Skip to Content
الإثنين 30 ربيع الأول 1439 هـ الموافق لـ 18 ديسمبر 2017 م



الكلمة الشهرية رقم: ٦٨

تذكيرٌ للداعية

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالدعوة إلى الله تعالى دعوةُ علمٍ ويقينٍ وإصلاحٍ وخيرٍ، وهي وظيفةُ الرُّسُل والأنبياءِ جميعًا، ودعوتُهم قائمةٌ على عبادةِ الله وَحْدَه والتبرُّؤِ مِنْ عبادةِ ما سواه، والقيامِ بعبادةِ الله بجميعِ أنواعها على وجهٍ مُرْضٍ مهما أَمْكَنَ، والزجرِ عن كُلِّ ما نهى اللهُ عنه، سالكين سبيلَ الأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر، وأداءِ النصيحةِ للمَدْعُوِّين على وجهها الكامل، وترتقي مكانةُ الداعي إلى الله بحَسَب مقدارِ عَمَلِه وقدرتِه؛ ذلك لأنَّ دعوته تَبَعٌ لدعوةِ الأنبياء والمُرْسَلين: يعمل على تعليمِ الجاهلين ووَعْظِ الغافلين والمُعْرِضين، ومُجادَلةِ المُبْطِلين والمُناوِئين والشانئين بالتي هي أَحْسَنُ، والحثِّ على مَكارِمِ الأخلاق، والإحسانِ ـ في دعوته ـ إلى عموم الخَلْق، والترغيبِ في الطريقِ المُوصِل إلى الله تعالى، ورَبْطِ المَدْعُوِّين بكتاب ربِّهم وسُنَّةِ نبيِّهم، والترغيبِ في اقتباسِ العلم والهدى منهما؛ فدَعْوَتُه ـ إذًا ـ مشروطةٌ بالعلم النافع ـ وهو بطبيعته قابلٌ للتجزئة والتبعيض ـ إذ لا يخفى أنَّ العلم بصحَّةِ ما يدعو إليه الداعي شرطٌ لصحَّةِ الدعوة؛ لذلك يعمل الداعيةُ على تَفادي الوقوعِ في فسادِ العلمِ بعَدَمِ تحقيقِ مُوافَقةِ علمِه ومُطابَقتِه لمرادِ الله تعالى، كما يعمل على تَجنُّبِ الوقوعِ في فسادِ الإرادة، وذلك بتجريدها مِنْ شوائبِ الهوى وإرادةِ الخَلْق، وهما آفتانِ تُفْسِدان عِلْمَه وعَمَلَه، قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ: «وأمَّا العلمُ فآفَتُه عَدَمُ مُطابَقتِه لمرادِ الله الدينيِّ الذي يحبُّه اللهُ ويرضاه؛ وذلك يكون مِنْ فسادِ العلمِ تارةً ومِنْ فسادِ الإرادةِ تارةً: ففسادُه مِنْ جهةِ العلم أَنْ يعتقد أنَّ هذا مشروعٌ ومحبوبٌ لله وليس كذلك، أو يعتقد أنه يُقرِّبُه إلى الله وإِنْ لم يكن مشروعًا؛ فيظنُّ أنه يتقرَّب إلى الله بهذا العملِ وإِنْ لم يعلم أنه مشروعٌ.

وأمَّا فسادُه مِنْ جهةِ القصد فأَنْ لا يقصد به وجهَ اللهِ والدارَ الآخرة، بل يقصد به الدنيا والخَلْق.

وهاتان الآفتانِ في العلم والعملِ لا سبيلَ إلى السلامةِ منهما إلَّا بمعرفةِ ما جاء به الرسولُ في باب العلم والمعرفة، وإرادةِ وجهِ الله والدارِ الآخرة في باب القصد والإرادة؛ فمتى خَلَا مِنْ هذه المعرفةِ وهذه الإرادةِ فَسَد علمُه وعملُه»(١).

وإذا كانَتِ الدعوةُ إلى الله مُلازِمةً ومتضمِّنةً للعلم فليسَتْ مُقيَّدةً بفئةٍ معيَّنةٍ، وإنما هي لكُلِّ مَنْ يمتلك المُواصَفاتِ الشرعيةَ للدعوةِ فهو أهلٌ لها، ولا هي مقيَّدةٌ بوقتٍ محدَّدٍ، أو قاصرةٌ على خُطَبٍ تُلْقى، أو على دروسٍ أو حلقاتٍ تُمْلى، وقد تكون على فتراتٍ متقطِّعةٍ مِنَ الزمن، وإنما الدعوةُ إلى الله تُؤَدَّى في جميعِ الأحوال بما تسمح بالقيام بها قدراتُ الداعيةِ وظروفُه في كُلِّ الأوقات، سواءٌ تعلَّقَتِ الأوقاتُ بالمواسم أو العوارض أو النوازل أو المَصائِبِ أو ما يُناسِبُ ذلك الحالَ أو غيرَه ممَّا تَشْمَله الدعوةُ إلى الخير كُلِّه والترهيبُ مِنَ الشرِّ كُلِّه، ويتجلَّى هذا المعنى فيما أخبر اللهُ به تعالى عن نوحٍ عليه السلام حيث قال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوۡتُ قَوۡمِي لَيۡلٗا وَنَهَارٗا ٥ فَلَمۡ يَزِدۡهُمۡ دُعَآءِيٓ إِلَّا فِرَارٗا ٦ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا ٧ ثُمَّ إِنِّي دَعَوۡتُهُمۡ جِهَارٗا ٨ ثُمَّ إِنِّيٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارٗا ٩[نوح]، ويوسفُ عليه السلام لم يَشْغَلْه السجنُ وضِيقُه عن واجبِ الدعوة إلى الله تعالى؛ فقَدْ دَعَا السجينَيْن إلى الله تعالى قبل أَنْ يجيبهما عن رُؤْيَا رآها كُلُّ واحدٍ منهما؛ قال تعالى مُخْبِرًا عنه: ﴿يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٣٩ مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٠[يوسف]، وكذلك كان نبيُّنا صلَّى الله عليه وسلَّم كان يدعو قومَه ليلًا ونهارًا، وسِرًّا وجِهارًا، لم يشغله شيءٌ عن الدعوةِ إلى الله تعالى.

وعلى الداعي إلى الله أَنْ يُؤدِّيَ واجِبَه في البلاغ والتبيينِ مِنْ غيرِ أَنْ ينتظر استجابةَ الناسِ له، وإنما يَسْتَمِرُّ في دعوته كما يُداوِمُ على أداءِ سائِرِ العباداتِ الداخلةِ في تكليفه، وله أَنْ يسأل الأجرَ والمثوبة مِنَ الله دون أَنْ يجعل بُغْيَتَه الجزاءَ والشُّكورَ مِنْ عِبادِ الله، ولا أَنْ يَتَّخِذَ دعوتَه مطيَّةً لتحصيلِ الأعواضِ المالية والمَنافِعِ المادِّية والمعنوية كالثناء والشهرةِ والجاهِ والمَناصِبِ ونحوِ ذلك ممَّا يصبو إليها أهلُ الدنيا والطمعِ فيما عند الناس؛ فإنَّ هذا لا يجري على هديِ الأنبياءِ والمُرْسَلين مِنَ الإخلاص لله والاستعانةِ به والطمع فيما عنده؛ قال الله تعالى مُخْبِرًا عنهم: ﴿فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَمَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٧٢[يونس]، وقال تعالى: ﴿وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٠ ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡ‍َٔلُكُمۡ أَجۡرٗا وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٢١[يس]، وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا ٥٦ قُلۡ مَآ أَسۡ‍َٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٥٧[الفرقان]؛ فالأجرُ مِنَ اللهِ عظيمٌ وباقٍ، وقد قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لعليٍّ رضي الله عنه: «فَوَاللهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ»(٢)، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم ـ أيضًا ـ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا»(٣)، والمعلومُ الذي تجري عليه سُنَنُ الله في خَلْقِه أنَّ مَنْ لم يُجَرِّدْ قَصْدَه عن الهوى وإرادةِ الخَلْقِ دون الخالق وجَعَلَ الدنيا همَّه فإنَّ الله يَكِلُه إلى نَفْسِه ويُبْلى بعبوديةِ المخلوقِ ومحبَّتِه وخدمتِه.

هذا، وأخيرًا فإنَّ أَحْسَنَ الكلامِ وأَفْضَلَ طريقٍ ـ في ميزان الله تعالى ـ هو الدعوةُ إلى الله تعالى بتحبيبِ الإسلام وإظهارِ مَحاسِنِه، والنهيِ عمَّا يُضادُّه مِنَ الكفر والشرك، وتوجيهِ عمومِ الناس إلى ما ينفعهم في مَعاشِهم ومَعادِهم: تعليمًا وتربيةً ووعظًا وإرشادًا وتوجيهًا يسلكه الداعي في مَهَمَّته الدعوية، متحلِّيًا بالعلم النافع والعملِ الصالح على وجهِ الطاعة والانقياد، وبالمُواصَفات الأخلاقية الكريمة والحكمةِ والموعظة الحسنة؛ فإنَّ العلم النافع والعملَ الصالح هما دعوةُ الحقِّ والسبيلُ الوحيد للسعادة والفلاح، وقد جَمَعَ اللهُ تعالى بين معرفةِ الحقِّ والعملِ به في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ٢[الزُّمَر]، وعُنِيَ بذِكْرِهما في قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيۡءٍ[الرعد: ١٤]؛ فدعوةُ الحقِّ ـ إذًا ـ هي إخلاصُ العملِ لله تعالى وَحْدَه لا شريكَ له، المتضمِّنُ معرفةَ الله تعالى ومعرفةَ شرعِه ودِينه(٤)، وتمامُ هذه الرتبةِ للصدِّيقين الذين عَمِلوا على إصلاحِ أَنْفُسهم وتكميلها، ووسَّعوا دائرةَ الإصلاحِ والتكميل إلى غيرهم، خاصَّةً عند إنكارِ الجاحدين ومُحارَبةِ المُبْطِلين والمُعانِدين وشيوعِ التمرُّد على الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلٗا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٣٣[فُصِّلت]، «ولا يتمُّ الإيمانُ إلَّا بتلقِّي المعرفةِ مِنْ مشكاةِ النبوَّة وتجريدِ الإرادة عن شوائبِ الهوى وإرادةِ الخَلْق؛ فيكون علمُه مُقْتَبَسًا مِنْ مشكاةِ الوحي وإرادتِه لله والدارِ الآخرة؛ فهذا أَصَحُّ الناسِ علمًا وعملًا، وهو مِنَ الأئمَّةِ الذين يَهْدُون بأمرِ الله، ومِنْ خُلَفاءِ رسوله في أُمَّته»(٥).

تلك هي الوراثةُ التامَّة مِنَ الأنبياء والرُّسُل تتفاضل مَراتِبُها، وقد ترتفع إلى أعلى عِلِّيِّين بحَسَبِ الأعمال الحَسَنة المقدَّمة إخلاصًا وصدقًا؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ ١٣٢[الأنعام].

نسأل اللهَ التوفيقَ والسداد، للمزيدِ مِنَ العمل الجادِّ، وعلى اللهِ قَصْدُ السبيلِ والاتِّكالُ في الحال والمآل.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 

الجزائر في: ٢٤ مِنْ ذي الحجَّة ١٤٣٢ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٠ نوفمبر ٢٠١١م

 


(١) «الفوائد» لابن القيِّم (٨٥).

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الجهاد والسِّيَر» بابُ دعاءِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم الناسَ إلى الإسلام والنبوَّة، وأَنْ لا يَتَّخِذَ بعضُهم بعضًا أربابًا مِنْ دون الله (٢٩٤٢)، ومسلمٌ في «فضائل الصحابة» (٢٤٠٦)، مِنْ حديثِ سهل بنِ سعدٍ الساعديِّ رضي الله عنهما.

(٣) أخرجه مسلمٌ في «العلم» (٢٦٧٤) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٤) انظر: «مجموع الفوائد» للسعدي (١٨٠).

(٥) «الفوائد» لابن القيِّم (٨٥).