في مداراة الرَّجلِ زوجتَه باليمين الكاذبة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 12 ذي القعدة 1445 هـ الموافق لـ 20 مايو 2024 م



الفتوى رقم: ١٠٤٤

الصنف: فتاوى الأسرة ـ عقد الزواج ـ آداب الزواج

في مداراة الرَّجلِ زوجتَه باليمين الكاذبة

السؤال:

هل يجوز للزوج أَنْ يحلف بالله كذبًا على زوجته مِنْ أجل الإصلاح إذا ما اضطُرَّ إلى ذلك؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمعلوم أنَّ الأصل في الكذب أنه حرامٌ لِذاته إذا كان لجلبِ نفعٍ مُجرَّدٍ، وهو مِنَ الكبائر لكونه مُتوعَّدًا بلعنةٍ؛ قال تعالى: ﴿فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ ٦١[آل عمران]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِ‍َٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٠٥[النحل]، ولقوله صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: «وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ»(١)، فإِنِ انضمَّ إليه حَلِفٌ بالله صارَتِ اليمينُ غموسًا، وسُمِّيَتْ بذلك لأنها تَغمِسُ صاحِبَها في الإثم ثمَّ في النار، وقد جاء في الحديث: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»، قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: «خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟» قَالَ: «المُسْبِلُ، وَالمَنَّانُ، وَالمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بالحلفِ الكَاذِبِ»(٢).

أمَّا إذا كان الكذبُ لغرضِ إصلاحِ ذات البَيْن أو لدفعِ ظُلمٍ أو ضررٍ أعظمَ مِنَ الكذب مَفْسَدةً فقَدْ ثَبَت مِنْ حديثِ أُمِّ كلثومٍ بنتِ عُقبةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ رضي الله عنها قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم يَقُولُ: «لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُولُ خَيْرًا»، وفي روايةِ مسلمٍ وأحمد زيادةٌ: قالت: «لَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: فِي الحَرْبِ، وَالإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثِ المَرْأَةِ زَوْجَهَا»(٣).

قال ابنُ حزمٍ ـ رحمه الله ـ: «واتَّفقوا على تحريم الكذب في غيرِ الحرب وغيرِ مداراة الرجلِ امرأتَه وإصلاحٍ بين اثنين ودفعِ مَظْلَمةٍ»(٤).

غير أنَّ العلماء يختلفون في الكذب الواردِ في الحديث: أهو الكذبُ الصريح أم مجرَّدُ التورِيَة(٥)، باعتبارها كذبًا لقصدِ المُتكلِّم بها إفهامَ المُخاطَبِ خلافَ قصدِه، ولو قَصَد بها المتكلِّمُ معنًى صحيحًا في ذاتِه على نحوِ ما جاء على لسانِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم يَعْتذِرُ عن الشفاعةِ بأنَّه كَذَبَ ثلاثَ كذباتٍ(٦)، علمًا بأنَّ إبراهيم عليه السلام ورَّى ولم يكذب الكذبَ الصريح، وسَمَّى النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم تورِيَتَه كذبًا(٧)؛ لأنَّ كلامه كان على خلافِ ظاهره بالنسبة إلى الإفهام.

وفي تقديري أنَّ أقربَ القولين صحَّةً هو أنَّ المرادَ بالكذب في الحديث: التوريةُ لا الكذبُ الصريح، قال ابنُ القيِّم ـ رحمه الله ـ في مَعْرِض ردِّه على مَنْ يقول: «يَحْسُنُ الكذبُ إذا تضمَّن عصمةَ نَبِيٍّ أو مسلمٍ» ما نصُّه: «لا نسلِّم أنه يَحْسُنُ الكذبُ فضلًا عن أَنْ يجب، بل لا يكون الكذبُ إلَّا قبيحًا، وأمَّا الذي يَحْسُنُ فالتعريضُ والتوريةُ، كما ورَدَتْ به السُّنَّةُ النبويَّة، وكما عَرَّض إبراهيمُ للملكِ الظَّالم بقوله: «هَذِهِ أُخْتِي» لزوجته، وكما قال: «إِنِّي سَقِيمٌ» فعرَّض بأنه سقيمٌ قلبُه مِنْ شِرْكهم، أو سيَسْقَمُ يومًا ما، وكما فَعَل في قوله: ﴿قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡ‍َٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ ٦٣[الأنبياء](٨)، فإنَّ الخبرَ والطَّلَبَ كلاهما مُعلَّقٌ بالشرط، والشرطُ مُتَّصِلٌ بهما، ومع هذا فسمَّاها صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: ثلاثَ كذباتٍ، وامتنع بها مِنْ مَقامِ الشفاعة، فكيف يصحُّ دعواكم أنَّ الكذب يجب إذا تضمَّن عِصمةَ مسلمٍ مع ذلك؟!

فإِنْ قِيلَ: «كيف سمَّاها إبراهيمُ كذباتٍ وهي توريةٌ وتعريضٌ صحيحٌ؟».

فنقول: الكلام له نِسبتان: نسبةٌ إلى المتكلِّم وقصدِه وإرادته، ونسبةٌ إلى السَّامع وإفهام المتكلِّمِ إيَّاه مضمونَه:

ـ فإذا أخبرَ المتكلِّمُ بخبرٍ مُطابِقٍ للواقع وقَصَد إفهامَ المخاطَب فهو صِدْقٌ مِنَ الجهتين.

ـ وإِنْ قَصَد خِلافَ الواقع وقَصَد مع ذلك إفهامَ المخاطَب خلافَ ما قَصَد، بل معنًى ثالثًا لا هو الواقع ولا هو المراد، فهو كذبٌ مِنَ الجهتين بالنسبتين معًا.

ـ وإِنْ قصد معنًى مُطابِقًا صحيحًا وقَصَد مع ذلك التعميةَ على المخاطَب وإفهامَه خِلافَ ما قَصَده فهو صدقٌ بالنسبة إلى قصده، كذبٌ بالنسبة إلى إفهامه؛ ومِنْ هذا البابِ: التَّوريةُ والمعاريضُ؛ وبهذا أَطلقَ عليها إبراهيمُ الخليلُ عليه السلام اسْمَ الكذب، مع أنه الصَّادقُ في خبره، ولم يُخبِرْ إلَّا صدقًا.

فتَأمَّلْ هذا الموضعَ الذي أَشكلَ على الناس، وقد ظَهَر بهذا أنَّ الكذب لا يكون قَطُّ إلَّا قبيحًا، وأنَّ الذي يحسن ويجب إنما هو التوريةُ وهي صِدقٌ، وقد يُطلَقُ عليها الكذبُ بالنسبة إلى الإفهام لا إلى العناية»(٩).

فإذا تقرَّر هذا، فعلى الزوج أَنْ يتحرَّز مِنَ الكذب الصريح بَلْهَ الحلف بالله عليه، وإذا اقتضَتِ الضرورةُ أو دعَتْ إليه المصلحةُ فعليه بالتورية والمعاريض، فإنَّ فيها لَمندوحةً عن الكذب الصريح، فإِنْ أَقسمَ بالله مُورِّيًا فلا حَرَجَ عليه في ذلك؛ لأنَّ حكم المعاريضِ الجوازُ عند الحاجة أو المصلحة، أي: في حالةِ إحقاقِ الحقِّ أو إبطالِ الباطل، ولا يجوز في حالةِ إحقاق الباطل أو إبطالِ الحقِّ، ولكنَّ الأَوْلى تركُ القَسَم به؛ لقوله تعالى: ﴿وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ[المائدة: ٨٩].

وممَّا يجدر التنبيهُ له: أنَّ الترخيص في المعاريض والتورية في مداراة الرَّجلِ امرأتَه تقصُّدًا لتحقيق مصلحة الوئام والمحبَّة بينهما لا ينبغي التوسُّعُ فيها والإكثارُ منها؛ لأنَّ المُغرِق في الترخيص بالتورية قد ينكشف أمرُه يومًا ما لزوجته؛ الأمرُ الذي قد يعكِّر على صفو العلاقة الزوجيَّة بإحلال النفرة مَحَلَّ الأُلفة، وذلك نقيضُ ما كان يصبو إليه بالمعاريض والتورية.

وفي هذه المسألةِ فإنَّ القول في الرَّجل مع المرأة كالقول في المرأة مع الرجل ولا فَرْقَ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٢ ربيع الأوَّل ١٤٣١ﻫ
الموافق ﻟ: ٨ مارس ٢٠١٠م

 



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأدب» بابُ قول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩[التوبة] وما يُنهى عن الكذب (٦٠٩٤)، ومسلمٌ في «البرِّ والصِّلة والآداب» (٢٦٠٧)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ مسعود رضي الله عنه.

(٢) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (١٠٦) مِنْ حديثِ أبي ذرٍّ رضي الله عنه.

(٣) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الصلح» باب: ليس الكاذب الذي يُصلِحُ بين الناس (٢٦٩٢)، ومسلمٌ في «البرِّ والصِّلَة والآداب» (٢٦٠٥)، وأحمد في «مسنده» (٢٧٢٧٢)، مِنْ حديثِ أمِّ كلثومٍ بنتِ عُقبةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ رضي الله عنها.

(٤) «مراتب الإجماع» لابن حزم (١٥٦).

(٥) قال الجرجانيُّ في «التعريفات» (٧١): «التورية: هي أَنْ يريد المتكلِّمُ بكلامه خِلافَ ظاهِره، مِثل أَنْ يقول في الحرب: «مات إمامُكم»، وهو ينوي به أحَدًا مِنَ المتقدِّمين».

(٦) انظر الحديثَ المُتَّفَقَ عليه: الذي أخرجه البخاريُّ في «تفسير القرآن» باب: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا ٣[الإسراء] (٤٧١٢)، ومسلمٌ في «الإيمان» (١٩٤)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٧) انظر الحديثَ المُتَّفَقَ عليه في قصَّة إبراهيم عليه السلام: الذي أخرجه البخاريُّ في «أحاديث الأنبياء» بابُ قول الله تعالى: ﴿وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا ١٢٥[النساء] (٣٣٥٧، ٣٣٥٨)، ومسلمٌ في «الفضائل» (٢٣٧١)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٨) تقدَّم تخريجه قريبًا.

(٩) «مفتاح دار السعادة» لابن القيِّم (٢/ ٣٩٤ ـ ٣٩٦) [بتصرُّف يسير].