Skip to Content
الثلاثاء 27 المحرم 1439 هـ الموافق لـ 17 أكتوبر 2017 م

الكلمة الشهرية رقم: ١١٩

ومضاتٌ توضيحيةٌ
على العقائد الإسلامية
مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
لابن باديس ـ رحمه الله ـ

ـ تنبيهات واستدراكات ـ

ـ الحلقة السابعة ـ

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

ففي هذه السلسلة التوضيحية أُواصِلُ متابعةَ فصولِ عقائد التوحيد العلمي والعملي للإمام ابنِ باديس ـ رحمه الله ـ بالتنبيهات والاستدراكات على ما يأتي:

 الومضة الرابعة والعشرون:

■   وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في الفصل ٤٩: «توحيده في ربوبيته» (ص ٨١):

«وَمِنْ تَوْحِيدِهِ تَعَالَى: تَوْحِيدُهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ، وَهُوَ العِلْمُ بِأَنْ لَا خَالِقَ غَيْرُهُ، وَلَا مُدَبِّرَ لِلْكَوْنِ وَلَا مُتَصَرِّفَ فِيهِ سِوَاهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ[فاطر: ٣]، وَلِقَوْلِهِ: ﴿أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُ[الأعراف: ٥٤]، وَلِقَوْلِهِ: ﴿يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ[السجدة: ٥]، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ»(١) رَوَاهُ الشَّيْخَانِ».

   تنبيه واستدراك:

عرَّف المُصنِّفُ ـ رحمه الله ـ توحيدَ الربوبيةِ بالعلم ليُظْهِرَ تَعَلُّقَه بالتوحيد العلميِّ الخبريِّ، غير أنَّ إطلاقَ العلم ـ في هذا المَقامِ ـ قاصرٌ عن المعنى المطلـوب، والأَوْلى التعبيرُ بالإقرارِ لتَضمُّنِه العلمَ بالشيء عن تصديقٍ به، المُسْتلزِم لقَبولِ الأخبار والإذعانِ للأحكام، وهو مَعْنَى الإيمانِ بانفرادِ الله بالربوبية.

كما أنَّ المُصنِّفَ ـ رحمه الله ـ عرَّف هذا التوحيدَ بأنه العِلْمُ بأنَّ اللهَ تعالى مُنْفرِدٌ بأمورٍ ثلاثـةٍ: الخَلْقِ والتدبير والتصرُّف، والمعلومُ أنَّ كُلًّا مِنَ التدبير والتصرُّف يَتعلَّقان بالأمر؛ لأنَّ الله هو المُدبِّرُ للأمرِ المتصرِّفُ به والقاضي به؛ فهذا حُكْمُه القَدَريُّ والكونيُّ، وهو ما يقضي اللهُ به تقديرًا وخَلْقًا؛ لذلك كان إفرادُ الله بالحكم أو بالأمر أَوْسَعَ وأَوْلى مِنَ التعبير عن تَفرُّدِه بلفظتَيِ التدبير والتصرُّف.

 الومضة الخامسة والعشرون:

■   وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في الفصل ٥٠: «توحيدُه في أُلُوهيَّته» (ص ٨٢):

«وَمِنْ تَوْحِيدِهِ تَعَالَى: تَوْحِيدُهُ فِي أُلُوهِيَّتِهِ، وَهُوَ العِلْمُ بِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ وَحْدَهُ دُونَ سِوَاهُ، وَالقَصْدُ وَالتَّوَجُّهُ وَالقِيَامُ بِالعِبَادَاتِ كُلِّهَا إِلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ ٢٥[الأنبياء]، وَلِقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي وَجَّهۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ حَنِيفٗاۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٧٩[الأنعام]، وَلِقَوْلِهِ: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٢ لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٦٣[الأنعام]، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، [وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى ضَرِّكَ أَوْ نَفْعِكَ لَا يَضُرُّونَكَ وَلَا يَنْفَعُونَكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ](٢)»(٣) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ».

    تنبيه واستدراك:

قد تقدَّمَتِ الملاحظةُ السابقة؛ وعليه فإنَّ المُراد بتوحيدِ الألوهية إنما هو: الإقرارُ المُتضمِّنُ للعلم والاعترافِ بأنَّ اللهَ ذو الألوهيةِ والمعبوديةِ على خَلْقِه أجمعين، ويَتحقَّقُ هذا التوحيدُ بإفرادِ الله تعالى بالعبادة، واستحقاقِه لها كُلِّها وَحْدَهُ دون سِواهُ: قولًا وفعلًا وقصدًا، بجميعِ أفعالِ عِبادِه: الظاهرةِ والباطنةِ والبدنيةِ والماليةِ التي تَعبَّدَهم بها، سواءٌ كانَتْ عباداتٍ قلبيةً: مِنْ مَحَبَّةٍ وخوفٍ ورجاءٍ وتوكُّلٍ ورغبةٍ ورهبةٍ، أو عباداتٍ قوليةً: مِنْ تكبيرٍ وتسبيحٍ وتهليلٍ وتحميدٍ وقراءةِ قرآنٍ وغيرِها مِنَ الأذكار، أو عباداتٍ فعليةً: مِنْ صلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وحجٍّ ونذرٍ، وغيرِها مِنْ أنواعِ العبادات المشروعة، وبإخلاصها له وَحْدَهُ طاعةً له وتقرُّبًا إليه.

وتوحيدُ الألوهية يُسمَّى ـ أيضًا ـ ﺑ «توحيد العبادة»؛ فهو بالنظر إلى إضافته إلى الله تعالى فهو توحيدُ الألوهية، وبالنظر إلى مَنْ يَتقرَّبُ إليه بهذه العبادةِ مِنَ العابدين فهو توحيدُ عبادةٍ أي: توحيد الله بأفعالِ عِبادِه، ويُسمَّى توحيدُ الألوهية ـ أيضًا ـ: «توحيدَ الإرادةِ والقصد»، و«توحيدَ الطلب».

 الومضة السادسة والعشرون:

    وقول المصنِّف ـ رحمه الله ـ في الفصل ٥٣: «العبدُ لا يخلق أفعالَ نَفْسِه» (ص  ٨٦):

«وَمِنْ تَوْحِيدِهِ تَعَالَى فِي رُبُوبِيَّتِهِ: اعْتِقَادُ أَنَّ العَبْدَ لَا يَخْلُقُ أَفْعَالَ نَفْسِهِ؛ فَهُوَ كَمَا(٤) لَمْ يَخْلُقْ ذَاتَهُ وَلَمْ يَخْلُقْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُقْ أَفْعَالَهُ؛ فَهُوَ كُلُّهُ مَخْلُوقٌ للهِ: ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ وَأَفْعَالُهُ، غَيْرَ أَنَّ لَهُ مُبَاشَرَةً لِأَفْعَالِهِ بِاخْتِيَارِهِ؛ فَبِذَلِكَ كَانَتْ أَعْمَالًا لَهُ وَكَانَ مَسْئُولًا عَنْهَا وَمُجَازًى عَلَيْهَا، وَتِلْكَ المُبَاشَرَةُ هِيَ كَسْبُهُ وَاكْتِسَابُهُ؛ فَيُسَمَّى العَبْدُ: عَامِلًا وَكَاسِبًا وَمُكْتَسِبًا، وَلَا يُسَمَّى خَالِقًا؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ[فاطر: ٣]، وَلِقَوْلِهِ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡ[البقرة: ٢٨٦]، وَلِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ ٧ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ ٨[الزلزلة]».

    تنبيه واستدراك:

والمُصنِّفُ رحمه الله ـ بعد تقريرِه لمذهب السلف مِنْ جهةِ خَلْقِ الله للأفعال الاختيارية للعبد ـ يُقرِّرُ مذهبَهم ـ أيضًا ـ مِنْ جهةِ أثرِ قدرة العبد في الفعل، وهو أنَّ العبد ـ مؤمنًا كان أو كافرًا، بَرًّا أو فاجرًا ـ غيرُ مسلوبِ الإرادةِ والمَشيئة، بل هو فاعلٌ حقيقةً، وأفعالُه مخلوقةٌ لله، وله مُباشَرةٌ لأفعاله بإرادته ومَشيئتِه واختيارِه، قال تعالى: ﴿وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡ[الكهف: ٢٩]، وأَثْبَتَ اللهُ تعالى العملَ والفعلَ للمُكلَّفِ في آياتٍ عديدةٍ منها: قولُه تعالى: ﴿مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ[البقرة: ٦٢]، وقولُه تعالى: ﴿يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا[آل عمران: ٣٠]، وقولُه تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡ‍َٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٣٤[البقرة: ١٣٤، ١٤١].

وقد يُضافُ العملُ إلى الإنسان الفردِ المُخاطَبِ إضافةَ ملكيةٍ كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٥[الزُّمَر]، وقد يُضافُ العملُ إلى الجماعةِ كقوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡ[البقرة: ١٦٧]، وقولِه تعالى: ﴿ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡۖ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ[الشورى: ١٥]، وقولِه تعالى: ﴿وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ[التوبة: ١٠٥]؛ فدلَّتْ هذه الآياتُ على أنَّ العبد فاعلٌ على الحقيقة، وأنَّ له مَشيئةً واختيارًا على فِعْلِه بعد مَشيئةِ الله تعالى؛ لقولِه تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ[الإنسان: ٣٠؛ التكوير: ٢٩].

ويُؤكِّدُ ذلك ـ أيضًا ـ قولُه تعالى: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ ٧ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ ٨[الزلزلة]؛ فأضافَ اللهُ سبحانه عَمَلَ الخيرِ والشرِّ إلى العبد على الحقيقة؛ فدلَّ على أنه مِنْ كَسْبِه وعَمَلِه الذي يُجازى به، وقولُه تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡ[البقرة: ٢٨٦]؛ فأَثْبَتَ اللهُ تعالى للعبد عملًا وكسبًا وهو مِنْ فِعْلِه حقيقةً؛ إذ الكسبُ هو الفعلُ الذي يعود على فاعِلِه منه نَفْعٌ أو ضررٌ(٥).

وهذا هو المرادُ بالكسب عند المصنِّف ـ رحمه الله ـ، وليس هو «الكسبَ» عند الأشعريِّ الذي رام التوسُّطَ بين الجبرية والقدرية؛ فأَحْدث «نظريةَ الكسب» التي لم يُعْرَفِ القولُ بها إلَّا في زمنه، تلك النظريةُ التي حيَّرَتِ الأفهامَ في تصوُّرها واضطربَتِ الأقوالُ في التعبير عنها، ومَفادُها: أنَّ الكسب هو الاقترانُ العاديُّ بين قدرة العبد الحادثة وفعلِه الواقع بقدرة الله وحدها، وتوضيحُ ذلك أنَّ الأشاعرةَ يُثْبِتُون أنَّ أفعالَ العبدِ مخلوقةٌ لله تعالى، وهي مع كونها خَلْقَ اللهِ فهي مِنْ كَسْبِ العبد، غيرَ أنَّ أفعالَ العبدِ واقعةٌ ـ عندهم ـ بقُدْرةِ الله وَحْدَها، وللعبدِ قدرةٌ لا تأثيرَ لها فيها، أي: أنَّ العبدَ كاسبٌ وليس بفاعلٍ حقيقةً، والفعلُ يُوجَدُ عند القدرةِ لا بها، وإنما فاعلُ فِعْلِ العبدِ هو اللهُ تعالى، وعَمَلُ العبدِ ليس فعلًا للعبد، بل هو كَسْبٌ له، وإنما هو مِنْ فِعْلِ الله فقط، والخالقُ قَرَنَ القدرةَ بالمقدورِ بمُجرَّدِ الاقترانِ العاديِّ لا لسببٍ ولا لحكمةٍ أصلًا.

والذي جَرَّ الأشاعِرةَ إلى تعطيلِ تأثيرِ القدرةِ الحادثةِ في الفعل هو: اعتقادُهم بأنَّ الأفعالَ ذواتٌ، ولا يَقْدِرُ على الذواتِ إلَّا اللهُ؛ الأمرُ الذي دَفَعَهم إلى عَدَمِ التفريقِ بين الخَلْقِ والفعل، ويقولون: إنَّ الخَلْقَ هو المخلوقُ، والفعلَ هو المفعولُ؛ فنَسَبُوا الخَلْقَ والفعل لله تعالى؛ لأنَّ الفعلَ ـ عندهم ـ هو المفعولُ؛ فامتنع ـ مع هذا ـ أَنْ يكون فعلًا للعبد؛ لئلَّا يكون فعلٌ واحدٌ له فاعلان؛ لذلك لم ينسبوا للعبد إلَّا كسبًا لا يُعْقَلُ.

ولا يخفى أنَّ إثباتَ قدرةٍ لا أَثَرَ لها في الفعل إنما هو ـ في حقيقةِ الأمر ـ نفيٌ للقدرة أصلًا؛ فوجودُها وعَدَمُها سواءٌ، كما أنَّ المُتقرِّرَ عند جماهيرِ المسلمين أنَّ الأفعالَ صفاتٌ وأحوالٌ وليسَتْ ذواتٍ(٦).

وقد استنكر العُلَماءُ وكذا أعلامُ المذهب الأشعريِّ كالباقلَّانيِّ والجوينيِّ وغيرِهما الكسبَ الذي قال به الأشاعرةُ؛ لأنه قولٌ حادثٌ لم يُعْرَفْ إلَّا في زمن الأشعريِّ بعد انقضاء القُرون الثلاثة المفضَّلة، وعَدُّوهُ قولًا مُتناقِضًا لا حقيقةَ له ولا حاصِلَ تحته وغيرَ معقولٍ؛ إذ لا يُوجَدُ فَرْقٌ معقولٌ بين الفعلِ الذي نَفَوْهُ عن العبد والكسبِ الذي أَثْبَتُوه له، وقولُهم في الكسب ـ عند التحقيق ـ لا يخرج عن مَقالةِ الجهميةِ والجبرية؛ لذلك قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ في مَعْرِضِ بيانِ الكسبِ عند الأشاعِرة: «وهُمْ لا يقولـون به، بل قدرةُ العبدِ ـ عندهم ـ لا تَتعلَّقُ إلَّا بفعلٍ في مَحَلِّها، مع أنها ـ عند شيخِهم ـ غيرُ مُؤثِّرةٍ في المقدور، ولا يقول: إنَّ العبدَ فاعلٌ ـ في الحقيقة ـ بل كاسبٌ، ولم يذكروا بين الكسبِ والفعلِ فَرْقًا معقولًا، بل حقيقةُ قولهم قولُ جهـمٍ: إنَّ العبدَ لا قُدْرَةَ لـه ولا فِعْلَ ولا كَسْبَ، واللهُ ـ عندهم ـ فاعِلُ فِعْلِ العبد، وفِعْلُه هو نَفْسُ مفعولِه؛ فصارَ الربُّ ـ عندهم ـ فاعلًا لكُلِّ ما يُوجَدُ مِنْ أفعال العباد؛ ويَلْزَمُهم أَنْ يكونَ هو الفاعلَ للقبائح، وأَنْ يَتَّصِفَ بها على قولهم: إنه يُوصَفُ بالصفات الفعلية القائمةِ بغيره»(٧).

وفي رَدِّه ـ رحمه الله ـ على الأشاعِرةِ الذين أَثْبَتُوا في المخلوقات والطبائعِ قُوًى غيرَ مُؤثِّرةٍ أضافَ ـ رحمه الله ـ قائلًا: «ومَنْ قال: إنَّ قدرةَ العبدِ وغيرَها مِنَ الأسبابِ التي خَلَقَ اللهُ تعالى بها المخلوقاتِ ليسَتْ أسبابًا، أو أنَّ وجودَها كعدَمِها وليس هناك إلَّا مجرَّدُ اقترانٍ عاديٍّ كاقترانِ الدليل بالمدلول؛ فقَدْ جَحَدَ ما في خَلْقِ الله وشَرْعِه مِنَ الأسبابِ والحِكَم، ولم يجعل في العَيْنِ قوَّةً تمتازُ بها عن الخدِّ تُبْصِرُ بها، ولا في القلب قوَّةً يمتازُ بها عن الرِّجْلِ يعقـل بها، ولا في النارِ قوَّةً تمتازُ بها عن التراب تُحْرِقُ بها، وهؤلاء يُنْكِرون ما في الأجسام المطبوعةِ مِنَ الطبائع والغرائز .. ثمَّ إنَّ هؤلاء يقولون: لا ينبغي للإنسان أَنْ يقول: إنه شَبِعَ بالخبز ورَوِيَ بالماء، بل يقول: شَبِعْتُ عنده ورَوِيتُ عنده؛ فإنَّ اللهَ يخلق الشِّبَعَ والرِّيَّ ونحوَ ذلك مِنَ الحوادثِ عند هذه المُقْتَرِناتِ بها عادةً لا بها، وهذا خلافُ الكتابِ والسنَّة؛ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ[الأعراف: ٥٧] الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا[البقرة: ١٦٤]»(٨).

هذا، ويجدر التنبيهُ على أمرين:

الأوَّل: لا يَلْزَمُ مِنْ وَصْفِ الله تعالى بالفعل ووَصْفِ المخلوق به ـ أيضًا ـ اشتراكُ الخالقِ والمخلوقِ في مُسمَّى الفعلِ بأَنْ يكون فِعْلُ الخالقِ كفعلِ المخلوق، بل فعلُ الله تعالى يخصُّه وفِعْلُ العبدِ يخصُّه، واتِّفاقُهما في اسْمٍ عامٍّ لا يقتضي تَمَاثُلَهما في مُسمَّى ذلك الاسْمِ عند الإضافةِ والتخصيصِ والتقييدِ ولا في غيرِه؛ لأنَّه ما مِنْ شيئين مِنَ الأعيان أو مِنَ الصفات إلَّا وبينهما اشتراكٌ مِنْ بعض الوجوه، وهذا يجري في مَباحِثِ الصفات التي وَصَفَ اللهُ بها نَفْسَه ووَصَفَ بها خَلْقَه(٩).

الثاني: وجوبُ التفرقةِ بين فعلِ الله تعالى القائمِ بذاته كالرزق والإماتة والإحياء ونحوِ ذلك، وبين مفعولات الله تعالى التي هي أفعالٌ للعباد مخلوقةٌ لله تعالى مُنْفصِلةٌ عنه قائمةٌ بمَحَلِّها مُبايِنةٌ له سبحانه كالأكل والشرب والطاعة والمعصية وغيرِها؛ فإنَّ هذه الأفعالَ مخلوقةٌ ومُقدَّرةٌ ومَقْضِيَّةٌ لله تعالى، ولا يتَّصِف بها مَنْ خَلَقها وجَعَلها صفةً لغيره، وإنما يَتَّصِفُ بها مَنْ قامَتْ به ومَنْ فَعَلَها بقدرته واختيارِه وهو العبدُ.

ولذلك فرَّق جمهورُ أهلِ السنَّةِ المُتَّبِعون للسلف والأئمَّةِ بين الفعل والمفعول؛ ففِعْلُ العبدِ فِعْلٌ له على الحقيقة، ولكنَّه مخلوقٌ لله ومفعولٌ لله على الحقيقة؛ ويدلُّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ ٩٦[الصافَّات]؛ فأَخْبَرَ اللهُ تعالى أنه خالقُ العِبادِ وأعمالِهم لا فاعلٌ لها، وإنما أضافَ الفعلَ والعملَ إلى العباد؛ ففِعْلُ العبدِ ليس هو نَفْسَ فعلِ الله؛ لقيامِ الفرق بين الخَلْقِ والمخلوق، والفعلِ والمفعول، قال البخاريُّ ـ رحمه الله ـ: «وقال أهلُ العلم: التخليقُ فِعْلُ الله، وأفاعيلُنا مخلوقةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّواْ قَوۡلَكُمۡ أَوِ ٱجۡهَرُواْ بِهِۦٓۖ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٣ أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ[المُلْك: ١٣ ـ ١٤]، يعني: السرَّ والجهرَ مِنَ القول؛ ففِعْلُ الله صفةُ الله، والمفعولُ غيرُه مِنَ الخَلْق»(١٠).

وقد جاء مِنْ كلامِ ابنِ تيمية ـ رحمه الله ـ في شأنِ هذه المسألةِ ما نصُّه: «وأمَّا مَنْ قال: خَلْقُ الربِّ تعالى لمخلوقاته ليس هو نَفْسَ مخلوقاته قال: إنَّ أفعالَ العِبادِ مخلوقةٌ كسائر المخلوقات ومفعولةٌ للربِّ كسائر المفعولات، ولم يَقُلْ: إنها نَفْسُ فِعْلِ الربِّ وخَلْقِه، بل قال: إنها نَفْسُ فِعْلِ العبد؛ وعلى هذا تَزولُ الشبهةُ؛ فإنه يُقالُ: الكذبُ والظلمُ ونحوُ ذلك مِنَ القبائحِ يَتَّصِفُ بها مَنْ كانَتْ فعلًا له كما يفعلها العبدُ وتقوم به، ولا يَتَّصِفُ بها مَنْ كانَتْ مخلوقةً له إذا كان قد جَعَلَها صفةً لغيره، كما أنه ـ سبحانه ـ لا يَتَّصِفُ بما خَلَقَهُ في غيرِه مِنَ الطعومِ والألوانِ والروائح والأشكال والمَقاديرِ والحركات وغيرِ ذلك؛ فإذا كان قد خَلَقَ لَوْنَ الإنسانِ لم يكن هو المتلوِّنَ به، وإذا خَلَقَ رائحةً مُنْتِنةً أو طعمًا مُرًّا أو صورةً قبيحةً ونحوَ ذلك ممَّا هو مكروهٌ مذمومٌ مُسْتقبَحٌ لم يكن هو مُتَّصِفًا بهذه المخلوقاتِ القبيحةِ المذمومةِ المكروهةِ والأفعالِ القبيحة، ومعنى قُبْحِها: كونُها ضارَّةً لفاعِلِها، وسببًا لذَمِّه وعقابِه، وجالبةً لأَلَمِه وعذابِه، وهذا أمرٌ يعود على الفاعلِ الذي قامَتْ به، لا على الخالقِ الذي خَلَقها فعلًا لغيره»(١١).

ويزيد ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ في بَلْوَرَةِ المسألةِ حيث يقول: «فالظلمُ والكفرُ والفسوقُ والعصيانُ وأنواعُ الشرورِ واقعةٌ في مفعولاته المُنْفصِلةِ التي لا يَتَّصِفُ بها دون أفعالِه القائمةِ به، ومَنِ انكشف له هذا المَقامُ فَهِمَ مَعْنَى قولِه: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»(١٢)؛ فهذا الفرقُ العظيمُ يُزيلُ أَكْثَرَ الشُّبَهِ التي حارَتْ لها عقولُ كثيرٍ مِنَ الناسِ في هذا الباب، وهَدَى اللهُ الذين آمَنُوا لِمَا اختلفوا فيه مِنَ الحقِّ بإذنه، واللهُ يهدي مَنْ يَشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ؛ فما في مخلوقاته ومفعولاته تعالى مِنَ الظلمِ والشرِّ فهو بالنسبة إلى فاعِلِه المُكلَّفِ الذي قام به الفعلُ، كما أنه بالنسبة إليه يكون زِنًا وسرقةً وعدوانًا وأكلًا وشُرْبًا ونكاحًا؛ فهو الزاني السارقُ الآكلُ الناكح، واللهُ خالقُ كُلِّ فاعلٍ وفِعْلِه، وليسَتْ نسبةُ هذه الأفعالِ إلى خالِقِها كنسبتها إلى فاعِلِها الذي قامَتْ به، كما أنَّ نسبةَ صفاتِ المخلوقِينَ إليه كطوله وقِصَرِه وحُسْنِه وقُبْحِه وشَكْلِه ولَوْنِه ليسَتْ كنسبتها إلى خالِقِها فيه؛ فتَأَمَّلْ هذا الموضعَ وأَعْطِ الفرقَ حَقَّه وفَرِّقْ بين النسبتين؛ فكما أنَّ صفاتِ المخلوقِ ليسَتْ صفاتٍ لله بوجهٍ وإِنْ كان هو خالِقَها، فكذلك أفعالُه ليسَتْ أفعالًا لله تعالى ولا إليه وإِنْ كان هو خالِقَها»(١٣).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٠ جمادى الآخرة ١٤٣٨ﻫ
الموافق ﻟ: ١٩ مــــــــارس ٢٠١٧م

 



(١) أخرجه البخاريُّ في «الأذان» (٢/ ٣٢٥) بابُ الذِّكْرِ بعد الصلاة، وفي مَواضِعَ أخرى مِنَ الصحيح، ومسلمٌ في «المساجد ومَواضِعِ الصلاة» (٥/ ٩٠) بابُ استحبابِ الذِّكْرِ بعد الصلاة، مِنْ حديثِ المُغيرةِ بنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه.

(٢) ما بين المعقوفين ساقطٌ مِنْ «م.ر».

(٣) أخرجه الترمذيُّ في «سننه» في «صفة القيامة» (٤/ ٦٦٧) باب: (٥٩)، وأحمد في «مسنده» (١/ ٢٩٣)، وأبو يعلى في «مسنده» (٤/ ٤٣٠)، والطبرانيُّ في «المعجم الكبير» (١٢/ ٢٣٨) و«المعجم الأوسط» (٥/ ٣١٦) و«الدعاء» (٣٤)، والحاكمُ في «المُسْتدرَك» (٣/ ٥٤١)، وابنُ وهبٍ في «القَدَر» (١٣٠)، وابنُ أبي عاصمٍ في «السنَّة» (١/ ١٣٨)، والآجُرِّيُّ في «الشريعة» (١٩٨)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. قال الترمذيُّ: «حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ»، والحديثُ صحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦/ ٣٠٠) وفي «صحيح سنن الترمذي» (٢/ ٢٠٩ ـ ٢١٠).

(٤) «م.ر.أ، م.ر.ب»: «مَا»، والصواب ما أثبَتْناه.

(٥) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العزِّ (٥٠٢).

(٦) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٨/ ١٢٨، ٤٦٧)، «إيثار الحقِّ على الخَلْق» لابن الوزير (٣١٧).

(٧) «النُّبُوَّات» لابن تيمية (١/ ٤٦١).

(٨) «مجموع الرسائل والمَسائِل» لابن تيمية (٥/ ١٥٦).

(٩) انظر: «الرسالة التدمرية» لابن تيمية (٨ وما بعدها).

(١٠) «خَلْق أفعال العباد» للبخاري (١١٣).

(١١) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٨/ ١٢٣).

(١٢) جزءٌ مِنْ حديثٍ رواهُ مسلمٌ في «صلاة المسافرين وقَصْرِها» (٦/ ٥٧ ـ ٦٠) بابُ صلاةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ودعائِه في الليل، مِنْ حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه.

(١٣) «مفتاح دار السعادة» لابن القيِّم (٣/ ٨).