في حكم بيع الوقف | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 10 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 07 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١٠٠٤

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - الهبات

في حكم بيع الوقف

السـؤال:

هل يجوز شراء عقارات ومحلات أصلها وقف، عُرضت للبيع من الجهات المسئولة عن طريق المزايدة أو غيرها؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالأصلُ أنَّ الوقف الصحيحَ اللازمَ الذي يحصل به مقصود الوقف من الانتفاع لا يجوز بيعه ويمتنع شراؤه(١)، ولا يُشرع التصرُّف فيه بأيِّ شيءٍ يزيل وقفيتَه، لِمَا صحَّ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «أَصَابَ عمرُ أرضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أصَبْتُ أرضًا بخَيبَرَ لَمْ أُصِبْ مالاً قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقتَ بِهَا. قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ: أَنَّهُ لاَ يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلاَ يُبْتَاعُ وَلاَ يُورَثُ وَلاَ يُوهَبُ. قَالَ: فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الفُقَرَاءِ وَفِي القُرْبَى وَفِي الرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالضَّيْفِ، لاَ جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ». متفق عليه واللفظ لمسلم(٢).

وفي رواية البخاري: «تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ: لاَ يُبَاعُ وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ، فتَصَدَّقَ بِهِ»(٣).

فإن تعطَّلت منافع الوقف بالكلية ولَمْ يمكن الانتفاع به ولا تعميره وإصلاحه كدارٍ انهدمت، أو مَحَلِّ بيع قَلَّ العائدُ منه، أو أرض خربت وعادت مواتًا ولم يمكن عمارتها، أو مسجدٍ انتقل أهلُ القرية عنه أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه، فيجوز ‑عند تعطل منافعه‑ أن يُباع الوقف للحاجة ويُشْترى ما يقوم مقامه، وهو مذهب أحمد ورواية عن مالك واختاره ابن تيمية وابن القيم(٤) ‑رحمهم الله‑ ذلك لأنّ الوقف المحبوس إذا لم يحصل به المقصود قام بدله مقامه، فالمسجد إذا تخرب يباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه وهو مسجد آخر؛ لأنّ الواقف غرضه في الجنس، والجنس واحد، فصرفه في جنس المقصود أولى، وهو أقرب الطرق إلى مقصود الواقف.

ويدلّ على ذلك ما روي أنّ عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد رضي الله عنه لما بلغه أنه قد نُقِبَ بيت المال الذي بالكوفة: «أن انقل المسجد الذي بالتمَّارين، واجعل بيت المال ممَّا يلي القبلة؛ فإنه لا يزال في المسجد من يصلِّي»(٥)، وكان هذا بمشهد من الصحابة رضي الله عنهم ولم يظهر خلافه فكان إجماعًا(٦).

هذا وإذا تقرَّر جواز بيع الوقف عند تعطُّل منافعه فلا يجوز للناظر على الوقف الاستقلال بمفرده بتحقيق مناط تعطّل منافع الوقف، خشية أن يكون تحقيقه للمناط قاصرًا، لذلك يجب رفع الأمر إلى جهة مسؤولةٍ -فعلاً- أو إلى قاضي البلد ليشكل من أهل الخبرة جماعة لدراسة وضع الوقف، ثمَّ يباع ويصرف ثمنه في غيره ممَّا يكون وقفًا أولويًّا من جنسه، وذلك إذا كان تقرير الخبرة يقضي بتعطل منافعه.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٣ ربيع الثاني ١٤٣٠ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٩ مارس ٢٠٠٩م


(١) البيع كلمة جامعة مشتركة بين البيع والابتياع، وهي من الأضداد. [انظر: «الأضداد» للأنباري: (٧٣، ١٩٩)].

(٢) أخرجه البخاري كتاب «الشروط»، باب الشروط في الوقف: (٥/ ٧٠٨) ، ومسلم كتاب «الوصية»: (٢/ ٧٧٠)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(٣) أخرجه البخاري مُعلَّقًا: كتاب «المزارعة»، باب أوقاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأرض الخراج ومزارعتهم ومعاملتهم: (٥/ ٢٨٤).

(٤) انظر: «الكافي» لابن عبد البر: (٥٤١)، «المغني» لابن قدامة: (٥/ ٦٣١)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (٣١/ ٢٥٢)، «بدائع الفوائد» لابن القيم: (٣/ ١٢٨).

(٥) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير»: (٩/ ١٩٢)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

(٦) «المغني» لابن قدامة: (٥/ ٦٣٣).