في التعامل مع قريبٍ يستغيث بالأولياء | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 23 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 24 أغسطس 2019 م



الفتوى رقم: ١١١٥

الصنف: فتاوى العقيدة - التوحيد وما يُضادُّه - الألوهية والعبادة

في التعامل مع قريبٍ يستغيث بالأولياء

السؤال:

كيف نتعامل مع آبائنا وأقربائنا ممن يستعيذون بالقبور ويستغيثون بالأولياء ويذبحون عندهم ويؤذوننا بسبب الاعتراض عليهم والإنكار على أفعالهم؟ وهل يمكن أن تبيِّنوا لنا -شيخَنا- حُكْمَ من يستغيث بغير الله والأدلَّة القاطعة على أنَّ الاستغاثة بغير الله من الشرك؟ وبارك الله في وقتكم وجهدكم.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاعلم أنَّ من حقوق البراء بُغْضَ الشرك وأهلِه وعدمَ مودِّتهم، وإضمارَ العداوة لهم وعدمَ اتِّخاذهم أولياءَ، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]، وقولِه تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، لذلك لا تجوز نصرةُ الشرك وتأييدُ أهله لأنه قد ينقلب عليه أمرُه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وعليه أن يتحلَّى بالصبر الجميل، فيكون بترك التسخُّط واحتمال المؤلم المكروه وتركِ الشكوى إلى الناس، فالشكوى إلى الناس تنافي الصبرَ الجميل دون الشكوى إلى الله تعالى.

غيرَ أنَّ البراء من أهل الشرك لا يعني الإساءةَ إليهم بالأقوال والأفعال، بل الواجب على المسلم أن يبَرَّ أبويه ولو كانا مشركَيْن لظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، كما يُحسن إلى سائر أقربائه لقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ ...﴾ [النساء: ٣٦]، من غير تأييدٍ للباطل وأهله ونصرةِ الشرك وذويه.

ثمَّ اعلم أنَّ العياذ مما يُخاف ويُحذر، والمستعيذ بالشيء يعلِّق قلبه بالمستعاذ به رجاءَ أن يجد عنده الالتجاءَ والاعتصام، وتُشرع الاستعاذةُ والاستغاثة والقسَمُ بالله وبصفاته، لأنَّ صفاتِ الله تعالى غيرُ مخلوقةٍ، ويدلُّ عليه قولُه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ»(١)، وفي قوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللهِ، وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ»(٢)، فكلامُ الله وعزَّته وقدرته من صفات الله وهي غيرُ مخلوقة.

أمَّا الاستعاذة بالمخلوق فيختلف حكمُها باختلاف ما إذا كان المستعاذ به يقدر عليه وعلى عصمته وإغاثته أم لا؟ فإن كان قادرًا جاز ذلك، ويدلُّ عليه قوله تعالى في شأن قصَّة موسى عليه السلام: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]، أمَّا جعلُ الشخص ملجأً يعلِّق عليه قلبَه من جهة الرجاء والخوف فيما لا يقدر عليه إلا اللهُ تعالى فهذا شركٌ بالله تعالى، وقد كان رجالٌ من الإنس يلتجئون إلى الجنِّ فيما يخافون ويحذرون رجاءَ الاعتصام بهم، فما زادوهم إلاَّ خوفًا وذُعْرًا، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦].

والاستعاذة والاستغاثة تدخلان في عموم الدعاء فهما دعاءٌ بإزالة الخوف والذعر والشدَّة عن المستعيذ والمستغيث، والدعاءُ يزيد عليهما بتناوُله لجلب المنفعة، لذلك فإنَّ الآياتِ التي تنهى عن الدعاء من جانب دفع المضرَّة شاملةٌ للاستعاذة والاستغاثة منها: قولُه تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]، وقولُه تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥-٦]، وقولُه تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧]، وقولُه تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]، وقولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر : ١٣-١٤].

وعليه فالاعتصام من الشرِّ والالتجاءُ من الهلاك في الأمور التي لا يقدر على إزالتها إلاَّ الله شركٌ أكبرُ، تحرم الاستعاذة والاستغاثة فيها سواءً كان المستعاذ به ميِّتًا كما هو صنيع أهل القبور بموتاهم أو حيًّا غائبًا، لأنه من الشرك والهلاك الذي لا يقدر العبدُ على دفعه وردِّه، لا يعصمه منه إلاَّ الله تعالى، فلا تُصرف هذه العبادةُ إلى غيره، بل هي خالصةٌ له سبحانه.

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١١ شوَّال ١٤٣٢ﻫ
المـوافق ﻟ: ٩ سبتمبر ٢٠١١م


(١) أخرجه مسلم في «الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار» (٢٧٠٨)، من حديث خولة بنت حكيمٍ السلمية رضي الله عنها.

(٢) أخرجه أحمد في مسنده «٢٦/ ١٩٦»، وأبو داود في «الطبِّ» باب كيف الرقى (٣٨٩١)، من حديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه. وأخرجه مسلم (٢٢٠٢) بلفظ: «أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِر».