في معنى القذف | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 18 صفر 1441 هـ الموافق لـ 17 أكتوبر 2019 م



الفتوى رقم: ١٠٣٦

الصنف: فتاوى الحدود والديات - الحدود

في معنى القذف

السـؤال:

ماهو القذف؟ وما هي صوره في الوقت الحاضر؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالقذف في اصطلاح الفقهاء هو الرمي بزنا، أو لواط، أو نفي نسب، يوجب الحد فيهما. والقذف مُحرَّم شرعًا، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣]، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» عدَّ منها قذفَ المحصناتِ الغافلاتِ المؤمناتِ(١).

ولا خلاف بين العلماء على أنَّ القذف محرَّمٌ قطعًا، وعدُّوه من الكبائر الموبقات.

وللقذف أركانٌ وهي: القاذف والمقذوف والمقذوف به، ولكل ركنٍ شروطٌ ترتبط به حتى يتحقَّق القذف، ويستحقُّ القاذفُ العقوبةَ المقرَّرة عليه صيانةً لأعراض المسلمين عن الألفاظ القذرة الملطِّخة لأعراض الأبرياء بالتدنيس.

والمقذوف به على ثلاثة أقسام: فقد يكون باللفظ الصريح أو الكنائي أو بالتعريض.

ومن صُوَر ألفاظ الصيغة الصريحة «يا زاني» أو «يا زانية»، «يا عاهر» أو «يا عاهرة»، أو «يا لوطي»، فهذه ألفاظٌ لا تحتمل غير القذف ولا تُفَسَّر إلاَّ به، ويدخل في هذا المعنى كلُّ عبارةٍ تُجْرَى مجرى التصريح كنفي نَسَبِه عنه، كأن يقول لزوجته التي وضعت له مولودًا: «هذا ليس بابني» أو «هذا ابن غيري» ونحو ذلك.

ومن صور ألفاظ الصيغة الكنائية: «يا فاجر» أو «يا فاجرة»، «يا فاسق» أو «يا فاسقة»، «يا خبيث» أو «يا خبيثة»، فهذه ألفاظ محتملة للقذف ولغيره، إذ قد يكون المراد بالفاجر أو الفاسق أو الخبيث غير معنى الزنا أو اللواط، أي: قد يراد به العصيان أو خبث الطبع.

ومن صور ألفاظ الصيغة التعريضية: أن يقول المخاصم لخصمه: «ما أنا بزانٍ ولا أمي بزانية»، فهذا كالذي قبله يحتمل لفظُه لمعنى القذف ولغيره، ومع وجود هذا الاحتمال فإنَّ الحدود تدرأ بالشبهات، باستثناء ما إذا احتفت ألفاظه المحتملة بالقرائن التي تقوِّي معنى القذف وتخلّفت –عندئذ- الشبهة، فإنَّ اللفظ بهذا الاعتبار يوجب الحدَّ وإلاَّ فلا.

ومع ذلك فقد يُسْقِطُ المقذوف حقَّه بالعفو عن القاذف، ولا يُقام الحدُّ على القاذف إلاَّ بطلب المقذوف إجماعًا(٢)، وفي حالة ما إذا أسقط عنه الحدَّ فإنَّ القاضي يعزِّره، وله السلطة التقديرية في تقرير العقوبة الرادعة له.

وهذا الحكم إنما يتقرَّر عند عامة الناس، وهو معنًى لا يُخْرِجُ صاحبه من الملَّة، بخلاف رمي خواصِّ الناس ممَّن اصطفاهم الله بالرسالة أو النبوة ونحو ذلك، فإنَّ من قذف نبيًّا أو رسولاً يُعدُّ كفرًا وردَّةً عن الإسلام، وكذلك قذفُ مريم عليها السلام، وابنِها عيسى عليه السلام، وأزواجِ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فهو كقذفه في الحكم(٣).

والعلمُ عند الله تعالى، وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٤ من المحرَّم ١٤٣١ﻫ
الموافق ﻟ: ٣١ ديسمبر ٢٠٠٩م


(١) أخرجه البخاري كتاب «الوصايا»، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾: (٢/ ٣١)، ومسلم كتاب «الإيمان»: (١/ ٥٤)، رقم: (١٤٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية: (٣٥/ ١٢٣).

(٣) «الصارم المسلول» لابن تيمية: (١/ ٥٦٨، ٥٩٦).