Skip to Content
الثلاثاء 15 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 12 نوفمبر 2019 م



الكلمة الشهرية رقم: ٥١

ضوابط الأسماء المنهيِّ عنها

السؤال:

عندنا في عوائدِنا بعضُ الأسماءِ الَّتي تُطْلَق على المولودِين إذا تزامَنَتْ مع مُناسَبةٍ دينيَّةٍ أو فصليَّةٍ تفاؤلًا كالتَّسميةِ ﺑ: «عاشور» إذا صادَفَ اليومَ العاشر مِن المحرَّم، و«ربيع» إذا دَخَلَ فصلُ الرَّبيع، و«مولود» بمُناسَبةِ المولد، و«شعبان» و«رمضان» و«العيد».

فهل يجوز التَّسمِّي بهذه الأسماءِ إذا اقترنَتْ بهذه المُناسَبات؟ وهل هي أسماءٌ مشروعةٌ يجوز إطلاقُها على المولودين غيرَ مُقْتَرِنةٍ بالأزمنة السَّالفةِ الذِّكرِ؟ وهل مِن أصلٍ يُرْجَعُ إليه في ضَبْطِ الأسماءِ المَنْهِيِّ عنها؟ أفتونا مأجورين.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمعلومُ أنَّ الأسماءَ والألقابَ والكُنى تدخلُ في بابِ العاداتِ والمُعامَلاتِ، والأصلُ فيها الحِلُّ والجوازُ، ولا يُنْتَقل عن هذا الأصلِ إلَّا إذا قام الدليلُ على المنع والتحريم.

ومِن ضوابطِ الأسماءِ المُسْتَثْنَاةِ مِن الأصلِ التي تندرج تحت حكمِ التحريم أو الكراهة ما يلي:

•   ما كان فيه شركٌ كالتعبيدِ لغيرِ الله تعالى ﻛ «عَبْد العُزَّى» و«عَبْد الكعبة» و«عَبْد هُبَل» و«عَبْد الرسول» و«عَبْد الزهير».

•   وما كان خاصًّا بالله تعالى ولا يليقُ إلَّا به مثل: «الرحمن» و«القُدُّوس» و«المُهَيْمِن» و«الخالق»، ويُلْحَق بها «مَلِك الأملاك»(١) و«قاضي القُضاة».

•   وما كان مِن أسماءِ الشياطين ﻛ «إبليس» و«شيطان» و«الأعور» و«الولهان» و«خنزب».

•   وما كان مِن أسماءِ الفراعنةِ والجبابرة مثل: «فرعون» و«هامان» و«قارون».

•   وما كان خاصًّا بأسماءِ القرآن ﻛ «فرقان».

•   وما كان مِن الأسماءِ خاصًّا بالكُفَّار ﻛ «جورج» و«بولس» و«بطرس» و«يوغرطة» و«ماسينيسا».

•   وما كان مِن الأسماءِ فيه تزكيةٌ ﻛ «بَرَّةَ»(٢) و«إيمانٍ» و«إسلامٍ» و«أبرارٍ» و«تَقْوَى»، ومِن الألقاب: «مُحْيي الدِّين» و«عماد الدِّين» و«رُكن الدِّين»؛ لأنَّ فيه تزكيةً وكَذِبًا، ومِن ذلك ـ أيضًا ـ: الألقابُ الحادثةُ التي يُقْصَد بها آيةٌ خارقةٌ للعادة مثل: «حُجَّة الله» و«آية الله» و«برهان الدِّين» و«حُجَّة الإسلام»؛ لأنَّه لا حجَّةَ لله على عباده إلَّا الرُّسُلُ، ومِن هذا القبيلِ ـ أيضًا ـ التسمِّي ﺑ «سيِّد الناس» أو «سيِّد العرب» أو «سيِّد العلماء» أو «سيِّد القُضاة».

•   وما كان مِن الأسماءِ فيه ذَمٌّ وقُبْحٌ وذِكْرُ سيِّئٍ مثل: «حَزْنٍ» و«شِهابٍ» و«ظالمٍ» و«ناهدٍ» و«غادَةَ»، و«كاهنٍ» أو «كاهنةَ»، و«جهنَّمَ» و«سعيرٍ» و«سَقَرَ» و«حُطَمَةَ» و«عاصيةَ»(٣)، و«الأعور» و«الأبرص» و«الأجرب» و«الأعمش» ونحوِ ذلك.

•   وما كان مِن الأسماءِ التي يُحْتمَل فيها التشاؤمُ بنفيها مثل: «نَجيحٍ» و«بَرَكَةَ» و«أَفْلَحَ» و«يسارٍ» و«رَبَاحٍ»(٤).

•   ويُكْرَه التسمِّي بأسماءِ الملائكةِ مثل: «جبريل» و«ميكائيل» و«إسرافيل» لكونها أسماءً خاصَّةً بهم، ويرتقي الحكمُ إلى الحُرْمة إذا سُمِّيَتِ البناتُ بأسماءِ الملائكةِ مثل: «مَلاكٍ» و«مَلَكَةَ» لِما فيها مِن مُضاهاةِ المشركين في جَعْلِهم الملائكةَ بناتِ الله.

فإذا خَلَتِ الأسماءُ مِن جملةِ ضوابطِ الأسماء المُنْدَرِجة تحت حُكْمِ التحريم والكراهةِ السالفةِ البيانِ فلا أَعْلَمُ ما يُخْرِجُ التسميةَ بالشهور والمُناسَباتِ الدِّينيةِ أو الفَصْليةِ عن الأصلِ المُبيحِ إذا قُصِدَ بها تمييزُ شخصٍ عن غيرِه لحدوثِ التزامُنِ والتطابُقِ، اللَّهمَّ إلَّا إذا تَعلَّقَتْ بها عادةٌ مُنْكَرةٌ أو اعتقادٌ فاسدٌ؛ فيُمْنَع مِن أَجْله.

وقد كان مِن شأنِ العرب تسميةُ أولادها بأسماءِ الجمادِ والحيوانِ وبعضِ الشهور مثل: «جَبَلٍ» و«صفوانَ» و«صخرٍ» و«جعفرٍ» و«بدرٍ» و«قمرٍ» و«نجمٍ» و«ثُرَيَّا»، ومِن أسماءِ الحيوان مثل: «أَسَدٍ» و«ليثٍ» و«فهدٍ» و«ثعلبٍ»، ومِن الشهور مثل «الربيع»(٥) ومنه: «سعد بنُ الربيع»(٦) و«أبو العاصِ بنُ الربيع»(٧)، حيث كانوا يقصدون مِن وراءِ هذه الأسماءِ تمييزَ شخصٍ عن غيرِه أوَّلًا، والتطلُّعَ ـ ثانيًا ـ إلى تحقيقِ المُلازَمةِ الوصفيةِ الكامنةِ في الاسْمِ مُسْتَقْبَلًا في سلوكِ الولد وسيرته، تلك الوصفيةُ التي تدلُّ على مَعَانٍ جميلةٍ وجليلةٍ كالقوَّةِ والشجَاعةِ والعُلُوِّ والتدبيرِ والتفكيرِ والوفاءِ والصلابةِ والشهامةِ والأمانةِ، ونحوِ ذلك ممَّا يُحتاج إليه في مَواقِفِ العِزَّةِ والحروب.

وهذا المعنى مِن التلازُمِ الحقيقيِّ أو الوصفيِّ مُراعًى في كلام النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فقَدْ قِيلَ: إنَّه كنَّى عبدَ الرحمن بنَ صخرٍ الدوسيَّ بأبي هُرَيْرة رضي الله عنه، والمشهورُ عنه أنه كُنِّيَ بأولادِ هِرَّةٍ بَرِّيَّةٍ وَجَدَها فأخَذَها في كُمِّه فكُنِّيَ بها(٨)، ولَقَّبَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم خالدَ بنَ الوليدِ رضي الله عنه بأنَّه «سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللهِ»(٩) مِن إضافةِ المخلوقِ إلى الخالق لِمُلازَمتِه الجهادَ في سبيلِ الله، ونحو ذلك.

هذا، وإِنْ كان الأصلُ في هذه الأسماءِ الحِلَّ والإباحة إلَّا أنَّ المطلوبَ مِن الآباءِ تحسينُ أسماءِ أولادِهم؛ لأنهم يُدْعَوْن يومَ القيامةِ بأسمائهم وأسماءِ آبائهم كما صحَّ عنِ ابنِ عمرَ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «إِنَّ الغَادِرَ يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ»(١٠)، وقد بوَّب له البخاريُّ ـ رحمه الله ـ: «بابُ ما يُدْعَى الناسُ بآبائهم»، ولا شكَّ أنَّ: «أَحَبَّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللهِ تَعَالَى عَبْدُ اللهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ»(١١)، وكُلُّ ما أُضِيفَ إلى اللهِ سبحانه فهو أَوْلى وأَفْضَلُ.

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٩ صفر ١٤٣١ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٤ يناير ٢٠١٠م


(١) وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ كَانَ يُسَمَّى: مَلِكَ الأَمْلاكِ؛ لَا مَلِكَ إلَّا اللهُ» [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأدب» بابُ أَبْغَضِ الأسماءِ إلى الله(٦٢٠٥)، ومسلمٌ في «الآداب» (٢١٤٣)].

(٢) وفي الصحيحين: أَنَّهُ غَيَّرَ اسْمَ بَرَّةَ إِلَى اسْمِ زَيْنَبَ. وهي زينبُ بنتُ جحشٍ رضي الله عنها، [مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأدب» بابُ تحويل الاسْم إلى اسْمٍ أَحْسَنَ منه(٦١٩٢)، ومسلمٌ في «الآداب» (٢١٤١)، مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه].

(٣) وصحَّ مِن حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما: أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم غيَّر اسْمَ عاصيةَ وقال: «أَنْتِ جَمِيلَةُ» [أخرجه مسلمٌ في «الآداب» (٢١٣٩)].

(٤) وقد ثَبَتَ مِن حديث سَمُرَةَ بنِ جندبٍ رضي الله عنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: «لَا تُسَمِّ غُلَامَكَ رَبَاحًا وَلَا يَسَارًا وَلَا أَفْلَحَ وَلَا نَافِعًا» [أخرجه مسلمٌ في «الآداب» (٢١٣٦)].

(٥) مِن «أَرْبَعَتِ الأرضُ» إذا أَخْصَبَتْ؛ لأنَّه شهرُ العنب والخُضار والمطر، كانوا يُقِيمون فيه عِمارةَ رَبْعهم.

(٦) هو الصحابيُّ سعدُ بنُ الربيع الأنصاريُّ الخزرجيُّ البدريُّ النقيب رضي الله عنه الذي آخى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بينَه وبين عبد الرحمن بنِ عوفٍ رضي الله عنه، ومات يومَ أُحُدٍ شهيدًا.

انظر ترجمته في: «الاستيعاب» لابن عبد البرِّ (٤/ ١٤٥)، «سِيَر أعلام النبلاء» للذهبي (١/ ٣١٨)، «الإصابة» لابن حجر (٤/ ١٤٤).

(٧) هو أبو العاص بنُ الربيعِ القُرَشيُّ، صِهْرُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وزوجُ ابنته زينبَ رضي الله عنها، وهو والِدُ أُمامةَ رضي الله عنها التي كان يحملها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في صلاته، وهو ابنُ أختِ أمِّ المؤمنين خديجةَ بنتِ خويلدٍ رضي الله عنها، وأمُّه هالةُ بنتُ خُوَيْلِدٍ رضي الله عنها. تُوُفِّيَ سنة: (١٢ﻫ).

انظر ترجمته في: «سِيَر أعلام النبلاء» للذهبي (١/ ٣٣٠).

(٨) انظر: «سِيَر أعلام النبلاء» للذهبي (٢/ ٥٧٩)، و«تهذيب التهذيب» لابن حجر (١٢/ ٢٦٣).

وقد أخرج الترمذيُّ في «المناقب» (٥/ ٦٨٦) بابُ مَناقِب أبي هريرة رضي الله عنه رقم: (٣٨٤٠)، عن عبد الله بنِ رافعٍ قال: «قلتُ لأبي هريرة: «لِمَ كُنِّيتَ أبا هريرة؟» قال: «أمَا تَفْرَق منِّي؟» قلت: «بلى ـ واللهِ ـ إنِّي لَأهابك»، قال: «كنتُ أرعى غَنَمَ أهلي، فكانَتْ لي هريرةٌ صغيرةٌ، فكنتُ أضَعُها بالليل في شجرةٍ، فإذا كان النهارُ ذهَبْتُ بها معي فلَعِبْتُ بها؛ فكنَّوْني أبا هريرة»». والحديث حَسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الترمذي» (٣٨٤٠).

(٩) أخرجه البخاريُّ في «المناقب» بابُ مَناقِبِ خالد بنِ الوليد رضي الله عنه (٣٧٥٧) مِن حديث أنسٍ رضي الله عنه.

(١٠) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأدب» بابُ ما يُدْعَى الناسُ بآبائهم (٦١٧٧)، ومسلمٌ في «الجهاد والسِّيَر» (١٧٣٥)، مِن حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما.

(١١) أخرجه مسلمٌ في «الآداب» (٢١٣٢)، وأبو داود في «الأدب» بابٌ في تغيير الأسماء (٤٩٤٩)، مِن حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما.