Skip to Content
الأربعاء 4 ربيع الأول 1439 هـ الموافق لـ 22 نوفمبر 2017 م

الكلمة الشهرية رقم: ١٢٠

ومضاتٌ توضيحيةٌ
على العقائد الإسلامية
مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
لابن باديس ـ رحمه الله ـ

ـ تنبيهات واستدراكات ـ

ـ الحلقة الثامنة ـ

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

ففي هذه السلسلة التوضيحية أُواصِلُ متابعةَ فصولِ عقيدة الإيمان بالقَدَر مِنَ «العقائد الإسلامية» للإمام ابنِ باديس ـ رحمه الله ـ بالتنبيهات والاستدراكات على ما يأتي:

 الومضة السابعة والعشرون:

■  قول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في الفصل ٥٦: «معنى القَدَر» (ص ٩٠):

«.. وَقَدَرُ اللهِ تَعَالَى هُوَ: تَعَلُّقُ عِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ ـ أَزَلًا ـ بِالكَائِنَاتِ كُلِّهَا قَبْلَ وُجُودِهَا؛ فَلَا حَادِثَ إِلَّا وَقَدْ قَدَّرَهُ اللهُ تَعَالَى، أَيْ: سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ وَتَقَدَّمَتْ بِهِ إِرَادَتُهُ؛ فَكُلُّ حَادِثٍ فَهُوَ حَادِثٌ عَلَى وَفْقِ مَا سَبَقَ بِهِ عِلْمُ اللهِ وَمَضَتْ بِهِ إِرَادَتُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ ٤٩[القمر]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا ٣٨[الأحزاب]، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ سُؤَالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ: خَيْرِهِ وِشِرِّهِ، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ»(١)».

■  تنبيه واستدراك:

عرَّف المُصنِّفُ ـ رحمه الله ـ القَدَرَ ـ في الشرع ـ بأنه: تَعلُّقُ عِلْمِه ـ سبحانه ـ وإرادتِه ـ أَزَلًا ـ بالكائنات قبل وجودها، أي: أنَّ الله ـ تعالى ـ عَلِمَ مَقادِيرَ الأشياءِ وحالاتِها وأَمْكِنتَها وأَزْمِنتَها قبل إيجادِها وكونِها، وكَتَبها قبل خَلْقِها ـ وهو معنى القَدَرِ ـ ثمَّ أَوْجَدَ اللهُ ما سَبَقَ في عِلْمِه أنه يُوجَدُ مِنَ الحوادث والخلائق على وَفْقِ ما قدَّرهُ اللهُ لها ومَضَتْ إرادتُه بها ـ وهو معنى القضاءِ ـ. فكُلُّ ما خَلَقه اللهُ تعالى مِنَ الحوادث والكائنات صادرٌ عن عِلْمِه ـ سبحانه ـ وإرادتِه وقُدْرتِه.

والمُصنِّفُ رحمه الله ـ في تعريفه ـ تَنَاوَلَ معنى القَدَرِ وهو ما قدَّره اللهُ في الأَزَلِ أَنْ يكون، بناءً على عِلْمِه السابقِ للأشياء قبل إيجادها، وكتابتِه لها قبل خَلْقِها، وتَناوَلَ ـ أيضًا ـ معنى القضاء، وهو ما قضى اللهُ به في خَلْقه مِنْ إيجادٍ أو إعدامٍ أو تغييرٍ على وَفْقِ ما قدَّرهُ اللهُ بعِلْمِه وإرادته وقدرته.

فإذَنْ، القَدَرُ والقضاءُ مُتبايِنان في المعنى مِنْ حيث الأصلُ اللغويُّ والوضعُ الشرعيُّ، فإذا اجتمعا افترقا؛ لأنَّ لكُلٍّ منهما معنًى مُغايِرًا للآخَر، إلَّا أنَّ بينهما ارتباطًا تلازميًّا مُتداخِلًا لا انفكاكَ لأَحَدِهما عن الآخَر؛ فإذا ذُكِرَ أَحَدُهما شَمِلَ الآخَرَ؛ فهُمَا ـ بهذا الاعتبارِ ـ مُترادِفان إذا افترقا.

ولا يخفى أنَّ الله عالمٌ ـ في الأزل ـ بالأشياء قبل وجودها على ما ستكون عليه في المُستقبَل، وهو مريدٌ لكُلِّ ما عَلِم ـ في الأزل ـ أنه كائنٌ، فخَلَق اللهُ سبحانه كُلَّ شيءٍ وَفْقَ علمه ومشيئته، ولا يكون ذلك إلَّا بصفة القدرة؛ فكان القَدَرُ متعلِّقًا بصفة العلم والإرادة والقدرة والخلق.

غير أنَّ الذي يجدر التنبيهُ عليه أنَّ عبارةَ المصنِّف ـ رحمه الله ـ في قوله: «وَقَدَرُ اللهِ تَعَالَى هُوَ: تَعَلُّقُ عِلْمِهِ وَإِرَادَتِهِ ـ أَزَلًا ـ بِالكَائِنَاتِ كُلِّهَا قَبْلَ وُجُودِهَا» تُبيِّن أنَّ الله تعالى إِنْ قدَّرها فقَدْ عَلِم ما سيفعله وأراد فِعْلَه في الوقت المُستقبَل، وهذا أزليٌّ لأنَّ الإرادة تتبع العلمَ، ولم يَزَلِ اللهُ مُريدًا؛ فنوعُ الإرادة ذاتيٌّ أزليٌّ، وهو ما يُسمَّى بالعزم، غير أنَّ الذي أراده في الوقت المُستقبَل لم يُرِدْ فِعْلَه في تلك الحال إلَّا بعد حلولِ وقته، فإذا جاء وقتُه أراد فِعْلَه؛ فهذه الإرادةُ تُسمَّى قصدًا، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡ‍ًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٨٢[يس]، وقولِه: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا[الكهف: ٨٢]، وقولِه: ﴿وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا ١٦[الإسراء]، ﴿وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥ[الرعد: ١١]، ﴿وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يُرِدۡكَ بِخَيۡرٖ فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِۦ[يونس: ١٠٧]، وغيرها مِنَ الآيات؛ فظهر فرقٌ بين نوع الإرادة فهو قديمٌ، وإرادةِ الشيء بعينه فإنما يريده في وقته؛ لأنَّ الله لم يَزَلْ مريدًا بإراداتٍ متعاقبةٍ، وليس بإرادةٍ قديمةٍ أزليةٍ واحدةٍ يتجدَّد تعلُّقُها بالمراد، ونسبتُها إلى الجميع واحدةٌ كما يذهب إليه ابنُ كُلَّابٍ والأشعريُّ ومَنْ تابَعَهما، وفي هذا المعنى قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ محقِّقًا مسألةَ إرادةِ اللهِ الشيءَ المعيَّنَ وفعلِه بإراداتٍ متعاقبةٍ بما نصُّه: «أنه لم يَزَلْ مريدًا بإراداتٍ مُتعاقِبةٍ؛ فنوعُ الإرادة قديمٌ، وأمَّا إرادةُ الشيء المعيَّنِ فإنما يريده في وقته، وهو سبحانه يقدِّر الأشياءَ ويكتبها ثمَّ ـ بعد ذلك ـ يخلقها؛ فهو إذا قدَّرها عَلِم ما سيفعله وأراد فِعْلَه في الوقت المُستقبَل، لكِنْ لم يُرِدْ فِعْلَه في تلك الحال، فإذا جاء وقتُه أراد فِعْلَه؛ فالأوَّلُ عزمٌ والثاني قصدٌ. وهل يجوز وصفُه بالعزم؟ فيه قولان: أحَدُهما: المنعُ كقول القاضي أبي بكرٍ والقاضي أبي يعلى؛ والثاني: الجواز وهو أصحُّ؛ فقَدْ قَرَأ جماعةٌ مِنَ السلف: «فإذا عُزِمْتَ فتوكَّلْ على اللَّه» بالضمِّ، وفي الحديث الصحيح مِنْ حديثِ أمِّ سَلَمة: «ثمَّ عَزَم الله لي»(٢)، وكذلك في خطبةِ مسلمٍ: «فعُزِم لي»(٣)، وسواءٌ سُمِّيَ «عزمًا» أو لم يُسَمَّ فهو سبحانه إذا قدَّرها عَلِم أنه سيفعلها في وقتها وأراد أَنْ يفعلها في وقتها، فإذا جاء الوقتُ فلا بُدَّ مِنْ إرادة الفعل المعيَّن ونفسِ الفعل، ولا بُدَّ مِنْ علمه بما يفعله، ثمَّ الكلام في علمِه بما يفعله: هل هو العلمُ المتقدِّمُ بما سيفعله، وعلمِه بأَنْ قد فَعَله: هل هو الأوَّل؟ فيه قولان معروفان، والعقلُ والقرآن يدلُّ على أنه قَدْرٌ زائدٌ كما قال: «لنعلم» في بضعةَ عَشَرَ موضعًا، وقال ابنُ عبَّاسٍ: «إلَّا لنرى»؛ وحينئذٍ فإرادةُ المعيَّن تترجَّح لعلمِه بما في المعيَّن مِنَ المعنى المرجِّح لإرادته؛ فالإرادةُ تتبع العلمَ، وكونُ ذلك المعيَّن متَّصِفًا بتلك الصفاتِ المرجِّحة إنما هو في العلم والتصوُّر، ليس في الخارج شيءٌ؛ ومِنْ هنا غَلِط مَنْ قال: «المعدوم شيءٌ» حيث أثبتوا ذلك المرادَ في الخارج، ومَنْ لم يُثْبِته شيئًا في العلم أو كان ليس عنده إلَّا إرادةٌ واحدةٌ وعلمٌ واحدٌ، ليس للمعلومات والمراداتِ صورةٌ علميةٌ عند هؤلاء؛ فهؤلاء نَفَوْا كونَه شيئًا في العلم والإرادة، وأولئك أثبتوا كونَه شيئًا في الخارج، وتلك الصورة العلمية الإرادية حدثَتْ بعد أَنْ لم تكن، وهي حادثةٌ بمشيئته وقدرته، كما يُحْدِثُ الحوادثَ المُنفصِلةَ بمشيئته وقدرته، فيقدِّر ما يفعله ثمَّ يفعله؛ فتخصيصُها بصفةٍ دون صفةٍ وقدرٍ دون قدرٍ هو للأمور المُقتضِيةِ لذلك في نفسه؛ فلا يريد إلَّا ما تقتضي نفسُه إرادتَه بمعنًى يقتضي ذلك، ولا يرجِّح مرادًا على مرادٍ إلَّا لذلك، ولا يجوز أَنْ يرجِّح شيئًا لمجرَّدِ كونه قادرًا؛ فإنه كان قادرًا قبل إرادته وهو قادرٌ على غيره؛ فتخصيصُ هذا بالإرادة لا يكون بالقدرة المُشترَكة بينه وبين غيره، ولا يجوز ـ أيضًا ـ أَنْ تكون الإرادةُ تخصِّصُ مِثْلًا على مِثْلٍ بلا مخصِّصٍ، بل إنما يريد المريدُ أحَدَ الشيئين دون الآخَرِ لمعنًى في المريد، والمراد: لا بُدَّ أَنْ يكون المريدُ إلى ذلك أَمْيَلَ وأَنْ يكون في المراد ما أَوْجبَ رجحانَ ذلك الميل»(٤).

 الومضة الثامنة والعشرون:

■  وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في الفصل ٦١: «الحكمة والعدل في القَدَر» (ص ٩٦):

«القَدَرُ كُلُّهُ عَدْلٌ وَحِكْمَةٌ؛ فَمَا يُصِيبُ العِبَادَ فَهُوَ جَزَاءُ أَعْمَالِهِمْ، وَقَدْ تُدْرَكُ حِكْمَةُ القَدَرِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ وَقَدْ تَخْفَى؛ لِأَنَّ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: الحَكِيمَ: وَقَدْ وَرَدَ فِي الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ الكَثِيرَةِ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى: العَدْلَ: قَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ الأَسْمَاءِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ؛ وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ الكَرْبِ: «عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ»(٥)، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ ٣٠[الشورى]».

■  تنبيه واستدراك:

قوله: «حديث الأسماء عند الترمذي»: قد أخرجه الترمذيُّ في «الدعَوَات» (٥/ ٥٣٠) باب (٨٣)، والحاكمُ في «المُسْتدرَك» في «الإيمان» (١/ ١٦)، وابنُ حِبَّان في «صحيحه» في «الأذكار» (٣/ ٨٨) ذِكْرُ تفصيلِ الأسامي التي يُدْخِلُ اللهُ مُحْصِيَها الجنَّةَ، وابنُ منده في «التوحيد» (٢/ ٢٠٥)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١٠/ ٢٧) في «الإيمان» بابُ أسماءِ الله ـ عزَّ وجلَّ ثناؤُه ـ وفي «الاعتقاد» (١٨) بابُ ذِكْرِ أسماءِ الله وصِفاتِه، وفي «الأسماء والصفات» (١/ ٢٨) بابُ بيانِ الأسماء التي مَنْ أَحْصاها دَخَلَ الجنَّةَ، والبغويُّ في «شرح السنَّة» (٥/ ٣٢) في «الدعَوَات» بابُ أسماءِ الله ـ سبحانه وتعالى ـ مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ للهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً غَيْرَ وَاحِدٍ، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ، هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، المَلِكُ القُدُّوسُ ...» الحديث، وذَكَرَ منها «العَدْلَ» و«الحكيم».

وأصلُ الحديثِ ثابتٌ في الصحيحين بدونِ سَرْدٍ لأسماءِ الله تعالى؛ فقَدْ أخرجه البخاريُّ في «الشروط» (٥/ ٣٥٤) بابُ ما يجوز مِنَ الاشتراط والثُّنْيا في الإقرار، وفي «الدعَوَات» (١١/ ٢١٤) باب: لله مائةُ اسْمٍ غيرَ واحدةٍ، وفي «التوحيد» (١٣/ ٣٧٧) باب: إنَّ لله مائةَ اسْمٍ إلَّا واحدةً، ومسلمٌ في «الذِّكْر والدعاء» (١٧/  ٥) بابٌ في أسماء الله تعالى وفضلِ مَنْ أَحْصاها.

هذا، والحديثُ فيه اختلافٌ شديدٌ في سَرْدِ الأسماء: هل هو مرفوعٌ أو مُدْرَجٌ في الخبر مِنْ بعضِ الرُّواة، وقد ذَهَبَ أَكْثَرُ الحُفَّاظ إلى أنَّ تعيين الأسماءِ في الحديثِ لا يَثْبُتُ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنما هو مُدْرَجٌ مِنْ بعضِ السلف أو الرُّواة، ونُقِلَ عن الداوديِّ أنه قال: «لم يَثْبُتْ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عيَّن الأسماءَ المذكورة»، وقال ابنُ العربيِّ ـ رحمه الله ـ: «يحتمل أَنْ تكون الأسماءُ تكملةَ الحديثِ المرفوع، ويحتمل أَنْ تكون مِنْ جمعِ بعض الرُّواة وهو الأَظْهَرُ عندي»(٦).

وإلى هذا ذَهَبَ ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ مُقَرِّرًا له في «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٧٩ ـ ٣٨٠، ٨/ ٩٦، ٢٢/ ٤٨٢)، وقال ابنُ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ: «الذي عوَّل عليه جماعةٌ مِنَ الحُفَّاظ أنَّ سَرْدَ الأسماءِ في هذا الحديثِ مُدْرَجٌ فيه»(٧).

كما أكَّد ذلك ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ بقوله: «وإذا تَقرَّرَ رجحانُ أنَّ سَرْدَ الأسماءِ ليس مرفوعًا فقَدِ اعتنى جماعةٌ بتَتَبُّعِها مِنَ القرآن مِنْ غيرِ تقييدٍ بعددٍ»(٨)، وبقوله: «والتحقيقُ أنَّ سَرْدَها إدراجٌ مِنْ بعضِ الرُّواة»(٩).

وعلَّق الصنعانيُّ ـ رحمه الله ـ على كلامِ ابنِ حجرٍ ـ رحمه الله ـ بقوله: «اتَّفَقَ الحُفَّاظُ مِنْ أئمَّةِ الحديثِ أنَّ سَرْدَها إدراجٌ مِنْ بعضِ الرُّواة»(١٠).

والحديث ضعَّفه الألبانيُّ بسَرْدِ الأسماءِ في «ضعيف الجامع» (٢/ ١٧٨) وفي «ضعيف سنن الترمذي» (٤٠٩).

هذا، وقد ذَهَبَ آخَرون إلى تصحيحِ روايةِ الترمذيِّ التي عوَّل عليها غالِبُ مَنْ شَرَحَ الأسماءَ الحُسْنى كابنِ منده والبيهقيِّ وغيرِهما، قال ابنُ حجرٍ ـ رحمه الله ـ: «... فمَشَى كثيرٌ منهم على الأوَّل [أي: أنَّ سَرْدَ الأسماءِ مرفوعٌ]، واستدلُّوا به على جوازِ تسميةِ اللهِ تعالى بما لم يَرِدْ في القرآنِ بصيغةِ الاسم؛ لأنَّ كثيرًا مِنْ هذه الأسماءِ كذلك»(١١).

وممَّنْ صحَّح الحديثَ ابنُ حِبَّان والحاكمُ، وحسَّنه النوويُّ في «الأذكار» (٩٤)، وأيَّدهُ الشوكانيُّ في «تحفة الذاكرين» (٧٠)، وردَّ على مَقالةِ ابنِ كثيرٍ بقوله: «ولا يَخْفاكَ أنَّ هذا العددَ قد صحَّحه إمامان وحسَّنه إمامٌ؛ فالقولُ بأنَّ بعضَ أهلِ العلمِ جَمَعَها مِنَ القرآنِ غيرُ سديدٍ، ومجرَّدُ بلوغِ واحدٍ أنه رَفَعَ ذلك لا يَنْتهِضُ لمُعارَضةِ الروايةِ ولا تُدْفَعُ الأحاديثُ بمِثْلِه، وأمَّا الحديثُ الذي ذَكَرَهُ [أي: ابنُ كثيرٍ] عن الإمام أحمد(١٢) فغايتُه أنَّ الأسماءَ الحُسْنى أَكْثَرُ مِنْ هذا المقدار، وذلك لا يُنافي كونَ هذا المقدارِ هو الذي وَرَدَ الترغيبُ في إحصائه وحِفْظِه، وهذا ظاهرٌ مكشوفٌ لا يخفى».

وعليه، فمَنْ صحَّح الروايةَ المشهورة عن الوليد بنِ مسلمٍ عن شعيب ابنِ أبي حمزة عند الترمذيِّ فإنه أَثْبَتَ اسْمَ: «العَدْلِ» وأَحْصاهُ مِنْ أسماءِ الله الحُسْنى كإحصاءِ ابنِ منده وابنِ العربيِّ والبيهقيِّ، ومَنْ حَكَمَ على هذه الروايةِ وبقيَّةِ الروايات الأخرى في سَرْدِ الأسماء الحُسْنى بالضعف: إمَّا مِنْ جهةِ السند أو المتن أو كِلَيْهما فإنه لم يَثْبُتْ هذا الاسْمُ عنده؛ لأنَّ أسماء اللهِ لا تَثْبُتُ إلَّا بنصٍّ، ولم يَصِحَّ حديثٌ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في حَصْرِ الأسماء بعددٍ مُعيَّنٍ، ولا في تعيينِ الأسماءِ الواردِ فضلُها ممَّا يمكن أَنْ يُحْتَجَّ به، وإِنْ وَرَدَ ذلك الاسْمُ في الصفةِ إلَّا أنه يدلُّ على معنًى قائمٍ بالذات فقط ولا يُشْتَقُّ الاسْمُ مِنْ تلك الصفة.

علمًا بأنه رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال في دعائه: «اللَّهُمَّ أَنْتَ العَدْلُ فِي قَضَائِكَ»(١٣)، وسُمِّيَ بالعَدْل لعدوله عن الجَوْر إلى القصد؛ فاللهُ تعالى عادلٌ في أحكامه وقضائه عن الظلم والجَوْر، وأفعالُه حَسَنةٌ على غايةٍ مِنَ الكمالِ كما أَخْبَرَ عن نَفْسِه بقوله: ﴿وَٱللَّهُ يَقۡضِي بِٱلۡحَقِّۖ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقۡضُونَ بِشَيۡءٍ[غافر: ٢٠].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٠ جمادى الآخرة ١٤٣٨ﻫ
الموافق ﻟ: ١٩ مــــــــارس ٢٠١٧م

 



(١) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (١/ ١٥٠ ـ ١٦٠) بابُ بيانِ الإيمان والإسلام والإحسان، وأبو داود في «السنَّة» (٥/ ٦٩) بابٌ في القدر، والترمذيُّ في «الإيمان» (٥/ ٦) بابُ ما جاء في وصفِ جبريلَ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم الإيمانَ والإسلام، والنسائيُّ في «الإيمان» (٨/ ٩٧) بابُ نعتِ الإسلام، وابنُ ماجه في «المقدِّمة» (١/ ٢٤) بابٌ في الإيمان، وابنُ حبَّان (١/ ٣٨٩ ـ ٣٩١)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر عن أبيه عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنهما.

وأخرجه البخاريُّ في «الإيمان» (١/ ١١٤) بابُ سؤالِ جبريلَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلمِ الساعة، وفي «التفسير» (٨/ ٥١٣) باب: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ[لقمان: ٣٤]، ومسلمٌ في «الإيمان» (١/ ١٦١ ـ ١٦٥) بابُ بيانِ الإيمان والإسلام والإحسان، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) أخرجه مسلمٌ في «الجنائز» (٦/ ٢٢١) بابُ ما يُقالُ عند المصيبة، مِنْ قولِ أمِّ سلمة رضي الله عنهما.

(٣) «صحيح مسلم» (١/ ٤٦).

(٤) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١٦/ ٣٠٣)، وانظر أقوالَ الطوائف في هذه المسألةِ في: (١٦/ ٣٠١) وما بعدها.

(٥) أخرجه أحمد في «مسنده» (١/ ٣٩١)، وابنُ أبي شيبة في «مُصنَّفه» في «الدعاء» (٦/ ٤١) بابُ ما قالوا في الرجلِ إذا أصابَهُ هَمٌّ أو حزنٌ، والحاكم في «مُسْتدرَكه» في «الدعاء والتكبير والتهليل والتسبيح والذِّكْر» (١/ ٥٠٩)، وابنُ حِبَّان في «صحيحه» (٣/ ٢٥٣) في باب الأدعية: ذِكْر الأمر لمَنْ أصابَهُ حزنٌ أَنْ يسأل اللهَ ذهابَه عنه وإبدالَه إيَّاهُ فرحًا، والبيهقيُّ في «القضاء والقَدَر» بابُ ذِكْرِ البيانِ أنَّ الله ـ تبارك وتعالى ـ عادلٌ (٢٥٩)، والهيثميُّ في «موارد الظمآن» (٥٨٩) في «الأذكار» بابُ ما يقول إذا أصابَهُ هَمٌّ أو حزنٌ، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه.

والحديثُ صحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (١/ ٢/ ١٧٦) رقم: (١٩٩) وفي «صحيح مَوارِدِ الظمآن» (٢/ ٤٣٠)، ولفظُ الحديثِ بتمامه هو: قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي»، إِلَّا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا»، قَالَ: فَقِيلَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَتَعَلَّمُهَا؟» فَقَالَ: «بَلَى، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا».

(٦) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٢١٧).

(٧) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٢٦٩).

(٨) «فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٢١٧).

(٩) «بلوغ المَرام» لابن حجر (٤/ ٢٠٧).

(١٠) «سُبُل السلام» للصنعاني (٤/ ٢٠٨).

(١١) «فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٢١٥).

(١٢) الذي تقدَّم قريبًا، انظر: (الهامش ٥).

(١٣) أخرجه ابنُ منده في «التوحيد» (٢/ ١٤٩).