في إلزام المتبرِّع بدفع قيمةٍ معلومةٍ سنويًّا للمسجد | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 17 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 14 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١٠٥٧

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - الهبات

في إلزام المتبرِّع بدفع قيمةٍ معلومةٍ سنويًّا للمسجد

السؤال:

مسجدٌ يحتاج إلى المال منذ سنواتٍ مِن أجلِ توسعةٍ ضروريةٍ، ولم يُفْلِحِ القائمون عليه في إقناعِ جمهور المُصَلِّين بالتبرُّع لفائدةِ المسجدِ إلَّا أفرادًا قليلين لم يُغْنُوا شيئًا؛ فابتكروا وسيلةً لتكثيرِ التبرُّعات وتنظيمِها بإنشاءِ دفترٍ للمتبرِّعين حثُّوا الناسَ على التسجيل فيه، فمَن رَضِيَ سجَّلوا اسْمَه والمبلغَ الذي يلتزم بدَفْعِه شهريًّا، مع الْتزامِه بإحضارِ الوثيقةِ الدالَّةِ على دَفْعِ التبرُّع وإنجازِه وَعْدَه مِن مركز البريد، وقد كان الإقبالُ عليه حَسَنًا، إلَّا أنه عارَضَ هذه الفكرةَ بعضُ الناسِ وقالوا: هذا إجبارٌ غيرُ مَرْضِيٍّ وإفسادٌ للنيَّاتِ، والتبرُّعُ سرًّا أفضلُ، وردَّ أصحابُ فكرةِ الدفتر بأنَّ هذا مِن باب التعاون على البرِّ والتقوى والحثِّ عليهما، وبأنه لا ينافي الإعلانُ الإخلاصَ، فماذا تَرَوْنَ حَفِظَكم اللهُ؟ أَفْتونا مأجورين.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمسجدُ وَقْفٌ خيريٌّ، والتبرُّعُ بالمالِ لعمارته قُرْبةٌ مُسْتحَبَّةٌ في الإسلام بلا خلافٍ، وتدوينُ الدفعات المالية للمتبرِّعين في دفاترَ وقوائمَ لضبطِ مداخيلِ الوقفِ ومصاريفِ الإنفاقِ عليه أمرٌ آكدٌ حرصًا على حِفْظِ أماناتِ المتبرِّعين والتأكُّدِ مِن تحقيقِ شرطِ الواقفِ.

غيرَ أنَّ إلزامَ المتبرِّعِ بدفعِ قيمةٍ معلومةٍ شهريًّا ـ ولو كان الإقبالُ على هذا العملِ مكثَّفًا ـ يُنافي حُكْمَ الوقفِ واستحبابَ التبرُّعاتِ.

لذلك لا يجوز ـ شرعًا ـ إلزامُ المتبرِّعِ بدفعِ نصيبٍ مُحَدَّدٍ في زمنٍ معيَّنٍ، وإنَّما يُرَغَّب في البذلِ الماليِّ بِحَسَبِ الوُسْعِ والإمكان، وله إظهارُ صَدَقتِه أو إخفاؤُها، سواءٌ كانَتِ الصدقةُ فرضًا أو نفلًا، وإخفاؤُها أفضلُ مِن إبدائِها لقوله تعالى: ﴿إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ[البقرة: ٢٧١]، ولقولِه تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ[البقرة: ٢٧٤]، وهذا بشرطِ أنْ لا يَقْترِنَ الإنفاقُ بالرياءِ والمَنِّ في الصدقاتِ والعطايَا المُبْطِلَين لها لقولِه تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ[البقرة: ٢٦٤]، ولحديثِ أبي ذرٍّ الغِفَاريِّ رضي الله عنه عنِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.. المُسْبِلُ وَالمَنَّانُ وَالمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالحَلِفِ الْكَاذِبِ»(١).

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٥ رجب ١٤٣١ﻫ
الموافق ﻟ: ١٧ جوان ٢٠١٠م


(١) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (١٠٦) مِن حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه.