فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ[هود: ١٠٧؛ البروج: ١٦]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ[الإنسان: ٣٠؛ التكوير: ٢٩]».

تنبيه واستدراك:

يُلاحَظُ على المُصنِّفِ ـ رحمه الله ـ المُلاحَظاتُ التاليةُ:

ـ استدلالُه ـ رحمه الله ـ بالآيتين الكريمتَيْن أَخَصُّ في الصفة المذكورةِ لشمولهما للإرادة الكونيةِ القَدَريةِ فقط، ولم يُعرِّجْ رحمه الله ـ في هذا المختصر العقديِّ ـ على الآيات الدالَّةِ على الإرادةِ الشرعيةِ الدينية(١٣)، ومِنْ أَدِلَّتها: قولُه تعالى: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ[البقرة: ١٨٥]، وقولُه تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا ٢٧ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا ٢٨[النساء]، وقولُه تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ[المائدة: ٦](١٤).

ـ استدلَّ المُصنِّفُ ـ رحمه الله ـ بالآيتين الكريمتين على أنَّ إرادةَ الله ومَشيئتَه الكونية مُطْلَقةٌ، والشمولُ والعمومُ مِنْ خصائصِ الإرادة الإلهية القدرية؛ إذ هي شاملةٌ لجميعِ الحوادث ومُسْتلزِمةٌ لوقوع المُراد، كما أنَّ مِنْ خصائصها ـ أيضًا ـ أنها نافذةٌ لا يحول دونها شيءٌ؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡ‍ًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٨٢[يس].

ـ والله سبحانه وتعالى قادرٌ على أَنْ يخلق كُلَّ شيءٍ ممَّا يَسبِقُه العدمُ القابلُ للخِلْقَة، وهو ما يُسَمَّى بالمُمْكِنِ الجائز كالعالَمِ وسائرِ أجزائه، والمستحيلُ لذاته ليس بشيءٍ ولا وجودَ له مطلقًا في الخارج وإنما في الذهن؛ ذلك لأنَّ قدرة اللهِ تعالى لا تتعلَّقُ بواجب الوجود لأنه ليس بمخلوقٍ، كما لا تتعلَّق بالمستحيلات ولا تَليقُ به ـ سبحانه ـ على جهةِ الفعل، مِنِ اتِّخاذِ شريكٍ أو صاحبةٍ أو ولدٍ أو مُعينٍ؛ لأنَّ المستحيل والمعدومَ ليس بشيءٍ ولا وجودَ له حتَّى يكون مشمولًا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرُۢ[المائدة: ١٢٠؛ وغيرها]؛ لذلك نُثْبِتُ لله ـ سبحانه ـ الإرادةَ والقدرةَ المُطْلَقتين لأنَّ الله ـ عزَّ وجلَّ ـ مُتَّصِفٌ بكمالِ القدرة، لا يَمْتنِعُ عليه شيءٌ ولا يحتجز عنه شيءٌ، وننفي عنه ـ سبحانه ـ ما لا يَليقُ به؛ فظَهَرَ سببُ قَصْرِ المُصنِّفِ ـ رحمه الله ـ تعلُّقَ القدرةِ والإرادةِ على المُمْكِنات والجائزات فقط ـ وهو العالَمُ الكونيُّ الذي يَقْبَلُ الوجودَ والعدَمَ ـ دون المُسْتحيلات والواجبات.

وإيضاحُ ذلك ما بيَّنَ اللهُ تعالى ـ بالدليل العقليِّ ـ استحالتَه مِنْ وجودِ آلهةٍ إلَّا الله، وهو ما يُعْرَفُ بدليلِ التمانع في قوله تعالى: ﴿لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢[الأنبياء]، وقولِه تعالى: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۢ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ٩١[المؤمنون]، قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ: «لو قُدِّرَ تَعَدُّدُ الآلهةِ لَانْفَرَدَ كُلٌّ منهم بما يخلق؛ فما كان يَنْتَظِمُ الوجودُ، والمُشاهَدُ أنَّ الوجود مُنْتَظِمٌ مُتَّسِقٌ، كُلٌّ مِنَ العالَمِ العلويِّ والسفليِّ مُرْتَبِطٌ بعضُه ببعضٍ في غايةِ الكمال، ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلۡقِ ٱلرَّحۡمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٖ[المُلْك: ٣]، ثمَّ لَكان كُلٌّ منهم يطلب قَهْرَ الآخَرِ وخِلافَه؛ فيعلو بعضُهم على بعضٍ. والمتكلِّمون ذَكَرُوا هذا المعنى وعبَّروا عنه بدليل التمانع، وهو أنه لو فُرِضَ صانعان فصاعدًا، فأرادَ واحدٌ تحريكَ جسمٍ وأراد الآخَرُ سكونَه، فإِنْ لم يحصل مُرادُ كُلِّ واحدٍ منهما كانا عاجزَيْن، والواجبُ لا يكون عاجزًا، ويَمْتَنِعُ اجتماعُ مُرادَيْهما للتضادِّ، وما جاءَ هذا المُحالُ إلَّا مِنْ فرضِ التعدُّدِ فيكونُ مُحالًا، فأمَّا إِنْ حَصَلَ مُرادُ أحَدِهما دون الآخَرِ كان الغالبُ هو الواجبَ والآخَرُ المغلوبُ مُمْكِنًا؛ لأنه لا يَليقُ بصفةِ الواجبِ أَنْ يكون مقهورًا؛ ولهذا قال: ﴿وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ٩١[المؤمنون]، أي: عمَّا يقولُ الظالمون المُعْتَدون في دَعْوَاهُمُ الولَدَ أو الشريكَ عُلُوًّا كبيرًا»(١٥).

والصفاتُ بالنسبة للتعلُّقِ وعَدَمِه أربعةُ أقسامٍ:

الأوَّل: ما يَتعلَّقُ بالمُمْكِنات فقط وهو القدرةُ والإرادة.

الثاني: ما يَتعلَّقُ بجميعِ الواجبات والجائزات والمستحيلات وهو العلمُ.

الثالث: ما يَتعلَّقُ بجميع الموجودات مِنَ المسموعات والمُبْصَراتِ وهو السمعُ والبصر.

الرابع: ما لا يَتعلَّقُ بشيءٍ وهو الحياةُ(١٦).

تاسع عشر: وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في الفصل ٤٣: «صفة العلم» (ص ٧٨):

«وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: الْعِلْمُ الَّذِي تَنْكَشِفُ لَهُ جَمِيعُ الْمَعْلُومَاتِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ وَالْجَائِزَاتِ وَالْمُسْتَحِيلَاتِ؛ فَيَعْلَمُهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَالَاتِ، وَتَسْتَوِي عِنْدَهُ الْجَلِيَّاتُ وَالْخَفِيَّاتُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا[الأحزاب: ٤٠؛ الفتح: ٢٦]، وَقَوْلِهِ: ﴿أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٤[المُلْك]، وَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٣٨ [إبراهيم]».

تنبيه واستدراك:

عرَّف المصنِّف ـ رحمه الله ـ عِلْمَ الله تعالى (ص: ٨٨) بأنه: «الْعِلْمُ الَّذِي تَنْكَشِفُ لَهُ جَمِيعُ الْمَعْلُومَاتِ»، وكذا في صفتَيِ السمع والبصر (ص: ٩٢): «السَّمْعُ الَّذِي تَنْكَشِفُ بِهِ جَمِيعُ الْمَسْمُوعَاتِ، وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: الْبَصَرُ الَّذِي تَنْكَشِفُ بِهِ جَمِيعُ الْمُبْصَرَاتِ»؛ وتعبيرُه بالانكشاف يُوهِمُ سَبْقَ الخفاء على الله تعالى مِنْ جهةٍ، وكذا تعبيره بالمعلومات فإنها لا تصير معلومةً ـ أيضًا ـ إلَّا بعد الكشف المُوجِبِ لسَبْقِ الخفاء مِنْ جهةٍ أخرى، ولا شك أنَّ التعبير المُوهِمَ بما يُوجِبُ سَبْقَ الخفاء على الله يُفْضي إلى انتقاصٍ في صفةِ علم الله المطلق؛ ذلك لأنَّ الله تعالى لا يخفى عليه شيءٌ مِنَ الأشياء، عَلِم ما كان وما يكون، وما لا يكون: أَنْ لو كان كيف كان يكون؛ ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عِلۡمَۢا ١٢[الطلاق]، ﴿وَأَحۡصَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ عَدَدَۢا ٢٨[الجن]، ﴿وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٣٨[إبراهيم]، قال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ في مَعْرِضِ شرحِ قوله تعالى: ﴿يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ ١٩[غافر] ما نصُّه: «يخبر تعالى عن علمه التامِّ المحيط بجميع الأشياء، جليلِها وحقيرِها، صغيرِها وكبيرها، دقيقِها ولطيفها؛ ليحذر الناسُ عِلْمَه فيهم، فيَسْتحيُوا مِنَ الله حقَّ الحياء، ويتَّقوه حقَّ تقواه، ويراقبوه مُراقبةَ مَنْ يعلم أنه يراه؛ فإنه تعالى يعلم العينَ الخائنة وإِنْ أبدَتْ أمانةً، ويعلم ما تنطوي عليه خبايَا الصدور مِنَ الضمائر والسرائر»(١٧).

قلت: ولو عبَّر المصنِّف ـ رحمه الله ـ بالعلم المحيط بكُلِّ شيءٍ مِنَ الموجودات والمعدومات والمُمْكِنات والمستحيلات لكان أَوْلى مِنَ التعبير بالعلم الذي تنكشف له جميعُ المعلومات؛ فالإحاطةُ أَوْلى تعبيرًا، وأكملُ معنًى، وأصحُّ مِنَ التعبير بالكشف والتجلِّي؛ وذلك تفاديًا للمعنى الفاسد الذي يتضمَّنه كلامُ الفلاسفة والصابئةِ وغُلاةِ القدرية، الذين يزعمون أنَّ الأمر أُنُفٌ، أي: مُستأنَفٌ لم يسبق به قَدَرٌ ولا علمٌ مِنَ الله تعالى، وإنما يعلمه بعد وقوعه.

وقد اتَّفق الصحابةُ رضي الله عنهم ومَنْ تَبِعهم مِنْ هذه الأمَّةِ على الإقرار بعلم الله السابق للأشياء قبل أَنْ تكون؛ ونَقَل ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ عنهم الإجماعَ على هذه المرتبة مِنْ علم الله السابق بقوله: «فقَدِ اتَّفق عليه الرُّسُلُ مِنْ أوَّلِهِم إلى خاتمهم، واتَّفق عليه جميعُ الصحابة ومَنْ تَبِعهم مِنَ الأمَّة، وخالفهم ـ في ذلك ـ مجوسُ الأمَّة، وكتابتُه السابقة تدلُّ على علمِه بها قبل كونِها»(١٨).

ولا شكَّ أنَّ المصنِّف ـ رحمه الله ـ لا يقصد المعنى الفاسدَ، ولا يقول بلازمِ تعبيره، وإنما ظاهِرُ الخطإ في التعبير؛ لِمَا سيأتي بيانُه في الفصل الأوَّل مِنْ باب القَدَر.

عشرون: وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في الفصلين ٤٤، ٤٥: «صِفَتا السمع والبصر» (ص ٧٨):

«وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: السَّمْعُ الَّذِي تَنْكَشِفُ بِهِ جَمِيعُ الْمَسْمُوعَاتِ، وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: الْبَصَرُ الَّذِي(١٩) تَنْكَشِفُ بِهِ جَمِيعُ الْمُبْصَرَاتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا ١٣٤ [النساء]، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ [المجادلة: ١]، وَلِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَكُنَّا إِذَا عَلَوْنَا(٢٠) كَبَّرْنَا؛ فَقَالَ: «ارْبَعُوا(٢١) عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا(٢٢) تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا قَرِيبًا»» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ».

تنبيه واستدراك:

يجدر التنبيه إلى ما يأتي:

١ ـ أنَّ قول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في تعريفه لصفتَيِ السمع والبصر (ص: ٩٢): «السَّمْعُ الَّذِي تَنْكَشِفُ بِهِ جَمِيعُ الْمَسْمُوعَاتِ، وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: الْبَصَرُ الَّذِي تَنْكَشِفُ بِهِ جَمِيعُ الْمُبْصَرَاتِ» فإنَّ تعبيره بالانكشاف يُوهِمُ سَبْقَ الخفاء على الله تعالى مِنْ جهةٍ، وتعبيره بالمسموعات والمُبْصَرات فإنها لا تصير مسموعةً ولا مُبْصَرةً ـ أيضًا ـ إلَّا بعد الكشف المُوجِبِ لسَبْقِ الخفاء مِنْ جهةٍ أخرى، وقد تقدَّم التنبيهُ عليه في صفةِ علم الله تعالى(٢٣).

٢ ـ تحرَّفَتْ ـ في الحديث ـ كلمةُ: «عَلَوْنا» إلى «دَعَوْنا» وكلمةُ: «ارْبَعوا» إلى «ارْبَأوا» في نسخةِ محمَّد الحسن فضلاء في كلمتين، ولعلَّ الخطأ مِنْ تصرُّف النُّسَّاخ.

٣ ـ والحديث أخرجه البخاريُّ في «التوحيد» (١٣/ ٣٧٢) باب: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا ١٣٤[النساء]، ولم ينفرد به على ما ذَكَره المصنِّف ـ رحمه الله ـ بل أخرجه ـ أيضًا ـ مسلمٌ في «الذِّكْر والدعاءِ والتوبةِ والاستغفار» (١٧/ ٢٥) بابُ استحبابِ خَفْضِ الصوت بالذِّكْر، مِنْ حديثِ أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه، علمًا أنَّ مسلمًا اقتصر على لفظةِ: «سميعًا» فقط بخلاف البخاريِّ، ولعلَّ منه يُدْرَك سببُ اقتصارِ ابنِ باديس ـ رحمه الله ـ على العزو للبخاريِّ دون مسلمٍ وهو إرادتُه ـ رحمه الله ـ الاستدلالَ به على صفتَيِ السمع والبصر معًا؛ فذَكَره بعدهما.

حادي وعشرون: وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في الفصل ٤٦: «صفة الكلام» (ص ٧٩):

«وَمِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى: الْكَلَامُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى جَمِيعِ الْمَعْلُومَاتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا ١٦٤ [النساء]».

تنبيه واستدراك:

عبارة المصنِّف ـ رحمه الله ـ قلقةٌ، والظاهر أنَّ مراده بالكلام عند إطلاقه هو الكلامُ الحقيقيُّ الذي هو اسمٌ عامٌّ للَّفظِ والمعنى جميعًا عند الإطلاق لشموله لهما، فإِنْ كان الكلامُ مقيَّدًا فيراد به اللفظُ تارةً أو المعنى تارةً(٢٤)، والكلام الحقيقيُّ المتضمِّنُ للَّفظ والمعنى هو المنتظمُ مِنَ الحروف المسموعةِ الدالُّ على المعاني المقصودة، وهذا خلافًا للأشاعرة الذين يزعمون أنَّ الكلام معنًى نفسيٌّ قائمٌ بالذات، ليس بحرفٍ ولا صوتٍ(٢٥)، وهو قولٌ مُحْدَثٌ بعد قولِ أهل السنَّة، لم يعرفه السلفُ مِنَ الصحابة والتابعين وتابعيهم، بل أقرَّ الشهرستانيُّ ـ وهو مِنْ أئمَّةِ الأشاعرة ـ أنه مِنِ ابتداعِ أبي الحسن الأشعريِّ حيث قال: «أبدع الأشعريُّ قولًا ثالثًا(٢٦) وقضى بحدوث الحروف، وهو خرق الإجماع، وحَكَم بأنَّ ما نقرؤه كلامُ اللهِ مجازًا لا حقيقةً، وهو عينُ الابتداع، فهلَّا قال: وَرَد السمعُ بأنَّ ما نقرؤه ونكتبه كلامُ الله تعالى دون أَنْ يتعرَّض لكيفيته وحقيقته!!»(٢٧)، وبمثل هذا قال الفخر الرازيُّ ـ في المسألة الرابعة مِنْ مسائل الكلام في الأخبار ـ ما نصُّه: «وذلك هو كلامُ النفس الذي لا يقول به أحَدٌ إلَّا أصحابُنا»(٢٨).

ثاني وعشرون: وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في فصل: «الصفات الاختيارية» (ص ٧٣):

«وَنُثْبِتُ الِاسْتِوَاءَ وَالنُّزُولَ وَنَحْوَهُمَا، وَنُؤْمِنُ بِحَقِيقَتِهِمَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ تَعَالَى بِلَا كَيْفٍ، وَبِأَنَّ ظَاهِرَهَا الْمُتَعَارَفَ ـ فِي حَقِّنَا ـ غَيْرُ مُرَادٍ».

تنبيه واستدراك:

يجدر التنبيهُ ـ في هذا الفصل ـ إلى عِدَّةِ ملاحظاتٍ نسوقها على النحو التالي:

ـ الأولى متعلِّقةٌ بالتصرُّف في نصِّ المصنِّف ـ رحمه الله ـ، حيث أفصح الأستاذ محمَّد الصالح رمضان ـ رحمه الله ـ عن تقديمِ هذا الفصل إلى موضعٍ آخَرَ رآهُ أنسبَ به حيث قال: «ملحوظة: قولُه: «ونُثْبِت الاستواءَ والنزول» إلى قوله: «غير مرادٍ» كان في الأصل بعد «صفة الكلام» رقم: (٤٦)، ومِنْ غيرِ استشهادٍ عليه بالآيات والأحاديث، فرأيتُ إثباتَه هنا تحت هذا العنوان، ثمَّ تأتي بقيَّةُ الصفاتِ كما رتَّبها الأستاذ الإمامُ مُستدِلًّا عليها بالآيات والأحاديث، وأرجو ألَّا يكون هذا مِنَ التحكُّم وسوءِ التصرُّف»(٢٩).

أقول: والأَوْلى الاستبقاءُ على سياقِ المُصنِّفِ ـ رحمه الله ـ والمُحافَظةُ على ترتيبِه الأصليِّ دون المساسِ بنصِّ المُصنِّفِ إلَّا إشارةً مُقْترَحةً على الهامش ـ أوَّلًا ـ ولأنَّ طابع التأليفِ بينهما يستدعي هذا النسقَ مِنَ الترتيب بين الصـفات الذاتية المُتعَقَّبةِ بالصفات الفعلية ـ ثانيًا ـ فضلًا عن كونِ سياقِ المُصنِّفِ ـ رحمه الله ـ يكشف مُخالَفتَه لأصول البدعة الأشعرية، حيث إنهم لا يُثْبِتون مِنَ الصفاتِ الخبريةِ إلَّا الصفاتِ السَّبْعَ المشهورةَ التي هي صفاتُ المَعاني، وهي: السمعُ والبصرُ والحياةُ والقدرةُ والإرادةُ والعلمُ والكلامُ النفسيُّ، ويَنْفون قيامَ الأفعالِ الاختياريةِ بالله تعالى كالاستواء والنزول والمَحَبَّة والرِّضا والفرحِ ونَحْوِها.

الثانية: عبارةُ: «ظاهِرُها غيرُ مرادٍ» التي يستعملها أهلُ الكلام مُجْمَلةٌ؛ لاحتمالِ أَنْ يُرادَ بالظاهر: نعوتُ المخلوقين وصِفاتُ المُحْدَثين؛ فهذا ـ بلا شكٍّ ـ غيرُ مُرادٍ، كما يحتمل أَنْ يُرادَ بالظاهر: المَعاني التي تظهر مِنَ الآياتِ والأحاديثِ الصحيحة ممَّا يَليقُ بجلالِ الله وعظمتِه ولا تختصُّ بصفاتِ المخلوقين؛ فإنَّ القول بأنَّ ظاهِرَها غيرُ مُرادٍ ـ بهذا الاعتبار ـ خطأٌ كما بيَّنه ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ(٣٠).

غير أنَّ المُصنِّف ـ رحمه الله ـ لم يُطْلِقِ القولَ في عبارتِه حتَّى تَرِدَ الشبهةُ، وإنما قيَّدها بقوله: «المتعارَفَ في حقِّنا»؛ الأمر الذي أزالَ ـ في نظري ـ لَبْسَ الإجمالِ بحَمْلِها على نعوتِ المخلوقين وصِفاتِ المُحْدَثين، وقد مثَّل ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ لهذا الظاهرِ بقوله: «مِثْل أَنْ يُرادَ بكونِ الله قِبَلَ وجهِ المصلِّي أنه مُسْتقِرٌّ في الحائط الذي يُصلِّي إليه، وإنَّ الله مَعَنا ظاهِرُه أنه إلى جانِبِنا، ونحو ذلك؛ فلا شكَّ أنَّ هذا غيرُ مُرادٍ»(٣١).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٤ جمادى الأولى ١٤٣٨ﻫ
الموافق ﻟ: ٠١ ﻓــــبرايــــر ٢٠١٧م

 



(١) أخرجه مسلمٌ في «الذِّكْر والدعاء» (١٧/ ٣٦) رقم: (٢٧١٣) بابُ ما يقول عند النوم، وأبو داود في «الأدب» (٥/ ٣٠١) بابُ ما يقول عند النوم، والترمذيُّ في «الدعوات» (٥/ ٤٧٢)، وابنُ ماجه في «الدعاء» (٢/ ١٢٧٤) بابُ ما يدعو به إذا أَوَى إلى فراشه، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (١١٤ ـ ١١٥).

(٣) «بدائع الفوائد» لابن القيِّم (١/ ١٦١).

(٤) انظر: «تفسير ابن كثير» (٢/ ٥٢٥)، و«تفسير الشوكاني» (٣/ ٩٧).

(٥) «تفسير القرطبي» (٩/ ٣٤٦).

(٦) «الفوائد» لابن القيِّم (٢٥).

(٧) رواهُ مسلمٌ في «السلام» (١٤/ ١٨٩) بابُ استحبابِ وَضْعِ يدِه على مَوْضِع الألمِ مع الدعاء.

(٨) رواهُ مسلمٌ في «الأيمان» (١١/ ١٣٠) بابُ صحبةِ المماليك.

(٩) انظر: «تفسير القرطبي» (١٩/ ١٦٠)، و«فتح القدير» للشوكاني (٥/ ٣٥٧).

(١١) «م.ف»: «فَيَخْتَصُّ».

(١٢) «م.ر.ب»: «وَقَوْلِهِ».

(١٣) والمصنِّف ـ رحمه الله ـ وإِنْ لم يتناول الإرادةَ الشرعية الدينيَّةَ إلَّا أنه أَثْبَتَ الفرقَ بين الإرادة الكونية القدرية والشرعية الدينية كما هو جارٍ على طريقة السلف في تفسيره «مجالس التذكير» (٩٦، ١٦٤).

(١٤) انظر: «مجموعة الرسائل الكبرى» (٢/ ٧٧) و«مجموع الفتاوى» (٨/ ١٨٨) و«منهاج السنَّة النبوية» (٣/ ١٥٦، ١٥٧، ١٨٠) كُلُّها لابن تيمية، «شفاء العليل» لابن القيِّم (١/ ١٨٩)، «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (١١٦)، «إيثار الحقِّ على الخَلْق» لابن الوزير (٢٢٨)، «شرح الكوكب المنير» للفتوحي (١/ ٣٢١).

(١٥) «تفسير ابن كثير» (٣/ ٢٥٤).

(١٦) انظر: «القواعد الكُلِّيَّة» للبريكان (٩٧).

(١٧) «تفسير ابن كثير» (٤/ ٧٥).

(١٨) «شفاء العليل» لابن القيِّم (١/ ١٣٣).

(١٩) ساقطةٌ مِنْ «م.ر.ش».

(٢٠) «م.ف»: «دَعَوْنَا».

(٢١) «م.ف»: «ارْبَأُوا».

(٢٢) ساقطةٌ مِنْ «م.ر».

(٢٤) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٢/ ٦٧).

(٢٥) انظر: «الردَّ على مَنْ أنكر الحرفَ والصوت» للسجزي (٨١ ـ ٨٢)، «الصراط المستقيم» لابن قدامة (٣٨).

(٢٦) ولعلَّ الصواب في ذلك أنَّ أوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ هذا القولَ إنما هو ابنُ كُلَّابٍ، ثمَّ تَبِعه عليه الأشعريُّ على ما بيَّنه ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ في [«الاستقامة» لابن تيمية (١/ ٢١١ ـ ٢١٢)] بما نصُّه: «لا خلافَ بين الناس أنَّ أوَّلَ مَنْ أَحْدَث هذا القولَ في الإسلام أبو محمَّدٍ عبدُ اللهِ بنُ سعيد بنِ كُلَّابٍ البصريُّ، واتَّبَعه على ذلك أبو الحسن الأشعريُّ ومَنْ نَصَر طريقتَهما، وكانا يُخالِفان المعتزلةَ ويُوافِقانِ أهلَ السنَّة في جُمَلِ أصول السنَّة، ولكِنْ لتقصيرهما في علم السنَّة وتسليمِهما للمعتزلة أصولًا فاسدةً صار ـ في مواضعَ مِنْ قولَيْهما ـ مواضعُ فيها مِنْ قول المعتزلة ما خالَفَا به السنَّةَ، وإِنْ كانا لم يُوافِقَا المعتزلةَ مطلقًا».

(٢٧) «نهاية الإقدام» للشهرستاني (١٧٧).

(٢٨) «المحصول» للفخر الرازي (٤/ ٢٢٤).

(٢٩) تعليق محمَّد الصالح رمضان على «العقائد الإسلامية» (٧٣).

(٣٠) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٥/ ١٠٨).

(٣١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٥/ ١٠٨).