في حكم حقِّ استغلال المحلِّ التجاريِّ في الميراث | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 14 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 11 ديسمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١١٢

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - الميراث

في حكم حقِّ استغلال المحلِّ التجاريِّ في الميراث

السؤال:

لجأتُ إلى عِدَّةِ جهاتٍ سواءٌ دينية، مدنية، العدالة... أريد فتوَى ترضي اللهَ قبل أَنْ تُرضِيَني؛ لكي ألقى اللهَ دون أَنْ يكون شكٌّ فيما أفعله اليومَ.

قضيَّتي لم أجِدْ لها حلًّا مُقْنِعًا إلى يومِنا هذا.

فالأصل، جدِّي ـ رحمه الله ـ اشترى حقَّ استغلالِ محلٍّ تجاريٍّ ويدفع الكراءَ كُلَّ شهرٍ منذ الأربعينات (١٩٤٠م) وكانَتِ الوصلاتُ باسْمِه إلى غاية سنة: (١٩٨٢م) تاريخ تبديلِ صاحبِ المحلِّ التجاريِّ الوصلاتِ باسْمِ أبي ـ رحمه الله ـ أمَّا السِّجِلُّ التجاريُّ فكان في الأوَّل باسْمِ جدِّي ثمَّ تَغيَّر إلى اسْمِ عمِّي الأوَّل الذي تُوُفِّيَ ثمَّ رَجَع باسْمِ جدِّي، وفي سنة: (١٩٦٨م) جدِّي أرجع السجِلَّ التجاريَّ باسْمِ أبي رغم كون الوصلات دائمةً باسْمِ جدِّي، وفي سنة: (١٩٧٠م) نظرًا لعدَّةِ ضغوطاتٍ، سافر أبي إلى الخارج بحثًا عن عملٍ؛ وبذلك حلَّ المشاكلَ التي أرغمَتْه على السفر، وطِوالَ غيابه أعطى جدِّي المَحَلَّ التجاريَّ لرجلٍ آخَرَ (خارجٍ عن عائلتنا) مُقابِلَ كراءٍ شهريٍّ إلى غايةِ وفاةِ جدِّي ـ رحمه الله ـ سنة (١٩٨٠م) فتابعَتْ جدَّتي الكراءَ لذلك الرجل رغم عودةِ أبي مِنَ الخارج، ولم تُرِدْ جدَّتي وابنتُها الأولى (عمَّتي الأولى) أَنْ يرجع أبي للعمل في ذلك المحلِّ، ولكِنْ بعد عدَّةِ قضايَا مدنيةٍ أمامَ العدالة، وبعد تدخُّلِ ابنِ عمِّ أبي الأكبر للفصل في القضيَّة، وصلوا في نهايةِ سنة: (١٩٨٣م) إلى عقدِ اتِّفاقٍ يعطي أبي الحقَّ في استغلال المحلِّ التجاريِّ مُقابِلَ كراءٍ لكُلِّ أعضاء العائلة (جدَّتي وعمِّي الثاني وعمَّتي الأولى وعمَّتي الثانية) لكونِ عمِّي الأوَّل وعمَّتي الثالثة تُوُفُّوا قبل وفاة جدِّي دون أَنْ ينسى أبي أَنْ يدفع الكراءَ لصاحبِ المحلِّ ويدفعَ الغرامةَ وكُلَّ ما يعني المحلَّ التجاريَّ، دون أَنْ يُشارِكَ الأعضاءُ الآخَرون بأيِّ دينارٍ في استغلالِ هذا المحلِّ رغم كونهم يأخذون كراءً مِنْ أبي لاستغلاله هذا المحلَّ، وبعد هذا الاتِّفاق ذَهَب أبي إلى صاحبِ المحلِّ الذي أرجع الوصلاتِ باسْمِ أبي، وذلك ابتداءً مِنْ نهاية سنة: (١٩٨٢م) ثمَّ استخرج أبي السجِلَّ التجاريَّ الجديد تعديلًا للسجِلِّ الذي كان باسْمِه منذ سنة: (١٩٦٨م) الذي لم يتمَّ إلغاؤُه أو شطبُه في مصالح السِّجِلِّ التجاريِّ.

ولكِنْ لم يتمَّ تنفيذُ الاتِّفاقِ ولو للمرَّةِ الأولى، ولم يُطالِبْ أعضاءُ العائلة الآخَرون بكرائهم مِنْ أبي الذي واصَلَ مساعدةَ أخيه المعوَّق في جميعِ حاجياته بحيث عندما وصلَتْ إحدى بناته للزواج جَعَل أبي زواجَ ابنةِ عمِّي وزواجَ ابنه أي: أخي في نفس اليوم، وتمَّ ذلك في بيتنا، دون أَنْ ننسى أنَّ أبي آوى جدَّتي في بيتنا إلى غاية وفاتها سنة: (١٩٨٩م).

واصل أبي العملَ في هذا المحلِّ إلى غاية وفاته سنة: (١٩٩٣م)، ولكِنْ قبل هذا طالبَتْ عمَّتي الأولى بحقِّها في تَرِكةِ جدِّي عن طريق العدالة وذلك مِنْ أبي فقط، والعدالة أدخلَتِ الأعضاءَ الآخَرِين (عمَّتي الثانية وعمِّي الثاني) وسارَتِ القضيَّةُ بمراحلها إلى يومِنا هذا والنزاعُ دائمٌ على المحلِّ التجاريِّ وبقيَّةِ تركةِ جدِّي، والمحلُّ التجاريُّ لَبِثَ مغلوقًا منذ وفاةِ أبي إلى غاية هذه السنةِ حيث حصَلْنا على إذنٍ مِنَ العدالة لاستغلاله دون الفصل في قضيَّةِ دخولِ هذا المحلِّ في تركةِ جدِّي أم لا.

ولكوني أبحث عن فتوَى ترضي اللهَ أطلب منكم بَذْلَ جهدكم للبحث عن الآيات القرآنية، أو أحاديثِ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم أو أيِّ قاعدةٍ فقهيةٍ توجِّهُني إلى القول بأنَّ هذا المحلَّ التجاريَّ يدخل ضِمْنَ تركةِ جدِّي، فهل يَرِثُ حقَّ استغلالِ المحلِّ التجاريِّ الذكورُ فقط، أم الإناثُ لهنَّ الحقُّ في استغلالِ هذا المحلِّ ـ أيضا ـ ؟ رغم كونِ هذا المحلِّ ليس مِلْكا لنا ولكن كراء انتقل مِنْ جدِّي إلى أبي، وكان جدِّي حيًّا وراغبًا بهذا الانتقالِ حَسَبَ الوثائق التي استخرج أبي بها السِّجِلَّ التجاريَّ سنة: (١٩٦٨م).

في انتظار فتوَى ترضي اللهَ قبل أَنْ ترضيَنِي، أستودعكم اللهَ، والسلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّه إذا جاز شراءُ حقِّ استغلالِ المحلِّ التجاريِّ وقاعدته التجارية منفصلًا عن جدرانه مِنَ الناحية الشرعية فإنَّ حقَّ الاستغلال يُورَثُ كباقي الحقوق وهو تابعٌ لتركة الجدِّ، ويكون الأبُ فيه وارثًا؛ أسوةً بالورثة الآخَرين، وليس في توكيلِ الجدِّ للأب أو العمِّ في تسييرِ شؤون المحلِّ التجاريِّ تمليكٌ لهما، وعليه فإنَّ المحلَّ التجاريَّ بهذا الاعتبارِ يخضع لأحكام الميراث، كما أنَّ مصاريفَ المحلِّ وتكاليفَه تُسدَّدُ قبل فترةِ التركة أو توزيع أرباحها بحسَبِ نصيبِ كُلِّ واحدٍ فلزوجة الجدِّ الثمنُ: (١/ ٨)، وباقي أولاده: للذَّكَر مثلُ حظِّ الأنثيين(١)، وحقُّ الأبِ ينتقل إلى سائرِ ورثَتِه بما فيهم السائل، ما لم يكن الوارثَ الوحيدَ لأبيه فينتقلُ إليه نصيبُ أبيه كاملًا، كما يأخذ قبل القسمةِ أو توزيعِ الأرباح أجرةَ عملِه الخاصَّةَ بعمله في ذلك المحلِّ خارجًا عن نصيبِ والِدِه، ولا يخفى أنَّ المواريث قسمةٌ شرعية، وهي وصيَّةٌ مِنَ الله تعالى، قال سبحانه: ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ[النساء: ١١]، وقال ـ أيضًا ـ: ﴿وَصِيَّةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٞ ١٢[النساء].

فالحاصل: أنَّ كُلَّ مصاريفِ المحلِّ وتكاليفَه وأعباءَه وكذلك أجرة الأب في عمله فيه بعد دفعِها وطرحِها مِنْ نِتاجِ المحلِّ فما بقي يُقْسَمُ على الورثة بما فيهم الأبُ قسمةَ مواريثَ شرعيةٍ، أمَّا إيواؤُه لأمِّه والنفقةُ عليها إلى غايةِ وفاتها فإنَّ ذلك واجبٌ على أبنائها، وتكون النفقةُ عليها مِنْ مالها، ويخضع ما زاد مِنْ مالها بعد النفقةِ للقسمة الشرعية، فإِنْ كان مُتبرِّعًا بها عليها يبتغي بِرَّها ومَرْضاتَها فإنَّه يحصل له بقَدْرِ نيَّتِه ولا يعود بعدها على أموالها بسببِ النفقة عليها؛ لأنَّ «العَائِد فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ»(٢)، ولكنَّه يكون أسوةً بالورثة في جميع أموالها بعد وفاتها.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ذي الحجَّة ١٤٢١ﻫ
الموافق ﻟ: مارس ٢٠٠١م

 


(١) فأصلُ المسألة على (٤٨): فللزوجة: (٦/ ٤٨)، ولكلٍّ مِنَ العمَّتين: (٧/ ٤٨)، وللعمِّ (١٤/ ٤٨)، وكذا لأبي السائل.

(٢) أخرجه البخاريُّ في «الحِيَل» بابٌ في الهِبَة والشُّفعة (٦٩٧٥)، ومسلمٌ في «الهِبَات» (١٦٢٢)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وأخرجه البخاريُّ ـ أيضًا ـ في «الجهاد والسِّيَر» باب: إذا حَمَل على فرسٍ فرآها تُباعُ (٣٠٠٣)، ومسلمٌ في «الهِبَات» (١٦٢٠)، مِنْ حديثِ عمر بنِ الخطَّاب رضي الله عنه.