في حكم الزيادة على المبلغ الحقيقي في الفاتورة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 19 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 20 أغسطس 2019 م



الفتوى رقم: ١٠٤٢

الصنـف: فتاوى المعاملات المالية - البيوع

في حكم الزيادة على المبلغ الحقيقي في الفاتورة

السـؤال:

أعمل بائعًا في محجرة أحد الخواصِّ، ويطلب منِّي وكلاء الزبائن خَفْضَ الثمن، فأجاريهم بإذنٍ من صاحب المحلِّ، وعند تحرير الوصل أو الفاتورة يطلبون كتابتَها بالثمن الأصليِّ دون الثمن المنقوص، فما حكم هذا العمل؟ وبارك الله فيكم.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإثباتُ زيادةٍ إضافيةٍ على المبلغ الحقيقيِّ في الفاتورة منكرٌ لاشتماله على الكذب والزور والغشٍّ من جهة، وهو منهيٌّ عنه بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «..إِيَّاكُمْ وَالكَذِبَ، فَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»(١)، ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»(٢)، والوصل المستعمل بمثابة شهادة زورٍ، وقد نهى الشرع عن الزور وعَدَّهُ من أكبر الكبائر(٣).

كما يتضمَّن -من جهةٍ أخرى- التعاونَ مع صاحب الشاحنة إن كان وكيلاً على أكلِ مال موكِّله بالباطلِ، حيث يُثبت له بواسطة الفاتورة المبلغَ الكاذب ليأخذ منه زائدًا عن أجرةِ وكالته، فإن لم يكن وكيلاً فإنه يغشُّ الناس أيضًا بواسطة الفاتورة على أنه اشتراها بالمبلغ الموضوع فيها، ليعطوا له أزيدَ منها، وَكِلاَ الأمرين يدخلان في عموم قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]، وقولِه صلى الله عليه وآله وسلم: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ»(٤)، وقولِه صلى الله عليه وآله وسلم: «لاَ يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلاَّ بِطِيبٍ نَفْسٍ مِنْهُ»(٥)، وعليه فلا يُشرع التعاون معه على هذا الإثم والاعتداء بواسطة الفاتورة الكاذبة لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].

هذا، ولا يدخل إذن مالك المحجرة ورضاه في هذا التصرُّف الممنوع شرعًا؛ لأنَّ تحريم الغِشِّ والزور والخداع والكذب ونحوها من حقوق الله تعالى التي لا تقبل التراضيَ والإذن، بل المالك إن علم مَنْعَها ورضيَ بها فقَدْ وقع في معصيةٍ وإن لم يفعلها؛ لأنَّ الرضا بالذنب ذنبٌ، والإعانة على معصيةٍ ولو بالإذن والترخيص معصيةٌ.

وأخيرًا، فالواجب على الوكيل وغيرِه أن يؤدِّيَ الأمانةَ إلى من ائتمنه، ويُقلِع عن التعدِّي على أموال الناس بالحيلة والكذب والخداع، وعليه أن يندم ويتوب ويستتبع توبتَه بالاستغفار والعمل الصالح، ومِن شرط التوبة التخلُّصُ من المال الحرام، وردُّ المظالم إلى أهلها، فإن لم يُعرفوا أنفقها في مصالح المسلمين ومنافعِهم.   

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٢ ربيع الأوَّل ١٤٣١ﻫ
الموافق ﻟ: ١٦ فبراير ٢٠١٠م


(١) أخرجه البخاري في «الأدب» باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ وما يُنهى عن الكذب (٦٠٩٤)، ومسلم في «البرِّ والصلة والآداب» رقم (٢٦٠٧)، من حديث عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه.

(٢) أخرجه مسلم في «الإيمان» رقم (١٠١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٣) أخرجه البخاري في «الأدب» بابٌ: عقوق الوالدين من الكبائر (٥٩٧٦)، ومسلم في «الإيمان» (٨٧)، من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، ولفظه عند البخاري: «أَلاَ أُنْبِئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟» قلنا: «بلى يا رسول الله» قال: «الإِشْرَاكُ بِاللهِ وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ» -وكان متكئا فجلس- فقال: «أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ». فما زال يقولها حتى قلت: لا يسكت.

(٤) أخرجه مسلم في «البرِّ والصلة والآداب» (٢٥٦٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٥) أخرجه أحمد في «مسنده» (٢٠٦٩٥)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١١٥٤٥)، من حديث حنيفة الرقاشي رضي الله عنه، والحديث صحَّحه الألباني في «صحيح الجامع» (٧٦٥٦).