في حكم العمل في شركة الطيران مع وجود بعض المُنْكَرات | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 20 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١١

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - الإجارة

في حكم العمل في شركة الطيران مع وجود بعض المُنْكَرات

السؤال:

هل يُعتبَرُ عاملٌ في شركةِ النقلِ الجويِّ، سواءٌ كان ممَّنْ يقدِّمون الخدماتِ في الطائرةِ أو قائِدَها، وعلى متنِها المسافرون، وقَدْ يشربون الخمرَ أو ما يُشابِهُها مِنَ المحرَّماتِ كما هو معلومٌ في مصلحةِ خدمةِ المسافرين في الطائرةِ، أو هُمْ ممَّنْ يهيِّئون ذلك، كالمهندسِ مثلًا في مصلحةِ صيانةِ الطائرات، فهل يُعتبَرُون ممَّنْ تَعاوَنوا على الإثمِ؟

وفي نفس المضمون: هل يدخل مَنْ يعمل مع فريقِ النقلِ البحريِّ ـ وهو ينهاهم عن شُرْبِ الخمر ثمَّ لا يستجيبون ـ في قوله سبحانه: ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٧٩[المائدة]، وهي اللعنةُ التي لحِقَتْ بني إسرائيل الكافرين منهم؛ فهو ينهاهم ثمَّ يتعامل معهم، بحكمِ تقديمِ الخدماتِ للفريقِ، وهل يُعتبَرُ كذلك ممَّنْ قال فيهم سبحانه: ﴿وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ١١٣[هود]، أو هو ممَّنِ اتَّبع هواه؟ وكذلك إذا ما حُمِلَ شيءٌ مِنَ الخمرِ في الباخرةِ فمَنْ تلحقه اللعنةُ؟ نرجو البيانَ والتوضيحَ. وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعْلَمْ أنَّ المسلمَ ـ ما دام قادرًا على أداءِ واجباتِه وتحمُّلِ تَبِعاتِ عملِه ـ يجوز له أَنْ يَكْسِبَ رِزْقَه عن طريقِ الوظيفةِ التي أُسْنِدَتْ إليه أو العملِ الذي أُوكِلَ إليه إذا كان أهلًا له، شريطةَ أَنْ لا تتضمَّنَ الوظيفةُ أو العملُ ضررًا على المسلمين أو ظلمًا كالعملِ الربويِّ، أو حرامًا كالعملِ في مَلْهًى يَشتمِلُ على محرَّماتٍ كالرقصِ والرِّهانِ وبيعِ الخمرِ ونحوِ ذلك، سواءٌ باشَرَه العاملُ أو شارَكَ فيه بجهدٍ ماديٍّ أو أدبيٍّ عمليٍّ أو قوليٍّ؛ فإنه يُعتبَرُ مُعينًا على المعصيةِ شريكًا في الإثمِ على ما تَقرَّرَ مِنْ أنَّ: «مَا أَدَّى إِلَى حَرَامٍ فَهُوَ حَرَامٌ»، على أنَّ الإثمَ تختلف درجاتُه بين الجميعِ باختلافِ قَدْرِ مشاركتهم؛ ولذلك لمَّا حرَّم الشرعُ الزِّنَا حرَّم كُلَّ ما يُفْضي إليه مِنْ وسائلَ وَسَدَّ الذرائعَ والمقدِّماتِ والدواعِيَ المُوصِلةَ إليه مِنْ صُوَرٍ خليعةٍ، وتبرُّجٍ جاهليٍّ، واختلاطٍ مذمومٍ، وخلوةٍ غيرِ آمنةٍ وآثمةٍ، وغناءٍ فاحشٍ يحرِّك الشهواتِ ونحوِه، وكذلك لَعَنَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم المُسْهِمين في أكلِ الرِّبَا مِنْ كاتبِه وشاهدَيْه، والمشارِكين في الرشوةِ مِنَ الراشي والمرتشي والرائشِ، ومِنْ هذا القبيلِ ورَدَتِ اللعنةُ على عاصرِ الخمرِ ومُعتصِرِها وشارِبِها وحامِلِها والمحمولةِ إليه وساقيها وبائعِها وآكلِ ثمنِها والمشتري لها والمشتراةِ له، وكُلُّهم تلحقه اللعنةُ على قَدْرِ مشارَكتِه؛ إذ كُلُّ إعانةٍ على الإثمِ إثمٌ، وقد قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ[المائدة: ٢].

هذا، وفيما يظهر لي أنَّ الأصلَ في شركتَيِ النقلِ الجوِّيِّ والبحريِّ عدمُ التحريم بذاتها؛ لأنَّ أصل العمل صحيحٌ، وإنما اعترى الأصلَ بعضُ المحرَّمات، وهذا لا يُبْطِلُ الأصلَ لأنَّ «الْحَرَامَ لَا يُحَرِّمُ الْحَلَالَ» و«الْفَرْعَ لَا يُلْغِي الأَصْلَ»؛ لذلك فمَنِ اشتغل بعيدًا عن أوزارِ الحرامِ في كِلْتَا الشركتين فلا بأسَ به مع عدمِ الرِّضَا عن الوضعِ الكُلِّيِّ؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِذَا عُمِلَتِ الخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا ـ وَقَالَ مَرَّةً: «أَنْكَرَهَا» ـ كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا»(١)؛ فعليه أَنْ يُغيِّرَ المُنْكَراتِ والمآثمَ والمحرَّماتِ التي تُفْعَل جهارًا على درجاتِ الإنكار؛ لئلَّا يرتكبَ مِثْلَ الذي ارتكبوه، فضلًا عن هجرةِ أهلِ الفجورِ والعصيان، والابتعادِ عنِ الفَسَقَةِ خشيةَ الميلِ إليهم، إلَّا ما دَعَتِ الضرورةُ أو الحاجةُ إليه؛ عملًا بالآيتين المذكورتين في السؤال، قال القرطبيُّ ـ رحمه الله ـ في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ[هود: ١١٣]: «وأنها دالَّةٌ على هجرانِ أهلِ الكفرِ والمعاصي مِنْ أهلِ البِدَعِ وغيرِهم؛ فإنَّ صُحْبَتَهم كفرٌ أو معصيةٌ؛ إذِ الصحبةُ لا تكون إلَّا عن مودَّةٍ، وقد قال حكيمٌ:

عَنِ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ * فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَارَنِ يَقْتَدِي

وصحبةُ الظالمِ على التقيَّةِ مستثناةٌ مِنَ النهيِ بحالِ الاضطرار»(٢).

علمًا أنه إِنْ كان في استطاعته التَّحوُّلُ إلى مؤسَّسةٍ مُباحةٍ أخرى خاليةٍ مِنَ الآثام والمُنْكَراتِ فالانتقالُ إليها أَوْلى؛ تبرئةً لدِينِه وعِرْضه.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 



(١) أخرجه أبو داود في «الملاحم» باب الأمر والنهي (٤٣٤٥) مِنْ حديثِ العُرْس بنِ عَمِيرةَ الكنديِّ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٨٩).

(٢) «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (٩/ ٧٢).