في معنى الرحمة المُضافةِ إلى الله سبحانه | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 21 صفر 1441 هـ الموافق لـ 20 أكتوبر 2019 م



الفتوى رقم: ١٠٧٣

الصنف: فتاوى العقيدة - التوحيد وما يُضادُّه - الأسماء والصفات

في معنى الرحمة المُضافةِ إلى الله سبحانه

السؤال:

مِنَ المعلومِ مِن عقيدةِ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ أنَّ الرحمةَ صفةٌ مِن صفاتِ اللهِ تعالى، وأنَّ صفاتِه سبحانه ليسَتْ مخلوقةً، لكِنْ ثَمَّةَ أحاديثُ تدلُّ بظاهِرِها على أنَّ الرحمةَ مخلوقةٌ؛ فنرجو منكم حَفِظَكم اللهُ أَنْ تُجَلُّوا لنا هذه المسألةَ بما يرفع الإشكالَ. وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ ـ رحمك اللهُ ـ أنَّ الرحمةَ المُضافةَ إلى اللهِ تعالى إِنْ كانَتْ مِن إضافةِ صفةٍ إلى موصوفٍ فليسَتْ مخلوقةً لأنها مُلازِمةٌ لذاتِه تعالى ولا تنفكُّ عنها كسائرِ صفاتِه، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ[الأعراف: ٥٦]، وقولُه تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ[الكهف: ٥٨]، ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ[البقرة: ٦٤]. وصفةُ اللهِ تعالى داخلةٌ في مسمَّى أسمائِه؛ فمَنْ حَلَفَ بصفةِ رحمةِ اللهِ أو بغيرِها مِن صفاتِ اللهِ تعالى أَوِ استعاذ بها فإنَّما حَلَفَ باللهِ واستعاذ به تعالى، يشهد له قولُه صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، بِرَحْمَتِكَ أسْتَغِيثُ»(١).

أمَّا إذا أُضِيفَتِ الرحمةُ إلى اللهِ تعالى إضافةَ مفعولٍ إلى فاعلٍ، أو إضافةَ مخلوقٍ إلى خالقٍ؛ فهي رحمةٌ مخلوقةٌ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا[فُصِّلَتْ: ٥٠]، وقولُه تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً[هود: ٩]، ومنه تسميةُ المطرِ رحمةً كقولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ[الأعراف: ٥٧]، وفي الحديثِ: «احْتَجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: «فِيَّ الجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ»، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: «فِيَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَمَسَاكِينُهُمْ»» قال: «فَقَضَى بَيْنَهُمَا: «إِنَّكِ الْجَنَّةُ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَإِنَّكِ النَّارُ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكِلَيْكُمَا عَلَيَّ مِلْؤُهَا»»(٢)؛ فجَعَلَ الجنَّةَ رحمتَه مع أنَّها مخلوقةٌ، وقوله صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّم: «جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَأَنْزَلَ فِي الأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا؛ فَمِنْ ذلِكَ الجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الخَلائِقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ»(٣)، وفي لفظِ البخاريِّ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً؛ فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ المُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ»(٤).

والعلمُ عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٧ شوَّال ١٤٣١ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٦ أكتوبر ٢٠١٠م


(١) أخرجه الترمذيُّ في «الدعوات» (٣٥٢٤) مِن حديث أنسٍ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (١/ ٤٤٩) رقم: (٢٢٧).

(٢) أخرجه مسلمٌ في «الجنَّة وصِفَة نعيمِها وأهلِها» (٢٨٤٦) مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأحمدُ ـ واللفظُ له ـ (١١٧٥٤) مِن حديث أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه.

(٣) أخرجه البخاريُّ في «الأدب» باب: جَعَلَ اللهُ الرحمةَ مائةَ جزءٍ (٦٠٠٠)، ومسلمٌ ـ واللفظُ له ـ في «التوبة» (٢٧٥٢) مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٤) أخرجه البخاريُّ في «الرِّقاق» باب الرجاء مع الخوف (٦٤٦٩) مِن حديث أبي هريرة رضي الله عنه.