Skip to Content
الإثنين 15 رمضان 1440 هـ الموافق لـ 20 مايو 2019 م

الكلمة الشهرية رقم: ٢٣

الصراط
في توضيح حالات الاختلاط

اعتراض فيه تقَوُّل

ليس في فتوى حكمِ الاختلاط أدنى تقريرٍ على إباحة الاختلاط مُطلقًا كما وَرَدَ في عنوانِ بعض المعترضين على الفتوى، وإنما هو تعسُّفٌ في التقوُّل، وضعفٌ في الفهم، وتقاعسٌ عن الاستفسار عن مواضع الشُّبهة تحلِّيًا بمنهج السلف في تحقيق عموم النصيحة الواجبةِ قبل ركوب نزوات النفس ومحبَّةِ التصدُّر بالردِّ، ولا شكَّ أنَّ هذا الأمرَ يعكس بوضوحٍ عن نوعيةٍ أخلاقيةٍ متدنِّيةٍ عن المستوى المطلوب، تضرب الأُمَّةَ بضرب رجالها الدُّعاةِ إلى الله بسهم الاستئصال والتفرقة، مِنْ حيث تشعر أو لا تشعر، لتحصيلِ شماتةِ الأعداء، تحت غطاءِ «درء البلاء» و«التمادي»؛ لذلك يتطلَّب الموقف الشرعيُّ منِّي الاكتفاءَ بفتحِ ما أُغْلِقَ بإضافةِ توضيحٍ على الجوانب المُقْفَلة مِنَ الفتوى، وتعزيزِها ببعض فتاوى أهلِ العلم المُعاصِرين؛ استغناءً بها عن بذلِ المجهود فيما لا يَسَعُ تناوُلُه بالردِّ؛ لخروجه عن الإنصاف، وبُعْدِه عن القول السديد، فضلًا عن مُبالَغتِه في إطراء المُعيلِ وتحقيرِ المتحامَل عليهم بالتهجين والتنقُّص، قال أبو الطيِّب:

وَمِنَ البَلِيَّةِ عَذْلُ مَنْ لَا يَرْعَوِي    عَنْ غَيِّهِ وَخِطَابُ مَنْ لَا يَفْهَمُ

وقد رأيتُ مِنْ واجبي ـ تتميمًا للفائدة ـ أَنْ أُبْرِزَ الفرقَ بين الأصل المحرِّم والاستثناء، وأَشْفَعَه بجملةٍ مِنْ أقوال أهل العلم النيِّرة وتطبيقاتهم النوعية، وجاء موسومًا ﺑ «في نفي التعارض بين الأصل المحرِّم سدًّا للذريعة والاستثناءِ المُبيحِ للمصلحة الراجحة».

ثمَّ أختم هذه الرسالةَ بما قامَتْ به إدارةُ الموقع مشكورةً مِنْ تفنيد أباطيلِسعيد بنِ دعَّاسٍ وإخوانِه فيما تَناقَلوه في رسالتهم المذكورةِ أعلاه.

سائلًا اللهَ عزَّ وجلَّ أَنْ يُرِيَنا الحقَّ حقًّا ويرزقَنا اتِّباعَه، ويُرِيَنا الباطلَ باطلًا ويرزقَنا اجتنابَه.

حالات اختلاط النساء بالرجال

السـؤال:

ممَّا لا يخفى أنَّ ممَّا ابتُلِيَتْ به الأُمَّةُ الإسلامية في الوقت الراهن: اختلاطَ النساء بالرجال في جُلِّ الأماكن العمومية، وبخاصَّةٍ في أماكنِ العمل والدِّراسة. فهل يَتْرُك الرجلُ العملَ والدراسةَ بسبب الاختلاط؟ وهل يلحقه إثمٌ في ذلك؟ وهل ثَمَّةَ مستثنَياتٌ تدعو فيها الحاجةُ إلى الاختلاط؟ وبارك اللهُ فيكم.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فحالاتُ اختلاط النِّساء بالرجال ثلاثٌ:

الحالة الأولى: الاختلاط بين المحارم؛ وهو مأذونٌ به شرعًا، ولا خلافَ في حِلِّيَّته، وكذلك الاختلاط بالمعقود عليهنَّ عَقْدَ زواجٍ؛ فإنَّ هذه الحالةَ مُجْمَعٌ عليها للنصوص الواردة في تحريم نكاح المحارم، وفي الرجال الذين يجوز للمرأة إبداءُ زينتها أمامهم، منها:

قـولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمۡ أُمَّهَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُمۡ وَعَمَّٰتُكُمۡ وَخَٰلَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُ ٱلۡأَخِ وَبَنَاتُ ٱلۡأُخۡتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِيٓ أَرۡضَعۡنَكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمۡ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمۡ تَكُونُواْ دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ وَحَلَٰٓئِلُ أَبۡنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنۡ أَصۡلَٰبِكُمۡ وَأَن تَجۡمَعُواْ بَيۡنَ ٱلۡأُخۡتَيۡنِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٣ [النساء].

وقولُه تعالى: ﴿وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣١ [النور].

الحالة الثانية: الاختلاط الآثم الذي يكون غرضُه الزِّنا والفسادَ؛ فحُرْمتُه ظاهرةٌ بالنصِّ والإجماع، ومِنَ النصوص المحرِّمة: قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا ٣٢ [الإسراء]، وقولُه تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا ٦٨ [الفرقان].

الحالة الثالثة: اختلاط النساء بالأجانب في أماكن الدِّراسة والعمل، والاختلاط في الطُّرُقات والمستشفيات والحافلات، وغير ذلك مِنَ المجالات، على وجهٍ يؤدِّي ـ بطريقٍ أو بآخَرَ ـ إلى افتتان الرجال بالنساء والنساءِ بالرجال؛ فإنَّ حُكم الاختلاط فيه المنعُ وعدمُ الجواز؛ لاعتبارِ مآلِ تعلُّقِ كُلِّ فردٍ مِنَ الجنسين بالآخَرِ تعلُّقًا يُفْضي إلى ما تؤدِّي إليه الحالةُ الثانية مِنَ الفساد والفحشاء والمُنْكَر، و«الوَسَائِلُ لَهَا حُكْمُ المَقَاصِدِ»، و«وَسِيلَةُ المَقْصُودِ مَقْصُودَةٌ»(١).

غيرَ أنَّ الإشكالية التي تفرض نَفْسَها في مسألةِ هذا النوعِ مِنَ الاختلاطالذي عمَّتْ به البلوى ـ وخاصَّةً في الدِّيار الجزائرية ـ إنما تفرضها على وجه الطرح التالي:

Ÿهل الاختلاط يلحق إثمُه مطلقًا لكِلَا الجنسين، سواءٌ وُجِدَتِ الحاجةُ والضرورةُ لكِلَا الجنسين، أو انتفَتْ عنهما، أو وُجِدَتْ لأحَدِهما دون الآخَر؟

Ÿهل إثمُ الاختلاط يتقرَّر حكمُه سواءٌ أُمِنَتِ الفتنةُ أم احتُمِلَتْ؟ وهل يتعلَّق الإثمُ بخصوص خروج المرأة واختلاطِها بالرجال لمخالفتها للأمر بالقرار في البيت كأصلٍ لها، ولا يلحقها إذا ما خَرَجَتِ استثناءً مِنَ الأصل للحاجة أوالضرورة، مع الْتزامِ الضوابط الشرعية للخروج مِنَ البيت؟

Ÿوهل يتبع الإثمُ الرجلَ المباشِرَ لأصله مُطلقًا؛ أم لا يلحقه سوى مِنْ جانبِ عدمِ احترازه منه وعدمِ اتِّخاذِه للوسائل الوقائية مِنَ الوقوع في الفتنة والفسادِ مِنْ غضِّ البصر، وتقوى الله في حدود الاستطاعة في التعامل معهنَّ، ووِجاءِ الصوم ونحوِ ذلك؛ احتياطًا للدِّين وإبعادًا للقلب عن الميل إليهنَّ؟

هذه الإشكالات المطروحة هي محلُّ نظرٍ وتفصيلٍ.

في تأصيل سبب الاختلاط

وجديرٌ بالتنبيه أنَّ سبب فتنة النساء هو خروجُ المرأة عن أصلها ـ وهو قرارُها في البيت ولزومُها له ـ مِنْ غيرِ حاجةٍ، على وجه الاختلاط بالرجال والتبرُّج؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰۖ [الأحزاب: ٣٣].

فأَلْزَمَها الشرعُ البيتَ، ونَهَاها أَنْ تخرج منه إلَّا لضرورةٍ أو حاجةٍ شرعيةٍ، كـما ثَبَتَ ذِكْرُه مِنْ حديثِ سَـوْدةَ بنتِ زَمْعَة رضي الله عنها: «قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ»(٢)، أي: المرأة تخرج لحاجتها، خاصَّةً إذا لم يكن لها مَنْ يُنْفِقُ عليها، أو تخرج لقضاءِ حاجياتٍ أو واجباتٍ كصِلَةِ الأرحام، وغيرها مِنَ الأمور التي تقترن بها الحاجةُ مع أمنِ الفتنة، وجوازُ خروج المرأة مِنْ محلِّ بيتها استثناءٌ مِنْ أصل قرارها في البيت.

في حينِ يـخالف الرجلُ المرأةَ في هذا الأصل؛ إذ الخروجُ لأجل التكسُّب والاسترزاق حتمٌ لازمٌ عليه، وهو المأمور بالنفقة على البيت؛ لقوله تعالى: ﴿لِيُنفِقۡ ذُو سَعَةٖ مِّن سَعَتِهِۦۖ [الطلاق: ٧]، وقولِه عزَّ وجلَّ: ﴿وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ [البقرة: ٢٣٣]، فأَلْزَمَ اللهُ تعالى الرجلَ بالنفقة عليها والقيامِ على جميع شؤونها، قال تعالى: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ [النساء: ٣٤]؛ فالرجلُ قَيِّمٌ على المرأة، أي: رئيسُها وكبيرُها والحاكمُ عليها لأفضليته في نفسه، وله الفضلُ عليها والإفضالُ بالنفقات والمهور؛ فناسَبَ أَنْ يكون قَيِّمًا عليها(٣)، كما قال تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ [البقرة: ٢٢٨]، سواءٌ كان وليًّا أو زوجًا، حتَّى تمكث المرأةُ في البيت، ذلك المكان التي خُصَّتْ بمسئوليَّتها عليه في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ»(٤). وهذه النصوصُ كُلُّها تدعيمٌ وتأكيدٌ للأصل السابق، وهو قولُه تعالى: ﴿وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰۖ [الأحزاب: ٣٣]؛ ولذلك لا يجوز للرجل أَنْ يدخل على المرأة في أصلها المقرَّر بنصِّ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟» قَـالَ: «الحَمْوُ المَوْتُ»(٥). والمرأةُ وإِنْ كان يجوز لها الخروجُ مِنْ أصلها استثناءً، لكنَّه مشروطٌ بأمنِ الفتنة والقيـامِ بالضوابط الشرعية(٦): وذلك بالْتزامِ جِلبابها، وعدمِ تعطُّرها، ومشيِها على جوانب الطريق دون وسطه، مِنْ غير تمايـلٍ أو الْتفاتٍ أو حركاتٍ تشدُّ أنظارَ الرجال أو تُثيرُ انتباهَهم وشهوتهم؛ اتِّقاءً لحبائل الشيطان وتجنُّبًا لشِباكِه؛ ذلك لأنَّ الشيطان يأمر بالفحشاء والمُنْكَر، والنفسُ أمَّارةٌ بالسوء، والهوى يُعْمي ويُصِمُّ.

هذا، وللفتنة الحاصلة بخروج المرأة عن أصلها مِنْ غيرِ ما حاجةٍ أو ضرورةٍ دافعةٍ إلى الخروج؛ فإنَّ المرأة آثمةٌ ـ بلا شكٍّ ـ لأنَّها سببُ الفتنة، وليس الرجلُ هو الآثمَ بالضرورة إذا احترز مِنَ الاختلاط ما أمكن وأنكره ما استطاع؛ احتياطًا للدِّين وسلامةً للعِرض، وذلك باتِّخاذه للأسباب الوقائية التي تحول دون الميل إليهنَّ والوقوعِ في شِباكهنَّ(٧).

وإِنْ خرجَتِ المرأةُ للحاجة فلا يلحقها إثمٌ لحديثِ سَوْدَةَ بنتِ زَمعة رضي الله عنها المتقدِّم، بشرطِ قطعِ أسباب الفتنة بالْتزامها بالضوابط الشرعية(٨)، علمًا بأنَّ هذا الاختلاط ليس محرَّمًا لذاته؛ ولذلك انتظم ضِمْنَ القواعد الفقهية قـاعدةُ: «مَا حُرِّمَ لِذَاتِهِ يُبَاحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، وَمَا حُرِّمَ لِغَيْرِهِ يُبَـاحُ عِنْدَ الحَاجَةِ»، وقاعدةُ: «مَا حُرِّمَ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ أُبِيحَ لِلْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ»، ومِنْ أمثلةِ هذه القاعدةِ قولُه تعالى: ﴿قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٣٠ وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ [النور: ٣٠ ـ ٣١].

وممَّا يُستدَلُّ به مِنَ السُّنَّة: سفرُ أُمِّ كلثومٍ بنتِ عُقْبةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ رضي الله عنها؛ كانَتْ ممَّنْ خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يَوْمَئِذٍ ـ وَهِيَ عَاتِقٌ ـ فَجَاءَ أَهْلُهَا يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَنْ يُرْجِعَهَا إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يُرْجِعْهَا إِلَيْهِمْ لِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِيهِنَّ: ﴿إِذَا جَآءَكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰتٖ فَٱمۡتَحِنُوهُنَّۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّۖ فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتٖ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِۖ لَا هُنَّ حِلّٞ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ يَحِلُّونَ لَهُنَّۖ [الممتحنة: ١٠](٩)، وكذلك سفرُ عائشة رضي الله عنها لمَّا تخلَّفَتْ مع صفوانَ ابنِ المُعَطَّل رضي الله عنه(١٠).

فإِنِ انتفَتِ الحاجةُ فإنَّه يُمْنَعُ خروجُها حَسْمًا للفساد وقَطْعًا لمادَّته، وقد جاءَتْ نصوصُ السُّنَّة في تقريرِ هذا الأصلِ واضحةً منها: كراهيةُ خروجِ المرأة في اتِّباع الجنائز، ففي حديثِ أمِّ عطيَّة رضي الله عنها قـالَتْ: «كُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا»(١١).

ومِنْ أسباب الوقاية مِنَ الاختلاط: النهيُ عنه في الصلاة عند إقامة الصفوف، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا»(١٢)، فرغَّب النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في ابتعاد المرأة عن الرجل، وجَعَل آخِرَ الصفوف للنساء هو الخيرَ، وهو يدلُّ على أنَّ الإسلام يحبِّذ ابتعادَ النساء عن الرجال، وأيضًا كان يُقالُ للنساء: «لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى يَسْتَوِيَ الرِّجَالُ جُلُوسًا»(١٣).

وقد أخبر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن خطرِ الاختلاط الآثم وما يؤدِّي إليه مِنِ انتشار الرذائل والفواحش بسببِ فتنة المرأة، ونَسَبَ الضررَ إلى خروجها في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ»(١٤)، وفي الحديث: «فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ»(١٥)، وفي الحديث أيضًا:«إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ»، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَرَأَيْتَالحَمْوَ؟» قَالَ:«الحَمْوُ المَوْتُ»(١٦). ويمكن الاستئناسُ بقولِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما مفسِّرًا لقوله تعالى: ﴿يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ ١٩ [غافر]: «الرَّجُلُ يَكُونُ فِي القَوْمِ فَتَمُرُّ بِهِمُ المرْأَةُ، فَيُرِيهِمْ أَنَّهُ يَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْهَا، فَإِنْ رَأَى مِنْهُمْ غَفْلَةً نَظَرَ إِلَيْهَا، فَإِنْ خَافَ أَنْ يَفْطَنُوا بِهِ غَضَّ بَصَرَهُ عَنْهَا، وَقَدِ اطَّلَعَ اللهُ مِنْ قَلْبِهِ أَنَّهُ وَدَّ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى عَـوْرَتِهَا»(١٧)، وإذا كان اللهُ تعالى وَصَفَ اختلاسَ النظر إلى ما لا يَحِلُّ مِنَ النساء بأنَّها خائنةٌ ـ ولو كانَتْ في بيوت محارمها ـ فكيف بالاختلاط الآثم المؤدِّي إلى الهلكة؟

ولا يخفى أنَّ التدنِّيَ في الأخلاق والانحرافَ بها عن الجادَّة إلى مزالق الهوى والرَّدَى ممَّا يُضْعِفُ شوكةَ الأمَّة ويُذْهِبُ قوَّتَها، قال الشاعر:

وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلَاقُ مَا بَقِيَــتْ     فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلَاقُهُمْ ذَهَبُوا

هذا، والرَّجل إذا ارتاد أماكنَ العملِ للاسترزاق فلا يُطْلَبُ منه الرجوعُ إلى البيت ولو لم تَخْلُ أماكنُ العمل مِنْ فتنة النساء، وإنَّما الرجلُ مُطالَبٌ بقَطْعِ أسباب الفتنة: مِنْ غضِّ البصر، وتحاشي الحديثِ معهنَّ وغيرها، وأَنْ يتَّقيَ اللهَ في تجنُّب النساء قَدْرَ المستطاع(١٨). وإنَّما يُطْلَبُ ذلك مِنَ المرأة التي خالفَتْ أصلَها؛ فهي آثمةٌ مِنْ جهةِ مخالَفتها للنصوص الآمرة بالمكوث في البيت، ومِنْ جهةِ تبرُّجها وعُرْيِها، تلك هي الفتنةُ المُضِرَّةُ بالرجال والأُمَم والدِّين، وله انتيابُ أماكنِ العمل إذا احترز واحتاط لدِينهما أمكن؛ لأنَّ النفقة تَلْزَمه على أهله وعياله، وتبقى ذِمَّتُهمشغولةً بها وتكسُّبُه واجبًا، بخلاف المرأة فهي مكفيَّةُ المؤونة(١٩).

هذا، والجدير بالتنبيـه أنَّ المرأة إذا خرجَتْ لحاجةٍ شرعيةٍ كطلب العلمالشرعيِّ الذي يتعذَّر عليها تحصيلُه إلَّا بالخروج إلى مَظانِّه لتَقِيَ نَفْسَها مِنَ النار؛عملًا بقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا [التحريم: ٦]؛ فإنه لا يلحقها إثمٌ ولا يتبعها لومٌ للمصلحة الراجحة على نحوِ ما تَقدَّمَ بيانُه؛ إذ الوقايةُ مِنَ النَّار إنما تكون بالإيمان والعمل الصالح، ولا يمكن ذلك إلَّا بالعلم الشرعيِّ الصحيح، و«مَا لَا يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ»، وإذا جاز للمرأة الخروجُ للتكسُّب عند فقدان المُعيل والمُنْفِق لإصلاح بدنها وبدنِ عيالها؛ فإنَّ خروجها لقِوامِدِينها أَوْلَى، ومع ذلك يُشترَطُ لها في الخروج أَنْ يكون بالضوابط الشرعية المؤمِّنة مِنَ الفتنة.

فالحاصل: أنَّ الواجب على الرجل أَنْ يبذل جُهْدَه في البحث عن محلِّ عملٍ تنتفي فيه فتنةُ النِّساء أو تَقِلُّ؛ عملًا بقاعدةِ: «دَرْءُ المَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ المَصَالِحِ»، فإِنْ لم يجد ـ وهو الغالبُ الأعمُّ ـ فله أَنْ ينتـاب أماكنَ العملِ ويشتغلَ بالوظيفة للتكسُّب والاسترزاق؛ لوجوبِ قِوامِ بدنِه ولزومِ النفقة عليه وعلى عِياله، مع قيام نيَّةِ الرجل في الانتقال إلى مجالِ عملٍ بعيدٍ عن فتنة الاختلاط متى وَجَدَ لذلك سبيلًا، واختلاطُ المرأة به في محلِّ عملِه لا يكون سببًا في تركِه للعمل، ولا يَلْزَمُ ترتُّبُ الإثم عليه إذا ما احتاط لنفسه، وكَرِهَ الحالَ الذي هو عليه، وأنكره ولو بأدنى درجات الإنكار؛ حتَّى لا يكون راضيًا بالمعصية الحاصلة بالاختلاط؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِذَا عُمِلَتِ الخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا ـ وقال مرَّةً: أَنْكَرَهَا ـ كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا»(٢٠)، ونظيرُه الاختلاطُ الذي تدعو الضرورةُ إليه وتشتدُّ الحاجةُ إليه، وتخرج فيه المرأةُ بالضوابط الشرعية كما هو حاصلٌ في أماكنِ العبادة ومواضعِ الصلاة ونحوِها ـ مِثْل ما هو واقعٌ ومشاهَدٌ في مناسك الحجِّ والعمرة(٢١) في الحرمين ـ فلا يدخل في النهي؛ لأنَّ الضرورة والحاجة مستثناةٌ مِنَ الأصل مِنْ جهةٍ، ولأنَّ مفسدة الفتنة مغمورةٌ في جَنْبِ مصلحة العبادة مِنْ جهةٍ ثانيةٍ؛ إذ «جِنْسُ فِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ أَعْظَمُ مِنْ جِنْسِ تَرْكِ المَنْهِيِّ عَنْهُ» كما هو مقرَّرٌ في القواعد العامَّة. أمَّا مَنْ خالفَتْ أصلَها في القرار في البيت أصالةً، وخرجَتْ إلى أبواب الفتنة مِنْ غيرِ مُسوِّغٍ أو بدون ضوابطَ شرعيةٍ: مِنْ تبرُّجٍ وعُرْيٍ وهتيكةٍ؛ فهي أحظى بالإثم.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٨ شعبان ١٤٢٨ﻫ
الموافق ﻟ: ١٠ سبتمبر ٢٠٠٧م

 


(١) انظر الحالاتِ الثلاثَ في:«فتاوى ورسائل الشيخ محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ» (١٠/ ٣٥ ـ ٤٤).

(٢) أخرجه البخاريُّ في «النكاح» بابُ خروجِ النساء لحوائجهنَّ (٥٢٣٧)، ومسلمٌ في «السلام» بابُ إباحةِ الخروج للنساء لقضاءِ حاجة الإنسان (٢١٧٠)، وأحمد (٢٤٢٩٠)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١٣٥٠٧)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» (١/ ٤٩١).

(٤) أخرجه البخاريُّ في «الأحكام» بابُ قولِ الله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ (٧١٣٨)، ومسلمٌ في «الإمارة» بـابُ فضيـلةِ الإمام العادل وعقـوبة الجائر (١٨٢٩)، وأبو داود في «الخراج والإمارة» بابُ ما يَلْزَمُ الإمامَ مِنْ حقِّ الرعيَّة (٢٩٢٨)، والترمذيُّ في «الجهاد» بابُ ما جاء في الإمام (١٧٠٥)، مِنْ حديثِ عبد الله ابنِ عمر رضي الله عنهما.

(٥) أخرجه البخاريُّ في «النكاح» باب: لا يخلونَّ رجلٌ بامرأةٍ إلَّا ذو مَحْرَمٍ (٥٢٣٢)، ومسلمٌ في «السلام» بابُ تحريمِ الخلوة بالأجنبية والدخولِ عليها (٢١٧٢)، والترمذيُّ في «الرضاع»بابُ ما جاء في كراهية الدخول على المُغِيبات (١١٧١)، وأحمد (١٧٣٤٧)، مِنْ حديثِ عقبة بنِ عامرٍ رضي الله عنه.

(٦) سُئِل الشيخ عبد الله بنُ عبد الرحمن بنِ جبرين ـ رحمه الله ـ عن كيفية طلبِ العلم للمرأة في الجامعات المختلِطة فأجاب:

«نُوصيكِ بالتمسُّك بالدِّين، والالتزامِ بالحجاب الشرعيِّ، والحِرصِ على التستُّر، والحرصِ على البعد عن الاختلاط والاحتكاك بالرجال، والتحفُّظ عن أسباب المعاصي والفجور، ونوصيكِ أَنْ تحرصي على طاعةِ الأُمِّ وبِرِّها والْتماسِ رِضاها بقَدْرِ الاستطاعة، بما في ذلك مُواصَلة الدراسة إذا أُمِنَتِ الفتنةُ، وإذا احتِيجَ إلى الانتظام في مَدارِسَ يكون فيها الاختلاطُ لَزِمَ كُلَّ فتاةٍ أَنْ تكون في جانبٍ بعيدٍ عن الشباب، مع القيام بالتستُّر، وعدمِ إبداء شيءٍ مِنَ الزينة بقدر المستطاع. واللهُ أعلمُ» [مِنَ الموقع الرسميِّ للشيخ عبد الله بنِ عبد الرحمن بن جبرين ـ رحمه الله ـ، رقم الفتوى: (١٢٦٣٦)].

(٧) سُئِل الشيخ عبد العزيز بنُ باز ـ رحمه الله ـ:

«هل يجوز للمسلم أَنْ يدخل سوقًا تجاريةً وهو يعلم أنَّ في السوق نساءً كاسياتٍ عارياتٍ، وأنَّ فيه اختلاطًا لا يرضاه الله عزَّ وجلَّ؟» فأجاب:

«مِثْلُ هذا السوقِ لا ينبغي دخولُه إلَّا لمَنْ يأمر بالمعروف وينهى عن المُنْكَر، أو لحاجةٍ شديدةٍ مع غضِّ البصر، والحذرِ مِنْ أسباب الفتنة، حرصًا على السلامة لعِرْضه ودِينِه، وابتعادًا عن وسائل الشرِّ» [الفتاوى ـ كتاب الدعوة للشيخ ابن باز (٢/ ٢٢٧، ٢٢٨). انظر: «مجموع فتاوى ابن باز» (٢٧/ ٥٢٩)].

وسُئِل الشيخ ابنُ عثيمين ـ رحمه الله ـ:

«في الجامعات ـ عندنا بمصر ـ اختلاطٌ شديدٌ بين الطلبةوالطالبات، فماذا نفعل ونحن في حاجةٍ لهذه الدراسةِ لخدمةالإسلام والمسلمين في بلدنا، وعدمِ تركِ هذه الأماكنِ لغير المسلمين ليتحكَّموا بعد ذلك في شئون المسلمين الهامَّة، مثل: الطبِّ والهندسة وغيرهما؟» فأجـاب:

«الاختلاط بين الرجال والنساء فتنةٌ كبيرةٌ؛ فتَحرَّزوا منه ما أمكن، وأَنْكِروه ما استطعتم، نسأل اللهَ لنا ولكم السلامةَ» [مِنْ رسالةٍ للشيخ بخطِّه بتاريخ: ٤/ ٤/ ١٤٠٦ﻫ، من «فتاوى الشيخ محمَّد صالح العثيمين» (٢/ ٨٩٦)].

وسُئِل الشيخ عبد الله بنُ عبد الرحمن بنِ جبرين ـ رحمه الله ـ عن كيفيـة التعامل مع النساء في العمل؟ فأجـاب:

«ننصحك أَنْ تَحْرِصَ على تركِ العمل الذي يحصل منه الاختلاطُ بالنساء سيما إذا كُنَّ متكشِّفاتٍ، وإذا كنتَ مضطرًّا إلى هذا العملِ فعليك أَنْ تُرْشِدَهنَّ إلى الاحتجاب والتستُّر، وألَّا تكلِّمَهُنَّ إلَّا بكلامٍ ضروريٍّ لا يكون فيه شيءٌ مِنَ الخضوع والتغنُّج، وألَّا تخلوَ بإحداهنَّ، بل عليك ألَّا تجلس معهنَّ إلَّا عند الضرورة، بحيث لا يكون المكانُ مُغْلَقًا، بل يكون فيه جمعٌ مِنْ رجالٍ ونساءٍ، وعليك إرشادُ النساء إلى أَنْ يكنَّ مُبتعِداتٍ عن مجتمع الرجال؛ حرصًا على الأمن والبعدِ عن الفتنة وأسبابها». [مِنَ الموقع الرسميِّ للشيخ عبد الله بنِ عبد الرحمن بنِ جبرين ـ رحمه الله ـ، رقم الفتوى: (١٢٦٢٧)].

(٨) سُئِل الشيخ صالح بنُ فوزان بنِ عبد الله الفوزان ـ حفظه الله ـ:

«ما حكمُ تحدُّث المرأة مع صاحِبِ مَحَلِّ الملابس أو الخيَّاط؟ مع الرَّجاء: توجيه كلمةٍ شاملةٍ إلى النساء».فأجـاب:

«تحدُّثُ المرأة مع صاحبِ المتجر التحدُّثَالذي بقدر الحاجة وليس فيه فتنةٌ لا بأسَ به، كانَتِ النساءُ تكلِّمُ الرِّجالَ في الحاجات والأمور التي لا فتنةَ فيها في حدود الحاجة.

أمَّا إِنْ كان مصحوبًا بضحكٍ أو بمباسَطةٍ أو بصوتٍ فاتنٍ فهذا محرَّمٌ لا يجوز، يقول اللهُ سبحانه وتعالى لأزواج نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم ورضي اللهُ عنهنَّ: ﴿فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ وَقُلۡنَ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٣٢ [الأحزاب]، والقولُ المعروفِ ما يعرفه الناسُ وبقدر الحاجة، أمَّا ما زاد عن ذلك بأَنْ كان على طريق الضحك والمباسَطةِ أو بصوتٍ فاتنٍ أو غير ذلك، أو أَنْ تكشف وجهَها أمامَه أو تكشف ذراعَيْها أو كفَّيْها؛ فهذه كُلُّها محرَّماتٌ ومُنْكَراتٌ، ومِنْ أسباب الفتنة، ومِنْ أسباب الوقوع في الفاحشة.

فيجب على المرأة المسلمة التي تخاف اللهَ عزَّ وجلَّ أَنْ تتَّقيَ اللهَ، وأَنْ لا تـكلِّم الرجالَ بكـلامٍ يُطمِعُهم فيها ويفتن قلوبَهم، وتجنَّب هذا الأمر، وإذا احتاجَتْ إلى الذهاب إلى متجرٍ أو إلى مكانٍ فيه الرجال؛ فَلْتحتشِمْ ولْتستَتِرْ وتتأدَّبْ بآدابِ الإسلام، وإذا كلَّمَتِ الرِّجالَ فلْتُكلِّمْهُم الكلامَ المعروف الذي لا فتنةَ فيه ولا ريبةَ فيه». [«المنتقى مِنْ فتاوى الشيخ صالح بنِ فوزان» (٣/ ١٥٦، ١٥٧)].

(٩) أخرجه البخاريُّ في «الشروط» بابُ ما يجوز مِنَ الشروط في الإسلام والأحكام والمبايَعة (٢٧١١، ٢٧١٢) مِنْ حديثِ مروان والمِسْوَر بنِ مَخْرَمَةَ رضي الله عنهما عن أصحاب النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.

(١٠) أخرجه البخاريُّ في «المغازي» بابُ حديثِ الإفك (٤١٤١)، ومسلمٌ في «التوبة»بابٌ في حديثِ الإفك وقَبولِ توبةِ القاذف (٢٧٧٠)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(١١) أخرجه البخاريُّ في «الجنائز» بابُ اتِّباعِ النساء الجنائزَ (١٢٧٨)، ومسلمٌ في «الجنائز» بابُ نهيِ النساء عن اتِّباع الجنائز (٩٣٨)، وأحمد (٢٠٧٩٨)، مِنْ حديثِ أمِّ عطيَّة رضي الله عنها.

(١٢) أخرجه مسلمٌ في «الصلاة» بابُ تسويةِ الصفوف وإقامتها، وفضلِ الأوَّلِ فالأوَّلِ منها (٤٤٠)،وأبو داود في «الصلاة» بابُ صفِّ النساء وكراهِيَةِ التأخُّر عن الصفِّ الأوَّل (٦٧٨)، والترمذيُّ في «الصلاة» بابُ ما جاء في فضلِ الصفِّ الأوَّل (٢٢٤)، والنسائيُّ في «الإمامة» بابُ ذِكْرِ خيرِ صفوف النساء وشرِّ صفوف الرجال (٨٢٠)، وابنُ ماجه في «إقامة الصلاة» بابُ صفوفِ النساء (١٠٠٠)، وأحمد (٨٤٨٦)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(١٣) أخرجه البخاريُّ في «الصلاة» باب: إذا كان الثوبُ ضيِّقًا (٣٦٢)، ومسلمٌ في «الصلاة» بابُأمرِ النساءِ المصلِّيَاتِ وراء الرجال أَنْ لا يرفعن رؤوسهنَّ مِنَ السجود حتَّى يرفع الرجالُ (٤٤١)، وأبو داود في «الصلاة» بابُ الرجلِ يعقد الثوبَ في قَفَاهُ ثمَّ يصلِّي (٦٣٠)، والنسائيُّ في «القبلة» باب الصلاة في الإزار (٧٦٦)، وأحمد (١٥٥٦٢)، مِنْ حديثِ سهل بنِ سعدٍ رضي الله عنهما.

(١٤) أخرجه البخاريُّ في «النكاح» بابُ ما يُتَّقى مِنْ شؤم المرأة (٥٠٩٦)، ومسلمٌ في «الرِّقاق» باب: أكثرُ أهلِ الجنَّة الفقراءُ، وأكثرُ أهلِ النارِ النساءُ (٢٧٤٠)، والترمذيُّ في «الأدب» بابُ ما جاء في تحذيرِ فتنة النساء (٢٧٨٠)، وابنُ ماجه في «الفتن» بابُ فتنة النساء (٣٩٩٨)، وأحمد (٢١٧٤٦)، مِنْ حديثِ أسامة بنِ زيدٍ رضي الله عنهما.

(١٥) أخرجه مسلمٌ في «الرِّقاق» باب: أكثرُ أهلِ الجنَّة الفقراءُ، وأكثرُ أهلِ النارِ النساءُ (٢٧٤٢)،والترمذيُّ في «الفِتَن» (٢١٩١)، وابنُ ماجه في «الفِتَن» بابُ فتنةِ النساء (٤٠٠٠)، وابنُ حبَّان (٣٢٢١)، وأحمد (١١١٤٣)، والبيهقيُّ (٦٥١١)، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه.

(١٦) سبق تخريجه، انظر: (الهامش ٥).

(١٧) أخرجه ابنُ أبي شيبة في «المصنَّف» (١٧٢٢٨)، وأخرجه سعيد بنُ منصورٍ وابنُ المنذر وابنُ أبي حاتمٍ كما قال الجلالُ السيوطيُّ في «الدُّرِّ المنثور» (٧/ ٢٨٢)، وذَكَره ابنُ كثيرٍ في «تفسيره» (٧/ ١٢٣).

(١٨) سُئِل الشيخ محمَّد بنُ صالح العثيمين ـ رحمه الله ـعن حكمِ الدراسة في المدارس المختلِطة، فأجاب:

«.. فعلى كُلِّ حالٍ نقول: أيُّها الأخ، يجب عليك أَنْ تتطلَّب مدرسةً ليس هذا وَضْعَها، فإِنْلم تَجِدْ مدرسةً إلَّابهذا الوضعِ وأنت محتاجٌ إلى الدراسة فإنـك تقرأ وتدرس وتحرص بقَدْرِ ما تستطيع على البعد عن الفاحشة والفتنة، بحيث تغضُّ بَصَرَك وتحفظ لسانَك، ولا تتكلَّم مع النساء، ولا تمرُّ إليهنَّ» [مِنْ موقع فضيلة الشيخ العلَّامة محمَّد بنِ صالح العثيمين، مكتبة الفتاوى ـ فتاوى نور على الدرب (نصِّية): العلم].

(١٩) سُئِل الشيخ عبد الله بنُ عبد الرحمن بنِ جبرين ـ رحمه الله ـ عن حكم الدراسة والتدريس بالمدارس المختلِطة؟ فأجاب:

«لا يجوز بالنسبة للنساء أَنْ يدرسنَ في المدرسة التي يحصل فيها الاختلاطُ بالرجال، سواءٌ كان ذلك في حقِّ الطالبات أو المُدرِّسات؛ لِمَا في ذلك مِنَ الفتنة.

وأمَّا الرجال والطُّلَّاب فلهم الدراسةُ مع الحرص على غضِّ البصر والبُعد عن الاحتكاك بالنساء المُتكشِّفات أو القُربِ منهنَّ. واللهُ أَعْلَمُ» [مِنَ الموقع الرسميِّ للشيخ عبد الله ابنِ عبد الرحمن بنِ جبرين ـ رحمه الله ـ، رقم الفتوى: (١١٦٦١)].

وفي جوابٍ آخَرَ قال ـ رحمه الله ـ:

«لا يجوز ذلك عند القدرة على تركِها، والواجبُ إبعادُ الطالبات عن الطُّلَّاب في جميع المراحل الدراسية؛ لِمَا في الاختلاط مِنَ الفتنة، فإذا لم يَجِدِ الطالبُ إلَّا هذه المدارسَ حَرَصَ على أَنْ يبتعد عن النظر والاختلاط الذي يحصل به الفتنةُ. واللهُ أَعْلَمُ» [مِنَ الموقع الرسميِّ للشيخ عبد الله بنِ عبد الرحمن بنِ جبرين ـ رحمه الله ـ، رقم الفتوى: (١١٧٥٤)].

(٢٠) أخرجه أبو داود في «الملاحم» باب الأمر والنهي (٤٣٤٥)، والطبرانيُّ في «المعجم الكبير» (١٧/ ١٣٩)، مِنْ حديث العُرْس بنِ عَميرة الكنديِّ رضي الله عنه. والحديث حسَّنه الألبـانيُّ في«صحيح الجامع» (٦٨٩) و«صحيح أبي داود» (٤٣٤٥).

(٢١) انظر: «فتاوى الشيخ محمَّد بنِ إبراهيم آل الشيخ» (١٠/ ٤٣).