Skip to Content
الأربعاء 9 ربيع الآخر 1442 هـ الموافق لـ 25 نوفمبر 2020 م

الكلمة الشهرية رقم: ١٤٧

 

[الحلقة العاشرة]

الاعتصام بكتاب الله(١)
[ـ ١ ـ]

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقَدْ قال الشيخ عبد الحميد بنُ باديس ـ رحمه الله ـ:

«عَنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ(٢) رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ، [إِنَّ](٣) أُمَّتَكَ مُخْتَلِفَةٌ بَعْدَكَ!» قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: «فَأَيْنَ المَخْرَجُ يَا جِبْرِيلُ؟» قَالَ: فَقَالَ: «فِي كِتَابِ اللهِ؛ بِهِ يَقْصِمُ اللهُ كُلَّ جَبَّارٍ، مَنِ اعْتَصَمَ بِهِ نَجَا، وَمَنْ تَرَكَهُ هَلَكَ مَرَّتَيْنِ؛ قَوْلٌ فَصْلٌ وَلَيْسَ بِالهَزْلِ؛ لَا [تَخْتَلِقُهُ](٤) الأَلْسُنُ، وَلَا تَفْنَى عَجَائِبُهُ؛ فِيهِ نَبَأُ [مَا كَانَ قَبْلَكُمْ](٥)، وَفَصْلُ مَا بَيْنَكُمْ وَخَبَرُ مَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ»».

أَخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ(٦)(٧)؛ نَقَلَهُ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ(٨) أَوَائِلَ كِتَابِهِ «فَضَائِلِ القُرْآنِ» الَّذِي خَتَمَ بِهِ تَفْسِيرَهُ(٩).

تعليق:

صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ(١٠)- فَقَدْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ، وَقَدْ دَعَوْنَا النَّاسَ إِلَى المَخْرَجِ، وَهُوَ كِتَابُ اللهِ وَسُنَّةُ رَسُولِهِ المُبَيِّنَةُ لَهُ ..».

ـ يُتْبَع ـ



(١) «الآثار» (٢/ ٣٢٠).

(٢) هو الصحابيُّ الجليل أبو الحسنِ عليُّ بنُ أبي طالب بنِ عبد المُطَّلِبِ بنِ هاشمٍ القُرَشيُّ الهاشميُّ المكِّيُّ ثمَّ المَدَنيُّ الكوفيُّ؛ أميرُ المؤمنين وابنُ عمِّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وصِهْرُه على ابنته فاطمةَ رضي الله عنها، وأبو السِّبْطين، وأَحَدُ السابقين الأوَّلين؛ له مَناقِبُ عديدةٌ وفضائلُ كثيرةٌ؛ مات شهيدًا سَنَةَ: (٤٠ﻫ).

انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٢/ ٣٣٧، ٣/ ١٩)، «المَعارِف» لابن قُتَيْبة (٢٠٣)، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٦/ ١٩١)، «الاستيعاب» لابن عبد البرِّ (٣/ ١٠٨٩)، «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (١/ ١٤٣)، «أُسْد الغابة» (٤/ ١٦) و«الكامل» (٣/ ٣٨٧) كلاهما لابن الأثير، «معرفة القُرَّاءِ الكِبار» للذهبي (١/ ٢٥)، «البداية والنهاية» لابن كثير (٧/ ٣٢١)، «الإصابة» لابن حجر (٢/ ٥٠٧)، «طبقات الحُفَّاظ» للسيوطي (١٤)، «شذرات الذهب» لابن العماد (١/ ٤٩).

(٣) «إنَّ» ساقطة مِنَ الأصل المطبوع.

(٤) في الأصل المطبوع [تخلقه]، ولعلَّ لفظ الحديث منقولٌ مِنِ ابنِ كثيرٍ ـ رحمه الله ـ، وهو مأخوذٌ مِنْ إخلاق الثوب أي إبلائه وتقطيعه، كما في حديثِ أمِّ خالدٍ بنتِ خالد بنِ سعيدٍ رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال لها: «أَبْلِي وَأَخْلِقِي» [أخرجه البخاريُّ بالقاف في «اللباس» (١٠/ ٢٧٩) باب الخميصة السوداء، و(١٠/ ٣٠٣) بابُ ما يدعى لمَنْ لَبِس ثوبًا جديدًا، و«الأدب» (١٠/ ٤٢٥) بابُ مَنْ تَرَك صبيَّةَ غيرِه حتَّى تلعب به أو قبَّلها أو مازحها؛ وأخرجه بالفاء في «الجهاد والسِّيَر» (٦/ ١٨٣) بابُ مَنْ تكلَّم بالفارسيَّة والرطانة].

وهذه اللفظةُ أو العبارة هي التي رجَّحها أحمد شاكر ـ رحمه الله ـ في تعليقه على «المسند» (١/ ٨٨) بقوله: «والظاهر أنه مِنْ إخلاق الثوب، أي إبلائه، يقال: «أخلقتُ الثوبَ»: أبلَيْتُه. ولكن «تختلقه» فعلٌ لم أجِدْه في مراجع اللغة، وفي ابنِ كثيرٍ: «لا تخلقه الألسنُ» وهو واضحٌ».

قلتُ: وعبارةُ: «لا تختلقه الألسنُ» الواردةُ في الحديث أصحُّ عندي؛ لأنَّ المراد به اختلاقُ القول وهو الكذبُ والافتراء، كما جاء في التنزيل عن الكُفَّار المكذِّبين قولُه تعالى: ﴿مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِي ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡأٓخِرَةِ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ ٧[ص]، أي: أنه ما دعا إليه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مِنْ دين الحقِّ ما هو ـ عندهم ـ إلَّا اختلاقٌ اختلقه وكذبٌ افتراه.

فاختلاق ـ إذَنْ ـ هو افتعالٌ مِنَ الخَلْق والإبداع، فيقال عن الكاذب بأنه خَلَق القولَ بمعنى افتراه، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًا[العنكبوت: ١٧]، وأصلُ الخلق: التقديرُ قبل القطع، [انظر: «النهاية» لابن الأثير (٢/ ٧)، «مختار الصِّحاح» للرازي (١٨٧)، «المعجم الوسيط» (١/ ٢٥٢)].

ومعنى قوله: «لا تختلقه الألسنُ» أي: لا يملك أيُّ مخلوقٍ القدرةَ على أَنْ يأتيَ بمثل هذا القرآنِ مِنْ عند نفسه كذبًا وافتراءً، لا من جهة قوة بيانه ولا فصاحة ألفاظه وبلاغة تراكيبه ومعانيه، ولا من جهة صدق أخباره وعدل أحكامه، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ[الأنعام: ١١٥]، وقد عَجَز بُلَغاءُ العرب وفُصَحاؤُهم عن الإتيان بمِثله بعد أَنْ تحدَّى اللهُ الثَّقَلين في مِثلِ قوله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا ٨٨[الإسراء]، وقوله تعالى: ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٣ [هود]، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٣[البقرة].

(٥) في الأصل المطبوع [مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ]؛ والصحيحُ الوارد في رواية أحمدَ ما أثبتُّه على المتن.

(٦) هو أبو عبد الله أحمدُ بنُ محمَّد بنِ حنبلٍ الشيبانيُّ الوائليُّ المروزيُّ ثمَّ البغداديُّ، المُحدِّثُ الفقيه، أحَدُ الأئمَّةِ الأعلام وصاحِبُ المذهبِ الرابع في الفقه السُّنِّي، ومَذْهَبُه مُفضَّلٌ عند أصحاب الحديث، له فضائلُ ومَناقِبُ وخِصالٌ كثيرةٌ، مِنْ كُتُبه: «المُسْنَدُ»، و«التاريخُ»، و«الناسخُ والمنسوخ»، و«عِلَلُ الحديث»؛ تُوُفِّيَ سنةَ: (٢٤١ﻫ).

انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» لابن سعد (٧/ ٣٥٤)، «التاريخ الكبير» (٢/ ٥) و«التاريخ الصغير» (٢/ ٣٤٥) كلاهما للبخاري، «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (١/ ٢٩٢)، «الفهرست» للنديم (٢٨٥)، «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (٤/ ٤١٢)، «الكامل في التاريخ» لابن الأثير (٧/ ٨٠)، «وفيات الأعيان» لابن خلِّكان (١/ ٦٣)، «سِيَر أعلام النُّبَلاء» (١١/ ١٧٧) و«دُوَل الإسلام» (١/ ١٤٦) و«الكاشف» (١/ ٦٨) كُلُّها للذهبي، «مرآة الجنان» لليافعي (٢/ ١٣٢)، «البداية والنهاية» لابن كثير (١٠/ ٣٢٥)، «وفيات ابنِ قنفذ» (٤٢)، «طبقات الحُفَّاظ» للسيوطي (١٨٩)، «طبقات المفسِّرين» للداودي (١/ ٧١)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٢/ ٩٦)، «الفضل المبين» للقاسمي (٢٧١)، «الرسالة المُسْتَطْرَفة» للكتَّاني (١٨)، «الفكر السامي» للحَجْوي (٢/ ١/ ١٨)، «تاريخ التراث العربي» لسزكين (٢/ ١٩٦).

(٧) أخرجه أحمد في «مُسنَده» (١/ ٩١)، وأبو يعلى الموصليُّ في «مُسنَده» (١/ ٣٠٢)، والبزَّار في «مُسنَده» (١/ ١٥٥)، عن ابنِ إسحاق: وذَكَر محمَّد بنُ كعبٍ القُرَظيُّ عن الحرث بنِ عبد الله الأعور عن عليٍّ رضي الله عنه.

والحديث ضعَّفه الأرناؤوطُ في تحقيقه ﻟ «مسند أحمد» (١/ ٩١)؛ وقال أحمد شاكر في تعليقه على «مسند أحمد» (٢/ ٨٨): «إسنادُه ضعيفٌ جدًّا، مِنْ أجل الحرث الأعور؛ ثم الظاهر أنه مُنقطِعٌ، لقول ابنِ إسحق: «وذكر محمَّد بنُ كعبٍ القُرَظيُّ» فإنِّي لم أَجِدْ أنه روى عنه مباشرةً، بل هو يروي في السيرة عنه بواسطةٍ»؛ وبضعفِ إسناده الشديد حكم عليه الألبانيُّ في «السلسلة الضعيفة» (٤/ ٢٥٨)، وبيَّن أنَّ له علَّتَيْن فقال ـ رحمه الله ـ ما نصُّه: «وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا، وله علَّتان:

الأولى: الحارث هذا، أورده الذهبيُّ في «الضعفاء والمتروكين»، وقال: «مُختلَفٌ فيه، مع أنَّ حديثه في الأربعة، قال ابنُ المدينيِّ: كذَّابٌ، وقال النَّسائيُّ: ليس بالقويِّ، وقال الدارقطنيُّ وغيرُه: ضعيفٌ، ومنهم مَنْ وثَّقه».

والعلَّةُ الأخرى: روايةُ ابنِ إسحاقَ إيَّاهُ بصيغةِ «قال»، وهي في المعنى مثلُ صيغةِ «عن»، وهو مدلِّسٌ، فلا يُقبَل مِنْ حديثه إلَّا ما صرَّح فيه بالتحديث، ولكنَّه قد تُوبِعَ، فرواه الحسين الجُعفيُّ عن حمزةَ الزيَّاتِ عن أبي المختار الطائيِّ عن ابنِ أخي الحارث الأعور عن الحارث به نحوَه: أخرجه الدارميُّ (٢/ ٤٣٥) وابنُ أبي شيبة في «المصنَّف» (١٢/ ٦١/ ١) والترمذيُّ (٤/ ٥١ ـ ٥٢) وقال: «حديثٌ غريبٌ، لا نعرفه إلَّا مِنْ حديثِ حمزةَ الزيَّات، وإسنادُه مجهولٌ، وفي حديث الحارث مقالٌ». قلت: أبو المختار الطائيُّ مجهولٌ، وقال الذهبيُّ: «حديثُه في فضائل القرآن مُنكَرٌ». ثم أخرجه الدارميُّ مِنْ طريق أبي البختري عن الحارث به. قلت: وأبو البختريِّ هذا اسمُه سعيد بنُ فيروز، وهو ثقةٌ مِنْ رجال الشيخين، والسندُ إليه صحيحٌ، فعلَّةُ الحديثِ الحارثُ هذا».

هذا، والحديث ـ وإِنْ كان ضعيفَ الإسناد ـ فقَدْ قامَتْ أدلَّةُ النصوص الشرعيَّة على صحَّة معناه في وجوب الاعتصام بحبل الله، والحضِّ على التمسُّك بكتابه والاجتماع عليه حمايةً للدِّين، وإعلاءً لكلمة الله، ودرءًا للتفرُّق في العقائد والفِتَن، فمِنْ ذلك: قولُه تعالى: ﴿فَٱسۡتَمۡسِكۡ بِٱلَّذِيٓ أُوحِيَ إِلَيۡكَ‌ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٣ وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٞ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَ‌ۖ وَسَوۡفَ تُسۡـَٔلُونَ ٤٤[الزخرف]، وقولُه تعالى: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْ[آل عمران: ١٠٣]، وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا»، وذَكَر منها: «وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا» [أخرجه مسلمٌ في «الأقضية» (١٢/ ١٠) باب النهي عن كثرة المسائل مِنْ غير حاجةٍ والنهيِ عن منعٍ وهاتِ، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه]؛ وقد فُسِّر حبلُ الله الذي أُمِر بالاعتصام به بالقرآن، وهو حَبْلُ الله المَمْدود مِن السَّماء إلى الأرض، وبه فَسَّره رَسولُنا الكريم عليه أفضل الصّلاة وأزكى التّسليم: فعنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ـ مرفوعًا ـ: «كِتَابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ حَبْلُ اللهِ؛ مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى ضَلَالَةٍ» أخرجه مسلم (٢٤٠٨). ونُقِل ذلك عن ابنِ مسعودٍ وعليٍّ وأبي سعيدٍ رضي الله عنهم، وبه قال قَتادةُ والسُّدِّيُّ والضحَّاكُ وغيرُهم، ولا يُعكِّر على هذا المعنى مَنْ فسَّر حبلَ اللهِ بالإسلام أو الجماعةِ أو الإخلاص، فإنَّ هذه المعانيَ كُلَّها مُتقارِبةٌ مُتداخِلةٌ وليست مُتضارِبةً، بل يُكمِّل بعضُها بعضًا؛ لذلك كان الاختلافُ فيها اختلافَ تنوُّعٍ لا اختلافَ تضادٍّ؛ وضِمنَ هذا المعنى مِنَ التوافق والتقارب قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ في [«منهاج السُّنَّة» (٥/ ١٣٤)]: «وقد فُسِّر حبلُه بكتابه، وبدِينه، وبالإسلام، وبالإخلاص، وبأمره، وبعهده، وبطاعته، وبالجماعة؛ وهذه كُلُّها منقولةٌ عن الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين؛ وكُلُّها صحيحة؛ فإنَّ القرآنَ يأمر بدِين الإسلام، وذلك هو عهدُه وأمرُه وطاعتُه، والاعتصامُ به جميعًا إنما يكون في الجماعة، ودِينُ الإسلامِ حقيقتُه الإخلاصُ لله» [وانظر ـ أيضًا ـ: «التمهيد» لابن عبد البرِّ (٢١/ ٢٧٢)، «تفسير ابنِ عطيَّة» (١/ ٤٨٣)، «تفسير القرطبي» (٤/ ١٥٩)].

فمِنْ ذلك ما ثَبَت عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في خُطبته يومَ عَرَفةَ في حجَّةِ الوداع مِنْ قوله: «وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابُ اللهِ» [رواه مسلمٌ في «الحجِّ» (٨/ ١٨٤) بابُ حجَّةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، مِنْ حديثِ جابرٍ رضي الله عنه].

وهذا الحديث والذي سَبَق وإِنْ لم يُذكَر فيهما السُّنَّةُ إلَّا أنه يَلْزَم مِنَ العمل بالكتابِ العملُ بالسُّنَّة، غايةُ ما في السياقِ بيانُ أنَّ القرآنَ هو الأصلُ الأصيل، وهو مُشتمِلٌ على العمل بالسُّنَّة في قوله تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْ[الحشر: ٧]، وقولِه تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ[المائدة: ٩٢؛ التغابن: ١٢]، وقولِه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡ‌ۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا ٣٦[الأحزاب]، وقولِه تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَ[النساء: ٨٠]، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» [أخرجه أحمد في «مُسنَده» (٤/ ١٣٠ ـ ١٣١)، وأبو داود في «السُّنَّة» (٥/ ١٠) بابٌ في لزومِ السُّنَّة، مِنْ حديثِ المقدام بنِ مَعْدِي كَرِبَ الكنديِّ رضي الله عنه. والحديثُ صحَّحه الألبانيُّ في «صحيحِ سُنَنِ أبي داود» (٣/ ١١٧) برقم: (٤٦٠٤)].

بل ثبت من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» [أخرجه الحاكم في «مستدركه» (١/ ٩٣)، والبيهقيُّ في «سُنَنه الكبرى» (١٠/ ١١٤). وحسَّنه الألبانيُّ في تحقيق «المشكاة» (١/ ٦٦)، وصحَّحه في «صحيح الجامع» (٢٩٣٧، ٣٢٣٢)].

ولهذا قال ابنُ باديس ـ رحمه الله ـ في [«العقائد الإسلاميَّة» (١١٨)]: «ومِنَ الإيمان بكتاب الله أَنْ نُؤمِنَ بأنَّ كُلَّ ما ثَبَت عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم فهو حقٌّ مِنْ عند الله، وبيانٌ لكتاب الله، وأنَّ الأخذ به أخذٌ بالقرآن، وأنَّ الترك له تركٌ للقرآن».

وقد بيَّنْتُ في شرحي «للعقائد الإسلاميَّة» لابن باديس ـ رحمه الله ـ أنَّ السُّنَّةَ لا تَقِلُّ منزلةً عن القرآن في إثبات الأحكام، فما جاء عنه صلَّى الله عليه وسلَّم في سُنَّتِه فهو تبليغٌ للقرآن، فهي حقٌّ وصدقٌ، وكُلُّ حكمٍ في السُّنَّة يُعَدُّ حكمًا مِنْ عند الله، وأحكامُ الله تعالى متساويةٌ في العلم والاعتقادِ والقولِ والعمل، لا تقبل التفاوتَ بينها مِنْ هذه الجهةِ ولا التمييزَ.

وبيَّنْتُ ـ أيضًا ـ أنَّ السلفَ مُتَّفِقون على أنَّ سُنَّةَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم يجب اتِّباعُها مُطلَقًا مِنْ غير تفريقٍ بين السُّنَّة المُوافِقة للكتاب أو المُبيِّنة له، وبين السُّنَّة الزائدة على ما في القرآن أي: تلك الثابتة بتشريعٍ ابتدائيٍّ مِنَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فكُلُّ ذلك وحيٌ مِنْ عند الله تعالى، تجب طاعةُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فيه، ولا تَحِلُّ معصِيَتُه.

وعليه فعلاقةُ السُّنَّةِ بالقرآن علاقةٌ تكامليَّةٌ في التشريع والبيان ينتفي بينهما الاختلافُ والتعارضُ الحقيقيُّ؛ لذلك عُلِم أنَّ أدلَّةَ الشرعِ مُتَّفِقةٌ لا تختلف ومُتلازِمةٌ لا تفترق لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ يُكَذِّبُ بَعْضُهُ بَعْضًا، بَلْ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ فَمَا عَرَفْتُمْ مِنْهُ فَاعْمَلُوا بِهِ، وَمَا جَهِلْتُمْ مِنْهُ فَرُدُّوهُ إِلَى عَالِمِهِ» [أخرجه أحمد في «مُسنَده» (٢/ ١٨١) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنهما، قال محقِّقو طبعةِ الرسالة (١١/ ٣٠٥): «صحيحٌ، وهذا إسنادٌ حسنٌ»]، قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ في [«مجموع الفتاوى» (٧/ ٤٠)]: «وكذلك إذا قلنا: الكتابُ والسُّنَّة والإجماعُ فمدلولُ الثلاثةِ واحدٌ؛ فإنَّ كُلَّ ما في الكتاب فالرسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم مُوافِقٌ له، والأمَّةُ مُجمِعةٌ عليه مِنْ حيث الجملةُ، فليس في المؤمنين إلَّا مَنْ يُوجِبُ اتِّباعَ الكتاب؛ وكذلك كُلُّ ما سَنَّه الرسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم فالقرآنُ يأمر باتِّباعِه فيه، والمؤمنون مُجمِعون على ذلك؛ وكذلك كُلُّ ما أَجمعَ عليه المسلمون فإنه لا يكون إلَّا حقًّا مُوافِقًا لِمَا في الكتاب والسُّنَّة؛ لكِنِ المسلمون يتلقَّوْن دِينَهم كُلَّه عن الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، وأمَّا الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم فينزل عليه وحيُ القرآن ووحيٌ آخَرُ هو الحكمة كما قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»» [وانظر: مؤلفي: «تنوير التأسيس» شرح «العقائد الإسلامية» لابن باديس (١١٩، ١٢٤، ١٣١، ١٣٢)].

(٨) هو أبو الفداء عِمادُ الدِّينِ إسماعيلُ بنُ عمر بنِ كثيرٍ القُرَشيُّ الدمشقيُّ، الإمامُ الحافظ، أخَذَ عن ابنِ عساكر والمِزِّيِّ وابنِ تيميَّة، وبَرَعَ في علمِ التفسير والفقه والحديث والنحو والتاريخ، وصنَّف في هذه العلومِ تصنيفًا مُفيدًا انتفع به الناسُ؛ ومِنْ مُصنَّفاته: «تفسيرُ القرآن العظيم»، و«البدايةُ والنهاية»، و«مختصرُ معرفةِ علوم الحديث»، و«تحفةُ الطالبِ في تخريجِ أحاديثِ مختصر ابنِ الحاجب»، و«طبقاتُ الشافعيَّة»؛ تُوُفِّيَ سَنَةَ: (٧٧٤ﻫ).

انظر ترجمته في: «الدُّرَر الكامنة» لابن حجر (١/ ٣٧٣)، «البدر الطالع» للشوكاني (١/ ١٥٣)، «شذرات الذهب» لابن العماد (٦/ ٢٣١)، «الأعلام» للزركلي (١/ ٣١٧)، «معجم المؤلِّفين» لكحالة (١/ ٣٧٣)، «الرسالة المُسْتَطْرَفة» للكتَّاني (١٧٥).

(٩) «فضائل القرآن» لابن كثير (١٥)، وفي مقدِّمة «تفسير ابنِ كثير» (١/ ٢١) دار طيبة، الطبعة الثانية، (١٤٢٠ﻫ ـ ١٩٩٩م).

(١٠) تنبيهٌ مُهِمٌّ: قولُ ابنِ باديس ـ رحمه الله ـ في بداية التعليق على الحديث: «صَدَق رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم» ذلك عَقِبَ الحديث المنسوب إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم الذي لم تَثْبُتْ صِحَّتُه؛ والمعلوم أنَّ مِنَ القواعد الأساسيَّة عند المحقِّقين مِنْ أهل الحديث عدمُ جوازِ ذِكر الحديثِ الضعيف إِنْ عَلِمه إلَّا مع بيانِ ضعفِه؛ قال أبو شامةَ ـ رحمه الله ـ في [«الباعث على إنكار البِدَع والحوادث» (٥٤)]: «وهذا عند المحقِّقين مِنْ أهل الحديث وعند علماء الأصول والفقه خطأٌ، بل ينبغي أَنْ يُبيِّن أمرَه إِنْ عَلِم وإلَّا دَخَل تحت الوعيد في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الكَاذِبِينَ» [أخرجه مسلمٌ في «مقدِّمة صحيحه» (١/ ٦٢)، مِنْ حديثِ سَمُرَةَ بنِ جندبٍ والمغيرةِ بنِ شُعبةَ رضي الله عنهما]».

وخاصَّةً إِنْ كان الحديثُ ضعفُه شديدًا كما هو حالُ الحديث المُصدَّرِ به محلِّ التعليق، هذا مِنْ جهةٍ، وأنَّ حديث سَمُرَةَ بنِ جندبٍ والمغيرةِ بنِ شُعبةَ رضي الله عنهما ـ من جهة أخرى ـ لم يفرِّق ـ في وعيده ـ بين الأحاديث الضعيفة في العقائد أو في الأحكام أو في فضائلِ الأعمال والترغيب والترهيب.

أمَّا في حالة ما إذا كان لا يعلم ضعفَ الحديثِ فإنَّ الأصل المقرَّرَ عند المحدِّثين أنه لا يُستدلُّ به قبل البحث عنه والتحقُّق مِنْ درجتِه صحَّةً أو ضعفًا؛ وقد نبَّه النوويُّ ـ رحمه الله ـ على هذه القاعدةِ في مقدِّمة «شرحه لمسلم» (١/ ١٢٦) حيث قال: «وإِنْ كان لا يعرف ضعفَه لم يَحِلَّ له أَنْ يهجم على الاحتجاج به مِنْ غير بحثٍ عليه بالتفتيش عنه إِنْ كان عارفًا أو بسؤال أهلِ العلم به إِنْ لم يكن عارفًا» [انظر: «قواعد التحديث» للقاسمي (٧١)، «تمام المِنَّة» للألباني (٣٢ ـ ٣٤)].

تنبيه آخر مهم: ولعلَّ الشيخ ابن باديس ـ رحمه الله ـ عندما نقل الحديث عن الحافظ ابن كثير في أوائل كتابه «فضائل القرآن» وكذا في «مقدمة تفسير ابن كثير» غلب على ظنه جواز الاستدلال بالحديث في هذا المقام لاعتقاده صحَّته أو أنَّ ضعفه ليس شديدًا لوجود شاهد اعتبار ـ عنده ـ من حديث آخر يقوي معناه.

ويدلُّ على منهجه في العمل بالحديث الذي لا يخرج ـ في الأصل ـ عمَّا قرَّره أهل الحديث ما صرَّح به ـ رحمه الله ـ في [تفسيره «مجالس التذكير» (١٤٣)] قائلًا:

«لا نعتمد في إثبات العقائد والأحكام على ما يُنسب للنبي صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم من الحديث الضعيف؛ لأنه ليس لنا به علمٌ، فإذا كان الحكم ثابتًا بالحديث الصحيح مثل قيام الليل، ثمَّ وجدنا حديثًا في فضل قيام اللَّيل يذكر الثواب عليه ممَّا يرغِّب فيه؛ جاز عند الأكثر أن نذكره مع التنبيه على ضعفه الذي لم يكن شديدًا على وجه الترغيب، ولو لم يكن الحكم قد ثبت لما جاز الالتفات إليه, وهذا هو معنى قولهم: «الحديث الضعيف يُعمل به في فضائل الأعمال» أي: في ذكر فضائلها المرغِّبة فيها في أصل ثبوتها؛ فما لم يثبت بالدليل الصحيح في نفسه لا يثبت بما جاء من الحديث الضعيف في ذكر فضائله، باتفاق من أهل العلم أجمعين».