Skip to Content
الثلاثاء 15 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 12 نوفمبر 2019 م

الكلمة الشهرية رقم: ٦٧

حكم مناظرة رؤوس الشيعة

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فعَقْدُ المناظَراتِ والجلسات عبر القنوات الفضائيَّة مع رؤوس الشِّيعة وغيرهم مِنْ أهل البِدَع والأهواء:

إمَّا أَنْ تكون مَبْنِيَّةً على دعوةِ المناداة بالتقريب بين السنَّةِ والشيعة التي يتبنَّاها العقلانيُّون والعصرانيُّون والعلمانيُّون ومَنْ على شاكِلَتِهم؛ فلا يخفى على كُلِّ صاحِبِ عقلٍ لبيبٍ استحالةُ الجمعِ بين النقيضين؛ نظرًا لتمسُّكِ الشيعةِ بأصولٍ وقواعدَ غايةٍ في البعد عن منهج السلف الصالح، ومِنْ أجلى موضوعات الخلافِ التي فيها مَسَاسٌ بجَنابِ التوحيد: مغالاةُ الشيعةِ في مَراقِدِ الأولياء مِنَ الاستغاثة والاستعانة والدعاء والسجود والركوع وغيرِها مِنْ أعمال الجاهليَّة؛ لاعتقادهم بأنَّ الأولياءَ أَفْضَلُ مِنَ الأنبياء، وأنهم يتلقَّوْن العِلْمَ اللَّدُنيَّ والوحيَ مُباشَرةً، وهذه المسألةُ هي مِنْ أَعْظَمِ مواضعِ الخلاف بين دُعاةِ التوحيدِ ودُعاةِ الشركِ، قال ابنُ تيميَّة ـ رحمه الله ـ عن دولة العُبَيْدِيِّين: «وهُمْ مَلاحِدةٌ في الباطن، أخذوا مِنْ مذاهبِ الفلاسفةِ والمجوس ما خَلَطُوا به أقوالَ الرافضة، فصار خيارُ ما يُظْهِرونه مِنَ الإسلام دِينَ الرافضة، وأمَّا في الباطنِ فمَلاحِدةٌ شرٌّ مِنَ اليهودِ والنصارى، وإلَّا مَنْ لم يَصِلْ منهم إلى منتهى دعوتهم فإنه يبقى رافضيًّا داخِلَ الإسلام؛ ولهذا قال فيهم العلماءُ: «ظاهِرُ مذهبِهم الرفضُ، وباطنُه الكفرُ المحضُ»، وهُم مِنْ أَشَدِّ الناسِ تعظيمًا للمَشاهِدِ ودعوةِ الكواكب ونحوِ ذلك مِنْ دين المشركين، وأَبْعَدِ الناس عن تعظيمِ المساجدِ التي أَذِن اللهُ أَنْ تُرْفَع ويُذْكَر فيها اسْمُه، وآثارُهم في القاهرة تدلُّ على ذلك»(١).

والتوحيد ـ عند الشيعةِ ـ هو وحدةُ الوجود، حيث يعتقدون حلولَ جزءٍ مِنَ النور الإلهيِّ في عليٍّ رضي الله عنه، فضلًا عن تأويلهم لصفاتِ الله تعالى وتعطيلِها(٢)، وادِّعائهم تحريفَ القرآن ونقصانَه فلا يُعْتمَدُ عليه، ولا عِصْمَةَ للسنَّة إلَّا ما جاء عن الأئمَّةِ منهم، والقولِ بعقيدةِ الرجعة وبالبداء على الله تعالى وغيرِ ذلك؛ فهذا غيضٌ مِنْ فيضٍ مِنْ أصولِ الشيعة السقيمةِ التي تزرعها زورًا وبهتانًا؛ فأنَّى تَتوافَقُ الأصولُ أو تَتقارَبُ المبادئُ أو تَتعانَقُ المعتقَداتُ؟!

وإمَّا أَنْ تكون المناظَراتُ والجلساتُ معقودةً لتمكينِ الشِّيعة مِنْ بَثِّ ضلالاتهم وشُبَهِهم؛ مُسْتَهْدِفين السنَّةَ وأهلَها ومَصادِرَها وأئمَّتَها بالطعن والتشويه والتنقيص، مع سوءِ الأدب في المحاوَرةِ والجدل؛ فإنَّ المناظَراتِ معهم ـ بهذا المعنى ـ لا تجوز ولو مع محاوَلةِ إظهارِ الحقِّ؛ لأنها ـ في الغالب ـ قليلةُ النفع، عديمةُ الأثر، مُوغِرةُ الصدر، جارحةٌ لِمَشاعِرِ أهلِ السنَّة؛ لِمَا فيها مِنَ الامتهانِ لِمَصادِرِهم، والسخريةِ بأئمَّتهم، والحطِّ مِنْ منزلتهم. والمعلومُ أنَّ العدوَّ الوحيد للشيعةِ هم أهلُ السنَّة، ولا يجتمعون معهم على شيءٍ، فيصفونهم بشتَّى النعوتِ والأوصاف، وكُتُبُ الشيعة القديمةُ والحديثةُ طافحةٌ بغَلَيانِ مَراجِلِ قلوبهم بحقدٍ لا مثيلَ له، وتنفث ألسنتُهم السُّمَّ الزُّعافَ عليهم، فتراهم يجيزون الكذبَ على أهل السنَّة، ويُلْصِقون التُّهَمَ الكاذبة عليهم، ويَصِفونهم بالفضائح، بل يقرنون السنِّيَّ بالكافر والمشرك والخنزير، وهم لا يريدون بهذه المناظَراتِ إلَّا كَسْبَ القلوبِ والمواقعِ بالتلبيس والتدليس والمراوَغةِ في نشرِ معتقَداتهم الباطلةِ وضلالاتهم الفاسدة.

هذا ـ وإِنْ كنتُ لا أرى جدوَى مِنْ عَقْدِ المناظَرات مع رؤوس الشيعة ومُلاليهم لِمَا تَقدَّم بيانُه ـ إلَّا أنَّ الردَّ على شُبَهِهم الفاسدةِ وأصولهم الكاسدةِ خارِجَ ميدانِ المناظَراتِ والجلسات أمرٌ آكِدٌ لكُلِّ قادرٍ على دَحْضِ ضلالاتهم بالحجَّةِ والبرهان؛ حفاظًا على سلامةِ فطرةِ مَنْ لم يتأثَّرْ بشُبُهاتهم وضلالاتهم، وتنبيهًا لذوي العقول منهم على مَكْرِ مُلَالِيهم ورجالِ دينهم ومَنْ سَلَكَ طريقَ غوايتهم؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٦٤[الأعراف]، وتحقيقًا لقوله تعالى: ﴿قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٨[يوسف].

أمَّا المُنْغَمِسون في الباطلِ والضلالِ المُبين مِنَ الشِّيعة وغيرِهم مِنْ أهلِ الأهواء مِنَ الفِرَق العقائدية، وكذا الحركات الباطنية كالنُّصَيْرية والقاديانية والأحباشِ ومَنْ شاكَلَهم؛ فلو ناظَرْتَ أحَدَهم وأتيتَ له بكُلِّ آيةٍ ما تَبِعَ الحجَّةَ الدامغة، ولا رَجَعَ عن شُبْهَتِه إلى الدليل الساطع، ولا آمَنَ بالحقِّ الواضح إلَّا مَنْ شاء اللهُ، وأَكْثَرُ ضلالهم وبغيِهم قائمٌ على الجهل والهوى، وهُمْ بوصفهم هذا كمَنْ أخبر اللهُ عنهم بقوله: ﴿وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ ١١١[الأنعام].

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٧ شعبان ١٤٣٢ﻫ
المـوافق ﻟ: ٠٨ جويلية ٢٠١١م

 


(١) «الاستغاثة في الردِّ على البكري» لابن تيمية (٢/ ٤٩٤ ــ ٤٩٥).

(٢) انظر: «التوحيد» لابن بابَوَيْهِ القمِّي (٥٧).