في عواقب التحامل في موارد الاجتهاد | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 23 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 20 نوفمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١٠٥٨

الصنـف: فتاوى منهجية

في عواقب التحامل في موارد الاجتهاد

السـؤال:

ما بيّنتموه -أعزّكم الله- في توضيحِ حكمِ الاختلاطِ، أنّه محرّمٌ لغيرِه بالأصالةِ وجائزٌ في حالاتِ الحاجةِ والاضطرارِ بقَدْرِه، فما هي عواقبُ موقفِ الْمُدَنْدِنين المتحاملين منَ النّاشئةِ المعترِضين على فتواكم التي ظهر لنا صوابُها -إن شاء الله تعالى-؟ أفيدونا جزاكم اللهُ خيرًا.

الجـواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمّا بعد:

فهذا ما تبيّن لي في مسألةِ الاختلاطِ -بعد تأمُّلٍ ونظرٍ-، وقد أرفقتُ الرّأيَ بأدلّةٍ ظاهرةٍ عندي، مُجَنِّبًا في ذلك التّعصُّبَ والتّهويلَ، ومستأنسًا بفتاوى فحولِ أئمّتِنا، سائلاً اللهَ السّدادَ في إصابةِ الحقِّ، فإنْ كانتِ الأخرى فعزائي أنّي اجتهدتُ، ولكلِّ مجتهدٍ نصيبٌ.

علمًا أنّ مسألةَ الاختلاطِ في بُعدِها وخطرِها ومكانِ تواجدِ فتنتِها والاضطرارِ إليها من مسائلِ الاجتهادِ الفقهيِّ الذي لا ينبغي أن يُوجِبَ عداوةً بين الإخوةِ في الإيمانِ، لاختلافِ النّاسِ في قوّةِ اجتهادِهم ونظرِهم وسَعَةِ مداركِهم وعلمِهم بأحوالِ بلدِهم وقطرِهم، كما لا ينبغي أن يصحبَ الخلافَ الفقهيَّ تعصُّبٌ للرّأيِ وتعنُّتٌ في الموقفِ، الأمرُ الذي يُفْضِي إلى العداوةِ والبغضاءِ والتّقاطعِ والتّدابرِ، وما يستتبعه من هشاشةِ الرّوابطِ الأخويّةِ وانفصالِها بأدنى خلافٍ فقهيٍّ.

ولا يخفى أنّ مصادرَ الفقهِ المقارِنِ كـ:«المحلّى» لابنِ حزمٍ، و«بداية المجتهدِ» لابنِ رشدٍ، و«المغني» لابن قدامةَ، و«المجموع» للنّوويِّ وغيرها، تعجُّ بالاختلافِ في مسائلِ الفقهِ، بعضُها أعظمُ بكثيرٍ من مسألةِ الاختلاطِ، فلا يُعْلَمُ من السّلفِ الصّالِحِ وأئمّةِ الهدى مع اختلافِهم فيها أنْ ورّث ذلك بينهم عداوةً أو شقَّ وحْدتَهم أو فرّق كلمتَهم، بل كانوا معتصمين بحبلِ اللهِ، وقلوبُهم جميعًا مجتمعةٌ عليه لقولِه تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]

هذا، وقد ذكرتُ في إحدى الكلماتِ الشّهريّةِ من أنّ السّعيَ -بسببِ هذه المسألةِ وغيرِها من مسائلِ الاجتهادِ والنّظرِ الخاضعةِ لتقديرِ المصالِحِ والمفاسدِ- وإرادةَ التّنقُّصِ من ورائِها غدرًا للدّعاةِ إلى اللهِ في الجزائرِ وفي غيرِها من البلدانِ بالتّشنيعاتِ التي يفتعلها الْمُغْرِضون والمعترضون والمبطلون والشّانئون بمثلِ هذه الأراجيفِ الباطلةِ والتّقوُّلاتِ الكاسدةِ، لاستجلابِ وتحريكِ عواطفِ السّلفيّين ضِدَّ دُعاتِهم بالغلطِ والمغالطةِ، لا تبني لهم مجدًا ولا رفعةً، ولا تخدم مصلحةَ الدّعوةِ إلى اللهِ، لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ، بل تمهِّد الطّريقَ لإضعافِ الصّفِّ السّلفيِّ، وتفتح بابَ تسلُّطِ الأعداءِ عليه، وقَلَّمَا ينتبه لهذه المقاصدِ أهلُ إثارةِ الرَّهجِ والباذلون للمُهَجِ في سبيلِ عصبيّاتٍ مُنتنةٍ وذهنيّاتٍ متطلِّعةٍ للتّراشُقِ والشّقاشقِ، لكنّ مسائلَ العلمِ والدّينِ والإيمانِ التي يفرضُها الدّليلُ وتُدعِّمها الحُجَّةُ لن تغيبَ على أهلِ الحقِّ وطلاّبِه وناشديه ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١].

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١١ رجب ١٤٣١ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٣ جوان ٢٠١٠م