في حكم الخدمات المصرفية مقابل الاقتراض | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 26 شوال 1438 هـ الموافق لـ 20 يوليو 2017 م



الفتوى رقم: ١٠٥٦

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - القرض والصرف

في حكم الخدمات المصرفية مُقابِلَ الاقتراض

السؤال:

هل يجوز لمقترِضٍ مِنْ بنكٍ أَنْ يعتبرَ ما يدفعه مِنْ نسبةٍ ضئيلةٍ مُقابِلَ القرض مجرَّدَ رسومٍ وتكاليفَ تَستلزِمُ هذه المعامَلةُ وجودَها؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فمضمونُ السؤال يَندرِجُ في صورةِ: «أَنْظِرْنِي أَزِدْكَ»، وهي إحدى صورتَيْ رِبَا الديون التي اتَّفق العلماءُ على تحريمها، وهي معدودةٌ مِنَ الكبائر، قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ: «أجمع المسلمون على تحريمِ الرِّبا، وعلى أنه مِنَ الكبائر، وقِيلَ: إنه كان محرَّمًا في جميع الشرائع، وممَّنْ حكاهُ الماورديُّ»(١)، ومستَنَدُ الإجماعِ آياتٌ كثيرةٌ نهى اللهُ تعالى فيها المؤمنَ عن أكلِ الرِّبا وأَمَرَهُ بالتقوى، وهدَّد الذين لا يستجيبون لنهيِه بالمحارَبة والوعيد، منها: قولُه تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨ فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ[البقرة: ٢٧٨ ـ ٢٧٩]، وقولُه تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٣٠ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيٓ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ١٣١ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٣٢[آل عمران]، وقولُه تعالى: ﴿فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧٥[البقرة]، وقد أَمَرَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم باجتناب الرِّبَا وعدَّهُ أحَدَ المُوبِقاتِ السبع(٢) التي تُهْلِكُ صاحِبَها في الدنيا والآخرة، كما «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ»(٣).

هذا، ولا فَرْقَ في التحريم في شريعة الإسلام في حَجْمِ الزيادة المشروطة في عقد القرض مِنْ حيث كثرتُها وقلَّتُها، ولا فَرْقَ بين الزيادة في القَدْر أو في الصفة، ويستوي الناسُ في التحريم، سواءٌ اتَّحدَتْ ديانتُهم وديارُهم أو اختلفَتْ؛ فهو ـ إذَنْ ـ تحريمٌ كُلِّيٌّ شاملٌ لكُلِّ أنواعه، قال ابنُ قدامة ـ رحمه الله ـ: «وكُلُّ قرضٍ شَرَطَ فيه أَنْ يزيدَه فهو حرامٌ بغير خلافٍ، قال ابنُ المنذر: «أجمعُوا على أنَّ المُسْلِفَ إذا شَرَطَ على المُسْتَسْلِفِ زيادةً أو هديَّةً فأَسْلَفَ على ذلك: أنَّ أَخْذَ الزيادةِ على ذلك رِبًا»، وقد رُوِيَ عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ وابنِ عبَّاسٍ وابنِ مسعودٍ أنهم نَهَوْا عن قرضٍ جرَّ منفعةً، ولأنه عقدُ إرفاقٍ وقُرْبةٍ؛ فإذا شَرَطَ فيه الزيادةَ أخرجه عن موضوعه، ولا فَرْقَ بين الزيادة في القَدْر أو في الصفة»(٤)، وقال النوويُّ ـ رحمه الله ـ: «يستوي في تحريم الرِّبَا الرجلُ والمرأةُ والعبدُ والمكاتبُ بالإجماع، ولا فَرْقَ في تحريمه بين دار الإسلام ودارِ الحرب؛ فما كان حرامًا في دار الإسلام كان حرامًا في دار الحرب، سواءٌ جَرَى بين مسلمَيْنِ أو مسلمٍ وحربِيٍّ، سواءٌ دَخَلَها المسلمُ بأمانٍ أم بغيره، هذا مذهبُنا، وبه قال مالكٌ وأحمدُ وأبو يوسفَ والجمهورُ»(٥).

والمعلومُ أنَّ الدِّعَايَةَ اليهوديةَ التي أضلَّتْ بها النصارى الذين كانوا يحرِّمون الرِّبَا إنما هي مِنْ شبهتين تَلقَّفَهما بعضُ بني جِلْدتِنا ووَقَعوا فيهما وهُما:

الأولى: التفريقُ بين الرِّبَا والفائدة: فالرِّبَا المحرَّمُ ـ عندهم ـ هو ما كانَتِ الزيادةُ فاحشةً على الرأسمال المقترَض.

وأمَّا الفائدةُ الجائزةُ فهي الزيادةُ المعتدِلَةُ التي جَرَتْ تسميتُها في عُرْف البنوك بمعدَّل الفائدة أو النسبة المئوية أو سِعْرِ الفائدة.

وبهذا التفريقِ أجازوا الفائدةَ الربوية وأناطوا التحريمَ بالكثرة دون القلَّة المعتدِلة واعتبروها فائدةً جائزةً.

الثانية: التفريقُ بين القروض الإنتاجية والاستهلاكية: فإذا ورَدَتِ الزيادةُ على القروض الاستهلاكية المأخوذةِ مِنْ قِبَلِ المستقرِض لحاجته المعيشية أو لمآرِبِه الشخصية فهي مِنَ الرِّبَا المحرَّم.

وأمَّا الزيادةُ المشترَطَةُ على القروض الإنتاجية فليسَتْ ـ عندهم ـ مِنَ الرِّبَا المحرَّم، وإنما هي فائدةُ عدلٍ مُباحةٌ، معلِّلِين ذلك بأنَّ المستقرِضَ المُنْتِجَ يستخدم أموالَ المُقْرِضِ في مَشاريعِه العمرانية والتجارية والإنمائية؛ فمِنَ الإنصاف والعدلِ ـ الذي يرَوْنه ـ استفادةُ المُقْرِض ممَّا عَمِلَ به المُسْتقرِضُ، وليس هذا مِنَ الرِّبَا المحرَّم.

ولا يخفى ضعفُ ما تَقدَّمَ معلَّلًا بالتفريق في الشبهتين وفسادُ اعتباره؛ لمُقابَلتِه عمومَ النصوص الشرعية والإجماعَ المنعقِدَ على تحريمه مِنْ غيرِ تفريقٍ كما سَبَقَ بيانُه، ولأنَّ الشرع اعتبره ظلمًا، وهو مِنْ أكلِ أموال الناسِ بالباطل مهما اختلفَتْ صِفَتُه ومقدارُه، ويدلُّ عليه عمومُ قولِه تعالى: ﴿وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٩[البقرة]، وقوله تعالى ـ في شأن اليهود ـ: ﴿فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا ١٦٠ وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦١ [النساء]، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم فيما يرويهِ عن ربِّه: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا»(٦)، واشتراطُ الزيادةِ مهما قلَّتْ يُنافي موضوعَ عَقْدِ القرض الذي هو الإرفاقُ والقُرْبة.

هذا، وتسميةُ الزيادةِ الربوية الناجمةِ عن الاقتراض باسْمِ: رسومٍ مفروضةٍ أو تكاليفَ بنكيةٍ أو خدماتٍ مصرفيةٍ مُقابِلَ الاقتراض لا تُغيِّرُ مِنْ أصل المُعامَلةِ الربوية في شيءٍ؛ لأنَّ العبرة بالحقيقة والمسمَّى لا بالألفاظ والتسمية؛ فكُلُّ إقراضٍ نظيرَ فائدةٍ يُعَدُّ مُعامَلةً ربويَّةً محرَّمةً، لا يزول إثمُ تحريمِه إلَّا إذا اقترنَتْ بها ضرورةٌ مُلِحَّةٌ مُستجمِعَةُ الضوابط؛ فإنَّ الإثم يرتفع مِنْ جانِب المضطَرِّ فقط، وهو متروكٌ لدِينِه في تقديرها(٧).

وإذا كان حكمُ المعامَلةِ مع البنوك بالقروض الربوية لا يجوز ـ شرعًا ـ فإنَّ مِنْ أعمال البنوك الأخرى كالسفتجاتِ الداخلية وخطاباتِ الاعتماد وصرفِ مَبالِغِ الشيكات ونحوِ ذلك مِنَ الخدمات المقدَّمة فالظاهرُ جوازُها ـ وخاصَّةً للمحتاج ـ بشرطِ تحديدِ قيمة الخدمة بسعرٍ معتدِلٍ لا بالنسبة المئوية؛ لئلَّا تزيدَ عن القيمة المطابِقَةِ لحقيقةِ ما يُقدِّمُه المصرفُ مِنْ خدماتٍ أوَّلًا، وأَنْ لا يرضى ـ ثانيًا ـ بمُعامَلات البنوك الربوية عن طريقِ أنواع الإقراض نظيرَ فائدةٍ مشترَطةٍ ـ صراحةً ـ أو مقنَّعةٍ بالبيع أو الاستثمار؛ تفاديًا للاشتراك في الإثم والمعصية؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِذَا عُمِلَتِ الخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا ـ وقال مرَّةً: أَنْكَرَهَا ـ كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا»(٨).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٦ ربيع الثاني ١٤٣١ﻫ
الموافق ﻟ: ٠١ أبريل ٢٠١٠م

 


(١) «المجموع» للنووي (٩/ ٣٩١).

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الوصايا» بابُ قولِ الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا ١٠[النساء] (٢٧٦٦)، ومسلمٌ في «الإيمان» (٨٩)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٣) أخرجه مسلمٌ في «المساقاة والمزارَعة» (١٥٩٨) مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما.

(٤) «المغني» لابن قدامة (٤/ ٣٥٤).

(٥) «المجموع» للنووي (٩/ ٣٩١).

(٦) جزءٌ مِنْ حديثٍ: أخرجه مسلمٌ في «البرِّ والصلة» (٢٥٧٧) مِنْ حديثِ أبي ذرٍّ رضي الله عنه.

(٧) انظر ضوابطَ الضرورةِ الشرعية على الموقع الرسميِّ في الفتوى رقم: (٦٤٣) الموسومة ﺑ: «في ضوابط قاعدةِ: «الضروراتُ تبيح المحظورات»».

(٨) أخرجه أبو داود في «المَلاحم» بابُ الأمر والنهي (٤٣٤٥) مِنْ حديثِ العُرْس بنِ عَميرةَ الكنديِّ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «المشكاة» (٣/ ١٤٢٢) وفي «صحيح الجامع» (٦٨٩).