Skip to Content
الإثنين 19 ذي القعدة 1440 هـ الموافق لـ 22 يوليو 2019 م

التجانس
بين نظام القَدَر والعملِ بالشرع

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فالعبد الحريص على إيمانه لا ينبغي أن يترك العملَ بدعوى أنَّ قَدَرَ الله ماضٍ فيه؛ لأنَّ القَدَرَ لا يمنع العملَ ولا يُوجِبُ الاتِّكالَ؛ فإنَّ هذه الدعوى ـ في حقيقتها ـ عَجْزٌ وكَسَلٌ معطِّلٌ عن طَلَبِ الطاعة مِن الله والاستعانةِ به، بل الواجبُ على المؤمن المتمتِّعِ بعزيمةِ نفسٍ قويَّةٍ وقريحةٍ شديدةٍ في تحصيل ما ينفعه في الدنيا والآخرة أن يكون أَكْثَرَ جدِّيَّةً في تحقيقِ مُوجَبات العبودية وأشدَّ اجتهادًا في درك المَطالِبِ الشرعية، طلبًا لها وعملًا بمقتضاها ومحافَظةً عليها، بعزيمةٍ أكيدةٍ ورغبةٍ مُلِحَّةٍ، فيبذل ما في وُسْعه للقيام بأمرِ الله والأخذِ بالأسباب الموجِبة لنفعِه وصلاحه، فإن لم يُوَفَّقْ لمراده أو حَلَّتْ عليه مصيبةٌ فلا ينظر إلى القَدَر ويقضي وقتَه في التأسُّف والتحسُّر الذي يوحي بمنازعة القَدَر، وإنما «علينا أنْ نعملَ بِشَرْعِ الله، ونتوسَّلَ إلى المسبَّباتِ المشروعةِ بأسبابها، ونُؤْمِنَ بسَبْقِ قَدَرِ اللهِ؛ فلا يكونُ إلَّا ما قدَّره منها، فمَن سَبَقَتْ له السعادةُ يُسِّرَ لأسبابها، ومَن سَبَقَتْ له الشقاوةُ يُسِّرَ لأسبابها لحديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي اللهُ عنه قال: «كُنَّا فِي جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الغَرْقَدِ فَأَتَانَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ(١)، فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ(٢) إِلَّا كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً»، فَقَالَ رَجُلٌ: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ العَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيَصِيرُ إِلَى السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَيَصِيرُ إِلَى الشَّقَاوَةِ؟» فَقَالَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ: أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَسَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَسَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ»، ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَ اللهِ ـ تَعَالَى ـ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى[الليل: ٥ ـ ١٠]» رواه البخاريُّ ومسلمٌ(٣)، وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «المُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ .. كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ «لَوْ» تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»» رَوَاهُ مُسْلِمٌ(٤)»(٥).

فيمتنع أن يقول: «لو أنِّي فعلتُ لَكان كذا» فيقدِّرَ ما لم يقع ويتمنَّى أنْ لو كان وَقَعَ؛ فإنَّ «لو» إذا استُعْمِلَتْ في جانبها المذموم تُورِث حسرةً وحزنًا ولا يُجْديه ذلك نفعًا، وإنما الذي ينفعه هو التسليمُ للقَدَر، يقول: «قَدَرُ الله وما شاء فَعَل»(٦).

هذا، وجديرٌ بالإفادة أنَّ «لو» حرفُ امتناعٍ لامتناعٍ بخلافِ «لولا» فهي حرفُ امتناعٍ لوجودٍ، وتأتي «لو» لتفيد ـ أيضًا ـ معانيَ وأغراضًا أخرى كالتمنِّي والتعليل والعَرْض والطلب والحضِّ.

و«لو» ـ في الحديث ـ: تحسُّرٌ وحزنٌ تفتح عَمَلَ الشيطان بأن يُلْقِيَ في القلب معارَضةَ القَدَر ويوسوس به، وقد استثنى العلماءُ مِن ذلك جوازَ «لو» في باب تمنِّي الخير وفعلِه كالتأسُّف على ما فات مِن طاعة الله ـ تعالى ـ أو ما هو متعذِّرٌ عليه في ذلك، وعليه يُحْمَل أكثرُ استعمالاتها الواردةِ في الأحاديث(٧)، وقد عَقَدَ البخاريُّ في «الصحيح» بابًا تَرْجَمَ له ﺑ: «بابُ ما يجوز مِن اللَّو، وقولِه ـ تعالى ـ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً[هود: ٨٠]»(٨). وضَبَطَ الشيخ السعديُّ ـ رحمه الله ـ هذه المسألةَ بتقسيمٍ ثنائيٍّ جليٍّ ننقل نصَّه فيما يلي: «اعلَمْ أنَّ استعمال العبد لِلَفظة: «لو» تقع على قسمين: مذمومٍ ومحمودٍ:

ـ أمَّا المذموم فأَنْ يقع منه أو عليه أمرٌ لا يحبُّه فيقولَ: «لو أنِّي فعلتُ كذا لَكان كذا»، فهذا مِن عملِ الشيطان؛ لأنَّ فيه محذورَيْن:

أحدهما: أنها تفتح عليه بابَ الندم والسخط والحزن الذي ينبغي له إغلاقُه وليس فيه نفعٌ.

الثاني: أنَّ في ذلك سوءَ أدبٍ على اللهِ وعلى قَدَره، فإنَّ الأمور كلَّها والحوادثَ دقيقَها وجليلَها بقضاء الله وقَدَره، وما وَقَعَ مِن الأمور فلا بدَّ مِن وقوعه، ولا يمكن ردُّه؛ فكان في قوله: «لو كان كذا أو لو فعلتُ كذا كان كذا» نوعُ اعتراضٍ ونوعُ ضعفِ إيمانٍ بقضاء الله وقَدَره.

ولا ريب أنَّ هذين الأمرين المحذورين لا يتمُّ للعبد إيمانٌ ولا توحيدٌ إلَّا بتركهما.

ـ وأمَّا المحمود مِن ذلك فأنْ يقولها العبدُ تمنِّيًا للخير: كقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الهَدْيَ وَلَأَهْلَلْتُ بِالعُمْرَةِ»(٩)، وقولِه في الرجل المتمنِّي للخير: «لَوْ أَنَّ لِي مِثْلَ مَالِ فُلَانٍ لَعَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ عَمَلِ فُلَانٍ»(١٠)، و«لَوْ صَبَرَ أَخِي مُوسَى لَقَصَّ اللهُ عَلَيْنَا مِنْ نَبَإِهِمَا» أي: في قصَّته مع الخَضِر(١١).

وكما أنَّ «لو» إذا قالها متمنِّيًا للخير فهو محمودٌ؛ فإذا قالها متمنِّيًا للشرِّ فهو مذمومٌ؛ فاستعمالُ «لو» تكون بحسب الحال الحاملِ عليها:

ـ فإن حَمَلَ عليها الضجرُ والحزنُ وضعفُ الإيمان بالقضاء والقَدَر أو تمنِّي الشرِّ كان مذمومًا.

ـ وإن حَمَل عليها الرغبةُ في الخير والإرشادِ والتعليم كان محمودًا»(١٢).

هذا، ومِن خلال معاني هذه الأحاديثِ السابقة يظهر ـ جليًّا ـ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَرْشَدَ أمَّتَه إلى نظامين هما مَحَلُّ السعادة وهما: نظام التوحيد، ونظام الشرع، كما أفصح عن ذلك ابن القيِّم ـ رحمه الله ـ بقوله: «فالقَدَر السابق مُعِينٌ على الأعمال وباعثٌ عليها ومُقْتَضٍ لها، لا أنه مُنَافٍ لها وصادٌّ عنها، وهذا موضعُ مَزَلَّةِ قدمٍ، مَن ثَبَتَتْ قدمُه عليه فاز بالنعيم المقيم، ومَن زلَّتْ قدمُه عنه هوى إلى قرار الجحيم، فالنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَرْشَدَ الأمَّةَ في القَدَر إلى أمرين هما سَبَبَا السعادة:

ـ الإيمان بالأقدار فإنه نظام التوحيد.

ـ والإتيان بالأسباب التي تُوصِل إلى خيره وتحجز عن شرِّه وذلك نظام الشرع، فأَرْشَدَهم إلى نظام التوحيد والأمر، فأبى المنحرفون إلَّا القدحَ بإنكاره في أصل التوحيد أو القدحَ بإثباته في أصل الشرع، ولم تتَّسع عقولُهم ـ التي لم يُلْقِ اللهُ عليها مِن نوره ـ للجمع بين ما جَمَعَتِ الرسلُ جميعُهم بينه، وهو القَدَر والشرع، والخَلْق والأمر، ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[البقرة: ٢١٣]، والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم شديدُ الحرص على جمعِ هذين الأمرين للأمَّة، وقد تقدَّم قولُه: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجَزْ»(١٣)، وأنَّ العاجز مَن لم يتَّسع للأمرين وبالله التوفيقُ»(١٤).

والعاقل يدرك أنه لا منافاةَ بين حقيقةِ التوكُّل ومُباشَرةِ الأسبابِ المأمورِ بها شرعًا وعقلًا وفطرةً؛ وذلك أنه إذا كان الاعتقادُ قائمًا على أنَّ جميع الأشياء تسير وَفْق ما سَبَق في القضاء وجَرَت به المقاديرُ؛ فإنه لا يقتضي مِن العبدِ تَرْكَ القيام بموجَب العبودية مِن التقرُّب إلى الله بالأعمال الصالحة وسائرِ الطاعات والقُرُبات بامتثالِ أوامر الشرع واجتنابِ نواهيه، كما لا يَلزم منه الاستسلامُ للخمول والدَّعَةِ والبطالة المُفْضِية إلى تعطيل حقوق الله اتِّكاءً واتِّكالًا على قضاء الله وقَدَره، بل الأمرُ على خلافِ ذلك، فالعبدُ المؤمن مُطالَبٌ بالقيام بحقوق الله على الوجه المَرْضِيِّ مع الإيمان بما أخبر اللهُ ـ تعالى ـ ورسولُه مِن أمور الغيب وما يجري به قضاءُ اللهِ وقَدَرُه، وقد وَصَف اللهُ ـ تعالى ـ عبادَه المؤمنين المتَّقين بذلك بقوله: ﴿الم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ[البقرة: ١-٥].

قال ابن القيِّم ـ رحمه الله ـ: «وقد رتَّب اللهُ ـ سبحانه ـ حصولَ الخيرات في الدنيا والآخرة، وحصولَ السرور في الدنيا والآخرة في كتابه على الأعمال، ترتُّبَ الجزاء على الشرط، والمعلولِ على العلَّة، والمسبَّبِ على السبب، وهذا في القرآن يزيد على ألف موضعٍ...

وبالجملة فالقرآن مِن أوَّله إلى آخره صريحٌ في ترتُّب الجزاء بالخير والشرِّ والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل ترتيب أحكام الدنيا والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال»(١٥).

قلت: وإذا كان تعلُّقُ الأسباب بمسبَّباتها وارتباطُها بها وبناؤها عليها ممَّا قضاه اللهُ بحكمته معلومًا تشهد بذلك العامَّةُ والخاصَّة؛ فإنَّ الأسباب نَفْسَها هي ـ أيضًا ـ واقعةٌ تحت إرادة الله وتصرُّفه، وجاريةٌ على وَفْق قضاءِ اللهِ وقَدَره، وعليه فالأسبابُ ـ وإن أَخَذ بها العبدُ ـ والأعمالُ ـ وإن باشَرَها ـ فلا يجوز له أن يتوكَّل عليها أو يعتمد عليها، وإنما الواجبُ على العبد أن يتوكَّل على خالِقِها ومُنْشِئِها.

وقد نَقَلَ ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ عن بعضهم أنه قال: «الالتفات إلى الأسباب شركٌ في التوحيد، ومحوُ الأسباب أن تكون أسبابًا نقصٌ في العقل، والإعراضُ عن الأسباب بالكلِّيَّة قَدْحٌ في الشرع، ومجرَّدُ الأسبابِ لا يُوجِب حصولَ المسبَّب؛ فإنَّ المطر إذا نَزَلَ وبُذِرَ الحبُّ لم يكن ذلك كافيًا في حصول النبات، بل لا بدَّ مِن ريحٍ مربِّيةٍ بإذن الله، ولا بدَّ مِن صرفِ الانتفاء عنه؛ فلا بدَّ مِن تمام الشروط وزوال الموانع، وكلُّ ذلك بقضاءِ الله وقَدَره، وكذلك الولدُ لا يُولَد بمجرَّد إنزال الماء في الفَرْج، بل كم مَن أنزل ولم يولَد له، بل لا بدَّ مِن أنَّ الله شاء خَلْقَه، فتَحْبَلُ المرأةُ وتربِّيه في الرحم، وسائرِ ما يتمُّ به خَلْقُه مِن الشروط وزوالِ الموانع»(١٦).

وأكدَّ ابن القيِّم ـ رحمه الله ـ هذا المعنى حالةَ شرحِه لحديثِ عليٍّ رضي الله عنه وغيرِه مِن الأحاديث الأخرى في معناه فقال: «فاتَّفقَتْ هذه الأحاديثُ ونظائرُها على أنَّ القَدَرَ السابقَ لا يمنع العملَ ولا يُوجِبُ الاتِّكالَ عليه، بل يُوجِب الجدَّ والاجتهاد؛ ولهذا لمَّا سمع بعضُ الصحابةِ ذلك قال: «ما كنتُ أشدَّ اجتهادًا منِّي الآن»(١٧). وهذا ممَّا يدلُّ على جلالة فِقْهِ الصحابةِ ودقَّةِ أفهامهم وصحَّةِ علومهم؛ فإنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أخبرهم بالقَدَرِ السابق وجريانِه على الخليقة بالأسباب، وأنَّ العبد يَنال ما قُدِّر له بالسبب الذي أُقْدِر عليه ومُكِّن منه وهيِّئ له، فإذا أتى بالسبب أَوْصَلَه إلى القَدَر الذي سَبَقَ له في أمِّ الكتاب، وكلَّما ازداد اجتهادًا في تحصيلِ السبب كان حصولُ المقدور أدنى إليه، وهذا كما إذا قُدِّر له أن يكون مِن أَعْلَمِ أهلِ زمانه؛ فإنه لا ينال ذلك إلَّا بالاجتهاد والحرص على التعلُّم وأسبابه، وإذا قُدِّر له أن يُرْزَق الولدَ لم يَنَلْ ذلك إلَّا بالنكاح أو التسرِّي والوطء، وإذا قُدِّر له أن يستغلَّ مِن أرضه مِن المُغَلِّ كذا وكذا لم يَنَلْه إلَّا بالبذر وفعلِ أسباب الزرع، وإذا قُدِّر الشِّبَعُ والرِّيُّ والدفءُ فذلك موقوفٌ على الأسباب المحصِّلة لذلك مِن الأكل والشرب واللُّبس، وهذا شأنُ أمور المَعاش والمَعاد، فمَن عطَّل العملَ اتِّكالًا على القَدَرِ السابق فهو بمنزلةِ مَن عطَّل الأكلَ والشرب والحركةَ في المَعاش وسائرِ أسبابه اتِّكالًا على ما قُدِّر له، وقد فَطَرَ اللهُ ـ سبحانه ـ عبادَه على الحرص على الأسباب التي بها قِوامُ معايشهم ومصالحهم الدنيوية، بل فَطَرَ اللهُ على ذلك سائرَ الحيوانات، فهكذا الأسبابُ التي بها مصالحُهم الأخروية في مَعادهم؛ فإنه ـ سبحانه ـ ربُّ الدنيا والآخرةِ، وهو الحكيمُ بما نَصَبَه مِن الأسباب في المَعاش والمَعاد، وقد يسَّر كلًّا مِن خَلْقه لِمَا خَلَقه له في الدنيا والآخرة؛ فهو مهيَّأٌ له ميسَّرٌ له، فإذا عَلِم العبدُ أنَّ مَصالِحَ آخِرتِه مُرْتَبِطةٌ بالأسباب المُوصِلة إليها كان أشَدَّ اجتهادًا في فعلِها والقيامِ بها منه في أسبابِ مَعاشه ومَصالِحِ دنياه»(١٨).

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٤ المحرَّم ١٤٣٦ﻫ
الموافق ﻟ: ١٧ نوفمبر ٢٠١٤م



(١) المِخْصَرة: ما يختصره الإنسانُ بيده فيمسكه مِن عصًا أو عُكَّازةٍ أو مِقْرَعةٍ أو قضيبٍ، وقد يتَّكِئ عليه [«النهاية» لابن الأثير (٢/ ٣٦)].

(٢) النفس المنفوسة هي المولودة، والمنفوس: الطفلُ الحديثُ الولادةِ، يقال: «نُفِسَتِ المرأةُ ونَفِسَتْ فهي منفوسةٌ ونُفَسَاءُ» إذا وَلَدَتْ، فأمَّا الحيضُ فلا يقال فيه إلَّا: «نَفِسَتْ» بالفتح، ويقال: إنما سُمِّيَتِ المرأةُ: نُفَساءَ لسيلانِ الدم، والنفسُ: الدم [انظر: «معالم السنن» للخطَّابي (٥/ ٦٨)، «النهاية» لابن الأثير (٥/ ٩٥)].

(٣) أخرجه البخاريُّ في «الجنائز» (٣/ ٢٢٥) باب موعظة المحدِّث عند القبر، وفي «التفسير» (٨/ ٧٠٨) باب: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾، وفي «الأدب» (١٠/ ٥٩٧) باب الرجل يَنْكُت الشيءَ بيده في الأرض، وفي «القَدَر» (١١/ ٤٩٤) باب: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، وفي التوحيد (١٣/ ٥٢١) باب قول الله ـ تعالى ـ: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. ومسلمٌ في «القَدَر» (١٦/ ١٩٥) باب كيفية خَلْق الآدميِّ في بطن أمِّه، وأبو داود في «السنَّة» (٥/ ٦٨) بابٌ في القَدَر، والترمذيُّ في «التفسير» (٥/ ٤٤١) باب: ومِن سورة: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾، وابن ماجه في «المقدِّمة» (١/ ٣٠) باب (١٠)، وأحمد في «مسنده» (٢/ ٢٣٧) [طبعة شاكر]، مِن حديث عليٍّ رضي الله عنه.

(٤) أخرجه مسلمٌ في «القَدَر» (١٦/ ٢١٥) باب الإيمان بالقَدَر والإذعانِ له، وابن ماجه في «المقدِّمة» (١/ ٣١) باب (١٠) وفي «الزهد» (٢/ ١٣٩٥) باب (١٤)، وأحمد في «مسنده» (٢/ ٣٦٦، ٣٧٠)، وابن أبي عاصمٍ في «السنَّة» (١٥٧)، مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وفي بعض ألفاظه: «قدَّر اللهُ» بدل: «قَدَرُ اللهِ».

(٥) انظر: «التعليق النفيس في بيان عقيدة الإيمان بالقَدَر للإمام ابن باديس» .

(٦) انظر: «الاحتجاج بالقَدَر» لابن تيمية (٢٧)، «شرح مسلم» للنووي (١٦/ ٢١٥).

(٧) انظر: «شرح مسلم» للنووي (١٦/ ٢١٦)، «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٢٢٨).

(٨) انظر: «صحيح البخاري» كتاب «التمنِّي» (١٣/ ٢٢٤).

(٩) أخرجه البخاريُّ في «الحجِّ» (٣/ ٥٠٤) باب: تقضي الحائضُ المناسكَ كلَّها إلَّا الطواف، ومسلمٌ في «الحجِّ» (٨/ ١٦٣) باب بيان وجوه الإحرام، مِن حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

(١٠) أخرجه الترمذيُّ في «الزهد» (٤/ ٥٦٢) بابُ ما جاء: «مَثَلُ الدنيا مَثَلُ أربعةِ نَفَرٍ»، وابن ماجه في «الزهد» (٢/ ١٤١٣) باب النيَّة، مِن حديث أبي كبشة الأنماريِّ رضي الله عنه. قال الترمذيُّ: «حديثٌ حسنٌ صحيحٌ»، وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الترمذي» (٢٣٢٥) و«صحيح ابن ماجه» (٤٣٢٥).

(١١) أخرجه البخاريُّ في «الأنبياء» (٦/ ٤٣٣) باب حديث الخَضِر مع موسى عليهما السلام، ومسلمٌ في «الفضائل» (١٥/ ١٤١) باب فضائل الخَضِر عليه السلام، وهو جزءٌ مِن حديثٍ طويلٍ عن أُبَيِّ بن كعبٍ رضي الله عنه.

(١٢) «القول السديد» للسعدي (١٧٠).

(١٣) أخرجه مسلم في «القَدَر» (١٦/ ٢١٥) باب الإيمان للقَدَر والإذعان له، مِن حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(١٤) «شفاء العليل» لابن القيِّم (١/ ١٢١).

(١٥) «الجواب الكافي» لابن القيِّم (٣٩).

(١٦) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٨/ ٧٠).

(١٧) رواه ابن حبَّان في «صحيحه» (٢/ ٤٩) عن سُراقةَ بنِ مالكٍ رضي الله عنه.

(١٨) «شفاء العليل» لابن القيِّم (١/ ١١٩).