Skip to Content
الأحد 23 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 22 سبتمبر 2019 م



الكلمة الشهرية رقم: ٥٠

أحكام القيام
بين استحكام العادة ومحاذير الوقوع في العبادة

تمهيد:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ مِنْ أهمِّ أسبابِ ظهورِ مُحْدَثاتِ الأمورِ وبِدَعِها: الجهلَ بأحكامِ الدِّينِ الحاجبَ عن معرفةِ الحقِّ، والمانعَ مِنَ التَّبصُّر بسُنَنِ الهدى، والجارفَ في الضلالِ والضَّياع، ومِنْ آثارِه السيِّئة: التمسُّكُ بتقليدِ الآباء، والتعصُّبُ لآراءِ الرجال، والاستسلامُ للعاطفةِ والهوى، وتحكيمُ العاداتِ الموروثةِ عنهم؛ كُلُّ ذلك ولَّد حائلًا مانعًا بين المرءِ واتِّباعِ الدليلِ ومعرفةِ أمورِ الدِّينِ وشرائعِه، ولا يخفى أنَّ تقليدَ الآباءِ والأسلافِ مِنَ الرجالِ مِنْ مُنطلَقِ الهوى والعاطفةِ شبهةٌ قديمةٌ احتجَّ بها الكُفَّارُ على دعوةِ الرُّسُلِ والأنبياء؛ كما أخبر اللهُ تعالى عن ذلك بقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡ‍ٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٧٠[البقرة].

ومِنْ آثارِه السَّيِّئة: الغُلُوُّ في الدِّينِ والإطراءُ المُبالَغُ فيه للذواتِ والأشخاصِ بالْتماسِ البركةِ في الأحياء، ثمَّ مجاوزةِ الحدِّ فيهم بالْتماسِها في الجماداتِ بعد وفاتِهم بإقامةِ التماثيلِ والنُّصبِ التذكاريةِ والقِبابِ والأضرحةِ والمشاهد، والعكوفِ عندها والتمسُّحِ بها وتقبيلِها، والتنافسِ في تعظيمِها بكُلِّ غُلُوٍّ مُهْلِكٍ، وقد نهى عنه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله: «إِيَّاكُمْ وَالغُلُوَّ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الغُلُوُّ فِي الدِّينِ»(١).

وهذا الأثرُ السيِّئُ انعكس سلبًا على غالبِ عوامِّ المسلمين، فقلَّدوا الكُفَّارَ في غُلُوِّهم في الأنبياءِ والصالحين، وفي الاحتفال بالموالد والأعيادِ ومراسيمِ الجنائزِ والعادات، وكذا في المناسبات الدِّينيةِ والذكريات، واتِّخاذِ القبورِ مساجدَ ومشاهدَ وتشييدِ البناءِ عليها وتعظيمِها والتبرُّكِ بها، كُلُّ ذلك ممَّا حذَّر منه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أُمَّتَه وبالغ في التحذير.

ومنشأُ هذا الأثرِ الضارِّ يرجع إلى التشبُّهِ بالكُفَّار والتقليدِ الأعمى لمَنْ كان قبلنا مِنَ المغضوبِ عليهم والضالِّين، وقد أخبر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن وقوعِ هذه المشابَهةِ للكُفَّارِ وذمَّ مَنْ يفعلها حيث قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ»، قُلْنَا: «يَا رَسُولَ اللهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟» قَالَ: «فَمَنْ؟»(٢).

هذا، ودواعي التشبُّهِ بالكُفَّارِ وتقليدِهم في عاداتِهم وعباداتِهم تتلخَّص إمَّا في مُساكَنتِهم والاختلاطِ بهم ومجاوَرتِهم، وهي مورِّثةٌ لمُشاكَلتِهم والتأثُّرِ بهم، وإمَّا في الشعورِ بالضعف والهوانِ أمامَهم نتيجةَ قوَّةِ شوكتِهم وتفوُّقِهم في ميادينِ الحياة، فيتجسَّد ـ نتيجةَ ذلك ـ الشعورُ بالانهزام في صورةِ الانقيادِ إليهم؛ جريًا على قاعدةِ «تبعيةِ الضعيفِ للقويِّ»، وإمَّا فيهما معًا، وقد وَرَد التصريحُ النبويُّ في تحريمِ التشبُّهِ بالكُفَّارِ فيما هو مِنْ خصائصِ دِينِهم ودُنْياهم، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»(٣).

وقد ضلَّ كثيرٌ ممَّنْ تأثَّر بمناهجِ حياةِ الكُفَّارِ عن سواءِ السبيل، لا سيَّما الطبقة العلمانية المثقَّفة ـ زعموا ـ حيث ساقهم ضلالُهُم إلى الاعتقادِ بأنَّ أسبابَ العزَّةِ والقوَّةِ تكمن في التخلِّي عن شعائرِ الإسلامِ ومظاهرِ السُّنَّة التي يعبِّرون عنها ﺑ «القشورِ» أو «شكليَّات التخلُّف»(٤)، في حينِ يُحاكون اليهودَ والنصارى في شكليَّاتِهم وأزيائِهم ومراسيمِهم وأعيادِهم والتكلُّمِ بِلُغَاتِهم، بل وفي جميعِ أنماطِ حياتِهم؛ ظنًّا منهم أنَّ سِرَّ التقدُّمِ والْتماسَ أسبابِ العزَّةِ والقوَّةِ يتحقَّق ـ تبعًا لهم ـ في التشبُّهِ بهم في عاداتِهم وعباداتِهم؛ نعوذ باللهِ مِنَ الخذلان.

وضِمْنَ هذا السِّياقِ مِنْ معاني الخذلانِ صورةٌ مِنَ التشبُّهِ بالكُفَّارِ وَرَدَتْ عن طريقِ سؤالٍ مِنْ بعضِ إخوانِنا مِنْ «تركيا»، يسألون عن حكمِ القيامِ الإجباريِّ لتمثالٍ منصوبٍ ﻟ «كمال أتاتورك» في وسطِ المؤسَّساتِ التربويةِ، تفرض السلطةُ القيامَ له لزومًا قبل الدخول إلى الأقسامِ الدراسية، ويَشْمَلُ الحكمُ الطلبةَ والمدرِّسين، واللهُ المستعانُ.

وقد اقتضى المَقامُ أَنْ أحرِّرَ لهم جوابًا مُفصَّلًا، أضعُه في هذه الكلمةِ تحقيقًا لفائدةِ المسألةِ وتعميمًا لنظائرِها، فأقول ـ وباللهِ التوفيقُ ـ:

حكم القيام للعباد

القيامُ في ـ جملتِه ـ له أنواعٌ يختلف حكمُه فيها باختلافِ المعنى الذي يُناسِبُه، وهي على ما يأتي:

القيام الجائز: وهو ما يكون القيامُ إليه بالتوجُّهِ والقصد، كالقيامِ إلى القادمِ مِنَ السفرِ لمُعانَقتِه فرحًا بقدومِه، أو تلقِّي المرأةِ زوجَها بالقيامِ والخدمة، أو التوجُّهِ إلى الضيف بالقيامِ إليه لإنزالِه مِنْ مركبِه أو لإعانتِه على الجلوسِ أو لحملِ ما يُثْقِلُه، أو القيامِ إلى منكوبٍ لمُواساتِه وتعزِيتِه بمُصابِه، ونحوِ ذلك مِنْ آدابِ التعاملِ وأنواعِ الإكرام، ويدلُّ على هذا النوعِ مِنَ القيامِ حديثُ عائشةَ رضي الله عنها في قصَّةِ نزولِ قُرَيْظَةَ على حكمِ سعدِ بنِ مُعاذٍ رضي الله عنه وفيه: «وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَأُتِيَ بِهِ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ إِكَافٌ مِنْ لِيفٍ، قَدْ حُمِلَ عَلَيْهِ وَحَفَّ بِهِ قَوْمُهُ .. فَلَمَّا طَلَعَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم قَالَ: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ فَأَنْزِلُوهُ»، فَقَالَ عُمَرُ: «سَيِّدُنَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ»، قَالَ: «أَنْزِلُوهُ»، فَأَنْزَلُوهُ»(٥)، كما يدلُّ عليه ـ أيضًا ـ ما كان مِنْ قيامِه صلَّى الله عليه وسلَّم إلى ابنتِه فاطمةَ رضي الله عنها إذا دخَلَتْ عليه، وقيامِها رضي الله عنها إلى أبيها صلَّى الله عليه وسلَّم إذا دَخَل عليها، فعن عائشةَ رضي الله عنها أنَّ فَاطِمَةَ رضي الله عنها كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «قَامَ إِلَيْهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ إِلَيْهِ فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا»(٦).

القيام المكروه: وهو ما يكون القيامُ له بالإجلالِ والتبجيل والتعظيمِ عنايةً بشأنِه واهتمامًا بأمرِه، كالقيامِ للداخلِ تبجيلًا لمَنْ خُلُقُه التَّواضعُ ولا يُحِبُّ أَنْ يُقامَ له، وهذا النَّوعُ يُكْرَهُ للقائم.

ويدلُّ عليه حديثُ أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قال: «مَا كَانَ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ رُؤْيَةً مِنْ رَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ»(٧)، وعِلَّةُ الكراهةِ تكمن في خشيةِ الفتنةِ بتغييرِ نَفْسِ المَقُومِ له؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ونفسُه معصومةٌ مِنْ نَزَغَاتِ الشيطانِ ـ كان يكره القيامَ لنفسِه؛ فمِنْ بابٍ أَوْلى أَنْ يكرهَه غيرُ المعصوم؛ لإمكانِ تعرُّضِ نفسِه للفتنة، هذا مِنْ جهةٍ.

وتظهر العِلَّةُ ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ في تركِ التشبُّهِ بالأعاجم وسَدِّ الذريعةِ إلى فعلِ الجبابرة؛ لحديثِ أبي أمامةَ رضي الله عنه أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «لَا تَقُومُوا كَمَا تَقُومُ الأَعَاجِمُ يُعَظِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا»(٨)، والحديثُ ـ وإِنْ ضعَّفه بعضُ المحدِّثين ـ إلَّا أنَّ معناهُ صحيحٌ لدلالةِ الحديث السابقِ على كراهيةِ القيامِ للرجل إذا دَخَل، كما يشهد له حديثُ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنهما ـ في متابعةِ الإمامِ في الصلاةِ ـ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «إِنْ كِدْتُمْ آنِفًا لَتَفْعَلُونَ فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ: يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ؛ فَلَا تَفْعَلُوا»(٩).

القيام المحظور: وهو ما يكون القيامُ له بالإكبارِ والتَّعظيمِ كسابقِه، إلَّا أنَّ المَقُومَ له يُحِبُّ ذلك مِنَ القائمين له بحيث لا يجلسون حتَّى يجلسَ، ويسخطُ إذا لم يتمثَّلوا له قيامًا ويَعُدُّها إهانةً، على وجهِ الكبرياءِ والتَّجبُّر؛ فهذا النَّوعُ يَحْرُمُ على المَقُومِ له ويُكْرَهُ للقائم.

ويدلُّ عليه حديثُ أبي مِجْلَزٍ ـ رحمه الله ـ قال: «دَخَلَ مُعَاوِيَةُ بَيْتًا فِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرٍ، فَقَامَ ابْنُ عَامِرٍ وَثَبَتَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَكَانَ أَوْزَنَهُمَا، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: «اجْلِسْ يَا ابْنَ عَامِرٍ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يَقُولُ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»»»(١٠).

وأنكر هذا القيامَ مالكٌ ـ رحمه الله ـ وطائفةٌ مِنْ أهلِ العلم(١١)، ونَقَل القرافيُّ ـ رحمه الله ـ عن مالكٍ ـ رحمه الله ـ أنه قِيلَ له: «فالمرأةُ تَلْقى زوجَها تُبالِغُ في بِرِّه وتنزع ثيابَه ونعلَيْه وتقف حتَّى يجلسَ»، قال: «ذلك حسنٌ غيرَ قيامِها حتَّى يجلسَ، وهذا فِعْلُ الجبابرةِ، وربَّما كان الناسُ ينتظرونه فإذا طَلَع قاموا، ليس هذا مِنْ فِعْلِ الإسلام، وفُعِلَ هذا لعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ أوَلَّ ما وَلِيَ حين خَرَج إلى الناسِ فأنكره وقال: «إِنْ تَقُومُوا نَقُمْ، وَإِنْ تَقْعُدُوا نَقْعُدْ، وَإِنَّمَا يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ»(١٢).

قلت: والفرقُ بين القيامِ إلى الشخصِ والقيامِ له ظاهرٌ؛ فإنَّ الأوَّلَ يدلُّ على التوجُّهِ والقصدِ المنتهي إلى الشروعِ في الأمر، نحو قولِه تعالى: ﴿إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ [المائدة: ٦]، بينما «القيامُ له يدلُّ على الاعتناءِ بشأنِه ويَلْزَمُه التجلُّدُ والتشمُّرُ؛ فأُطْلِق القيامُ على لازمِه»(١٣).

حكم القيام للجماد

هذا، ومِنْ قبيلِ القيامِ المحظورِ ـ شرعًا ـ الوقوفُ للجماداتِ مِنَ التماثيلِ والأوثانِ(١٤) على اختلافِ أنواعِها وتبايُنِ أشكالِها، فيدخل في النهيِ: منحوتُ الصورةِ مِنْ ذواتِ الأرواحِ كالأصنام، وغيرِ الصورةِ الحيوانيةِ مِنْ بقيَّةِ الجماداتِ الأخرى كالقيامِ للصليبِ أو للنُّصبِ التذكاريةِ أو للنارِ المُشتعِلةِ أو للعَلَمِ أو للمِدْفَعِ أو للضريح ونحوِ ذلك، سواءٌ كان القيامُ مصحوبًا بالتحيَّةِ والإنشادِ أو بقراءةِ القرآنِ ووَضْعِ الورودِ والأزهارِ، أو بالْتزامِ الواقفين الصمتَ لدقيقةٍ أو دقائقَ؛ فإنَّ هذا القيامَ يُعَدُّ مَظهرًا وثنيًّا مُنافِيًا لجنابِ التوحيد، وحكمُه على التفصيلِ التالي:

١ ـ إِنْ كان القيامُ لهذه الجماداتِ بنيَّةِ العبادةِ لها كالدعاءِ والركوعِ والسجودِ لها على وجهِ الخضوعِ والذلِّ والتعظيمِ ونحوِها مِنْ أعمالِ العبادةِ ممَّا ينبغي أَنْ تكونَ خالصةً للهِ تعالى؛ فإنَّ هذا الفعلَ يُناقِض التوحيدَ ويُنافِيهِ مُطلقًا، ويُخْرِجُ فاعلَه عن مُسمَّاه؛ لأنَّ صَرْفَ العبادةِ التي هي مِنْ خصائصِ اللهِ تعالى إلى غيرِه سبحانَه مع مطلقِ التسويةِ بينهما شركٌ في الإلهيَّةِ والعبادةِ؛ قال تعالى: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ ٢٣٨[البقرة]، وقال تعالى: ﴿أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا[الزُّمَر: ٩]، وقال تعالى: ﴿أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا[الأنعام: ١٦٢ ـ ١٦٣].

٢ ـ وإِنْ كان بنيَّةِ العبادةِ للهِ تعالى وقام عند هذه الجماداتِ لا لها، أو قبَّلها كتقبيلِه للعَلَمِ أو المِدْفَعِ أو الترابِ الموجودِ في مكانِ المَقُومِ له، أو تمسَّحَ بها، أو رَفَع الأيديَ بدعاءِ اللهِ تعالى عند النُّصبِ التذكاريَّةِ أو بقراءةِ فاتحةِ الكتابِ عند موضعِ اشتعالِ النارِ على وجهِ التبرُّكِ عندها؛ فإنَّ هذا الفعلَ يُناقِضُ كمالَ التوحيدِ ولا يُنافيهِ مطلقًا، ولا يُخْرِج فاعلَه عن مُسمَّى التوحيدِ؛ لأنَّه لم يَقْصِدْ أَنْ يعبدَ تلك الجماداتِ أو أَنْ يطلبَ منها ما يطلبه القبوريُّون مِنْ أهلِ القبور؛ لذلك فإنَّ توحيده ناقصٌ لا يَستحِقُّ المتَّصِفُ به مُسمَّى التوحيدِ الكامل(١٥)، قال ابنُ تيميةَ ـ رحمه الله ـ: «فمَنْ قَصَد بقعةً يرجو الخيرَ بقصدِها ولم تَستحِبَّ الشريعةُ ذلك فهو مِنَ المُنْكَرات، وبعضُه أَشَدُّ مِنْ بعضٍ، سواءٌ كانَتِ البقعةُ شجرةً أو عينَ ماءٍ أو قناةً جاريةً أو جبلًا أو مَغارةً، وسواءٌ قَصَدها ليصلِّيَ عندها أو ليدعُوَ عندها أو ليقرأَ عندها أو ليذكرَ اللهَ سبحانَه عندها أو ليتنسَّكَ عندها، بحيث يخصُّ تلك البقعةَ بنوعٍ مِنَ العبادةِ التي لم يُشْرَعْ تخصيصُ تلك البقعةِ به لا عينًا ولا نوعًا»(١٦).

وأمَّا تقبيلُ الأرضِ والتُّرابِ والمِدْفَعِ والعَلَمِ ونحوِها أو التمسُّحُ بها على وجهِ التَّبرُّكِ والعبادةِ فلا يُشْرَعُ ذلك إلَّا لبعضِ أجزاءِ الكعبةِ، فلا يُشارِكُها فيه شيءٌ مِنَ الجماداتِ الأخرى؛ ﻓ «ليس في الدنيا مِنَ الجماداتِ ما يُشْرَعُ تقبيلُها إلَّا الحَجَر الأسود»(١٧)، كما أنَّ المسحَ لا يُشْرَعُ إلَّا في الحَجَرِ الأسودِ والركنِ اليمانيِّ باتِّفاقِ العلماء، قال ابنُ القيِّمِ ـ رحمه الله ـ: «ليس على وجهِ الأرضِ موضعٌ يُشْرَعُ تقبيلُه واستلامُه، وتُحَطُّ الخطايا والأوزارُ فيه غير الحَجَرِ الأسودِ والركنِ اليمانيِّ»(١٨)، ومع ذلك ينتفي المقصودُ الشرعيُّ بالْتماسِ البَرَكَةِ بالتقبيلِ والمسحِ عليهما، وإنَّما المقصودُ بهذا الفعلِ هو التعبُّدُ للهِ واتِّباعُ شرعِه ابتغاءَ الأجرِ والثوابِ الأخرويِّ؛ ولهذا نبَّه عمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه على ذلك لَمَّا جاء إلى الحجرِ الأسودِ فقبَّله فقال: «إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ»(١٩).

٣ ـ فإِنْ خَلَا القيامُ للجماداتِ مِنْ نيَّةِ العبادةِ والتذلُّلِ والتعظيمِ لا لها ولا عندها، فإنَّ هذا القيامَ مخالِفٌ لِمَا عليه رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم وصحابتُه الكرامُ رضي الله عنهم ومَنْ بعدهم مِنَ السلفِ الصالح، بل هو بدعةٌ مُحْدَثةٌ مردودةٌ بقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ»(٢٠).

وَصِفَةُ القيامِ وما يقترن به مِنِ استعدادٍ وتحيَّةٍ ووَضْعِ باقةٍ مِنَ الزهورِ على النُّصبِ التذكاريِّ أو تحت النار المُشْتَعِلَة، ونحوِ ذلك مِنَ المظاهرِ الرسميةِ فقَدِ استلَّها بنو جلدتِنا مِنْ عاداتِ اليهودِ والنصارى القائمةِ على غُلُوِّهم في صالحيهم ورؤسائِهم وقادتِهم، وقلَّدوهم في مراسيمِهم ومُجْمَلِ عاداتِهم، وتشبَّهوا بهم فيما هو مِنْ خصائصِ دِينِهم ودنياهم، ليظفروا بنصيبٍ مِنْ رِضا اليهودِ والنصارى عنهم، ولا شكَّ أنَّ اتِّباعَ أهواءِ المغضوبِ عليهم والضالِّين بعد حصولِ العلمِ تَرَدٍّ وخسرانٌ؛ لِفَقْدِ النُّصرةِ والوَلايةِ مِنَ اللهِ الغنيِّ العزيزِ الحكيم؛ قال تعالى: ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ١٢٠[البقرة].

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٠ جمادى الأولى ١٤٣١ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٤ مايو ٢٠١٠ م

 


(١) أخرجه أحمد في «مسنده» (١٨٥١)، والنسائيُّ في «مناسك الحجِّ» (٣٠٥٧) بابُ الْتقاط الحصى، وابنُ ماجه في «المناسك» بابُ قدرِ حصى الرمي (٣٠٢٩)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. والحديث صحَّحه أحمد شاكر في تحقيقه «مسند أحمد» (٣/ ٢٥٧)، والألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٣/ ٢٧٨).

(٢) أخرجه البخاريُّ في «الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة» باب قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» (٧٣٢٠)، ومسلمٌ في «العلم» (٢٦٦٩)، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه.

(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» (٥١١٤)، وأبو داود في «اللباس» بابٌ في لباس الشهرة (٤٠٣١)، مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما. وصحَّحه العراقيُّ في «تخريج الإحياء» (١/ ٣٥٩)، وحسَّنه ابنُ حجرٍ في «فتح الباري» (١٠/ ٢٧١)، والألبانيُّ في «الإرواء» (٥/ ١٠٩).

(٤) انظر الكلمة الشهرية رقم: (٩٢) الموسومة ﺑ: «بدعة تقسيم الدين إلى مسائل وفضائل، وقشورٍ ولبابٍ» على الموقع الرسميِّ لفضيلة الشيخ أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ.

(٥) أخرجه البخاريُّ في «الجهاد والسِّيَر» باب: إذا نزل العدوُّ على حكم رجلٍ (٣٠٤٣)، ومسلمٌ في «الجهاد والسِّيَر» (١٧٦٨)، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه. واللفظ لأحمد في «مسنده» (٢٥٠٩٧) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٦) أخرجه أبو داود في «الأدب» بابُ ما جاء في القيام (٥٢١٧)، والترمذيُّ في «المناقب»بابُ فضلِ فاطمة بنت محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم (٣٨٧٢)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها. والحديث جَوَّدَ إسناده الألبانيُّ في «المشكاة» (٣/ ١٣٢٩).

(٧) أخرجه أحمد في «مسنده» (١٣٦٢٣)، والترمذيُّ في «الأدب» بابُ ما جاء في كراهية قيام الرَّجل للرَّجل (٢٧٥٤)، مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «المشكاة» (٣/ ١٣٣١).

(٨) أخرجه أحمد في «مسنده» (٢٢١٨١)، وأبو داود في «الأدب» بابٌ في قيام الرَّجل للرَّجل (٥٢٣٠)، مِنْ حديثِ أبي أمامة رضي الله عنه. انظر: «السلسلة الضعيفة» للألباني (١/ ٥٢١).

(٩) أخرجه مسلمٌ في «الصلاة» (٤١٣) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(١٠) أخرجه أحمد في «مسنده» (١٦٨٣٠)، وأبو داود في «الأدب» بابٌ في قيام الرَّجل للرَّجل (٥٢٢٩)، والترمذيُّ في «الأدب» بابُ ما جاء في كراهية قيام الرَّجل للرَّجل(٢٧٥٥)، والطحاويُّ في«مشكل الآثار» برقم: (١١٢٧) واللفظ له. والحديث صَحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (١/ ٦٩٤).

(١١) انظر: «فتح الباري» لابن حجر (١١/ ٥٠).

(١٢) «الذخيرة» للقرافي (١٣/ ٢٩٩).

(١٣) «الكلِّيَّات» لأبي البقا (٧٣١).

(١٤) قال الجوهريُّ: «الصنم هو الوثن»، وقال غيره: «الوثن: ما له جثَّةٌ، والصنم: ما كان مُصوَّرًا». [انظر: «الصِّحاح» للجوهري (٦/ ٢٢١٢)، «لسان العرب» لابن منظور (١٢/ ٣٤٩)، وانظر: «سُبُل السلام» للصنعاني (٣/ ١١)].

(١٥) انظر: «الدُّر النضيد» للشوكاني (٩).

(١٦) «اقتضاء الصراط المستقيم» لابن تيمية (٢/ ١٥٨).

(١٧) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٧/ ٧٩).

(١٨) «زاد المَعاد» لابن القيِّم (١/ ٤٨)، وانظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٦/ ٩٧).

(١٩) أخرجه البخاريُّ في «الحجِّ»بابُ ما ذُكِر في الحَجَر الأسود (١٥٩٧)، ومسلمٌ في«الحجِّ» (١٢٧٠)، مِنْ حديثِ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه.

(٢٠) أخرجه البخاريُّ في «الصلح» باب إذا اصطلحوا على صُلْحِ جَوْرٍ فالصلحُ مردودٌ (٢٦٩٧)، ومسلمٌ في «الأقضية» (١٧١٨)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.