في حكم اغتسال المرأةِ خارِجَ بيتها | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 9 ذي الحجة 1445 هـ الموافق لـ 15 يونيو 2024 م



الفتوى رقم: ١٠٠٦

الصنف: فتاوى الأسرة ـ المرأة

في حكم اغتسال المرأةِ خارِجَ بيتها

السؤال:

ما حكمُ امرأةٍ تَطهُرُ مِنَ الحيض أو تُصيبُها جنابةٌ وهي في مَحَلٍّ بعيدٍ عن مَقَرِّ سُكناها، ويُوجَدُ به حمَّامٌ انفراديٌّ؛ وهي تترك خروجَ الوقتين أو الثلاثة مِنَ الصلاة ليتسنَّى لها الرجوعُ إلى مَنْزِلها للاغتسال؛ لأنها سَمِعَتْ أنَّ المرأة لا يجوز لها أَنْ تَضَع ثيابَها في غيرِ بيتها؛ فهل يجوز لها ـ والحالُ هذه ـ أَنْ تتيمَّم وتصلِّيَ؟ أم تنتظرُ حتَّى ترجع إلى البيت فتغتسل ثمَّ تقضي ما فاتَها؟ وجزاكم اللهُ كُلَّ خيرٍ.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمرأةُ كالرَّجل في الحكم، لا يجوز لها أَنْ تُؤخِّر صلاتَها عن وقتها المحدَّد شرعًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا ١٠٣[النساء]، أي: أجلًا مُحدَّدًا لا يجوز تجاوُزُه إلَّا لعذرٍ؛ ورفعُ الجنابةِ والاغتسالُ مِنَ الحيض مِنْ لوازمِ صِحَّة الصلاة؛ فإِنْ وجدَتْ حمَّامًا انفراديًّا مأمونًا في المَحَلِّ الذي نزلَتْ فيه فلها أَنْ تغتسل فيه، ولا تُفوِّت الصلاةَ عن وقتها، كما لها أَنْ تغتسل في أيِّ مكانٍ يحصل فيه الأمنُ في سفرٍ أو حَضَرٍ ـ في الفندق كانَتْ أو في غيره ـ مِنْ غيرِ انتيابٍ للحمَّامات العامَّة أو الشعبيَّة؛ لقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «الحَمَّامُ حَرَامٌ عَلَى نِسَاءِ أُمَّتِي»(١)، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الحَمَّامَ»(٢)؛ لأنَّ المرأة في الحمَّامات الجماعيَّة ـ غالبًا ـ لا تستر عورتَها أمامَ النساء.

هذا، وحاجةُ المرأة في السفر للاغتسال معلومٌ بالضرورة، وإذا كان اغتسالُهَا للإحرام في الحجِّ والعمرة مشروعًا مع أنه على وجه الاستحباب ـ وهي في سفرها ـ فمِنْ بابٍ أَوْلى إذا كان الغُسلُ في حقِّها واجبًا.

أمَّا حديثُ: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنِ امْرَأَةٍ تَضَعُ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ أَحَدٍ مِنْ أُمَّهَاتِهَا إِلَّا وَهِيَ هَاتِكَةٌ كُلَّ سِتْرٍ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرَّحْمَنِ»(٣)، فإنَّ ظاهِرَه محمولٌ على التكشُّف للأجنبيِّ وعدمِ الاستتار بلباسِ التقوى؛ ويدخل في النهي ـ أيضًا ـ نزعُ الثياب في الحمَّامات العامَّة؛ ذلك لأنَّ الفضيحة تحصل بالتكشُّف وعدمِ المحافظة على ما أُمِرَتْ به مِنَ التستُّر بالجلباب عن الأجنبيِّ، فينال منها ما يحرِّك شهوتَه، ويطمع في المزيد، فتقع الهتيكةُ، والجزاءُ مِنْ جنس العمل.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٥ جمادى الأولى ١٤٣٠ﻫ
الموافق ﻟ: ١٠ مايو ٢٠٠٩م

 



(١) أخرجه الحاكم في «مُستدرَكه» (٧٧٨٤) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٣١٩٢)، وصحَّحه في «السلسلة الصحيحة» (٧/ ٢/ ١٢٩٢) رقم: (٣٤٣٩).

(٢) أخرجه الترمذيُّ في «الأدب» بابُ ما جاء في دخول الحمَّام (٢٨٠١) مِنْ حديثِ جابرٍ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٥٠٦)، وصحَّحه في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٦٤).

(٣) أخرجه أحمد في «مسنده» (٢٧٠٣٨)، والطبرانيُّ في «المعجم الكبير» (٢٤/ ٢٥٣)، مِنْ حديثِ أمِّ الدرداء رضي الله عنها. والحديث صحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (٧/ ٢/ ١٣٠٧) رقم: (٣٤٤٢) و«صحيح الترغيب والترهيب» (١/ ١٨١)، وانظر: «مَجمَع الزوائد» للهيثمي (١/ ٢٧٧).

قال المُناويُّ ـ رحمه الله ـ في «فيض القدير» (٣/ ١٣٦): ««وَضَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا»: كنايةٌ عن تكشُّفها للأجانب وعدمِ تستُّرها منهم. «فَقَدْ هَتَكَتْ سِتْرَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»: لأنه تعالى أنزل لباسًا ليُوارِينَ به سوءاتِهنَّ وهو لباسُ التقوى، وإذا لم تَتَّقين اللهَ وكَشَفْنَ سوءاتِهنَّ هَتَكْنَ السِّتْرَ بينهنَّ وبين الله تعالى، وكما هتَكَتْ نَفْسَها ولم تَصُنْ وجهَها وخانَتْ زوجَها يهتكُ الله سِتْرَها، والجزاءُ مِنْ جنس العمل».