في الاصطياد بدون ترخيص | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 18 صفر 1441 هـ الموافق لـ 17 أكتوبر 2019 م



الفتوى رقم: ١١٢٨

الصنف: فتاوى الأشربة والأطعمة - الأطعمة

في الاصطياد بدون ترخيص

السؤال:

إنَّ الحاكم عندنا وضع قوانين تمنع صيد الغزال وظبي الصحراء، وعندنا بعض الناس يخالفون هذا الأمر، وبعضهم يصطادونهما من أجل التمتُّع، والبعض الآخر من أجل القوت، والصيد يكون بكميَّةٍ قليلةٍ أو كبيرةٍ أحيانًا، ووقع بعض الشباب من أهل السنَّة في هذا الأمر، وهذا الصيد يترتَّب عليه ضررٌ عظيمٌ ومنه: السجن وحلق اللحى وغرامةٌ ماليةٌ، وبعضهم يصطادون بأسلحةٍ غير مرخَّصةٍ، وهذا قد يسبِّب مشاكل مع الأمن.

لهذا نرجو من فضيلتكم أن توضِّحوا لنا الحكم الشرعي في هذه المسألة وتقديم نصيحةٍ للشباب من أهل السنَّة الذين وقعوا في هذا الأمر، وهل يدخل في الحكم قطعُ الأشجار من الغابات؟

وجزاكم الله كلَّ الخير.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فاصطياد الحيوان الحلال المتوحِّش بطبعه غيرِ المقدور عليه إلاَّ بالاقتناص مباحٌ شرعًا إذا كان الاصطياد لحاجة الأكل والانتفاع، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وقولُه تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، وقولُه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلْ»(١)، وأجمع المسلمون على إباحة الصيد(٢).

أمَّا إذا كان اصطياده هوايةً وتمتُّعًا من غير حاجةٍ تدفعه إلى صيده، فإذا صاد تخلَّى عنه؛ فحكمُه عدم الجواز، لأنه عبثٌ بنِعَمِ الله وإضاعةٌ للمجهود باللهو واللعب فضلاً عن إضاعة الوقت والمال.

فإن كان الصائد -في تتبُّع صيده- يعتدي على أملاك الناس بالدخول في حقولهم ومزارعهم، وينتهك حرمتهم ويُزعجهم ويشوِّش على راحتهم؛ فإنَّ اصطياده بهذا الأسلوب يَحْرُم ولو كان للحاجة إلى الأكل والانتفاع، لِما فيه من مفسدة إذاية المسلمين في مالهم وعرضهم، لقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»(٣)، وقولِه صلَّى الله عليه وآله وسلم: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ»(٤)، والمعلوم -تقعيدًا- أنَّ «الوَسَائِلَ لَهَا حُكْمُ المَقَاصِدِ» ﻓ«كُلُّ مَا أَدَّى إِلَى حَرَامٍ فَهُوَ حَرَامٌ».

هذا، وإذا تقرَّرت الإباحة الشرعية عند انتفاء موانع الاصطياد؛ فإنَّ وليَّ الأمر (الحاكمَ)، وإن كان لا يملك -شرعًا- المنعَ من المباح أو إيجابَ فعله على وجه التشريع العامِّ، لأنه بذلك التصرُّف ينافي شرْعَ الله تعالى، وذلك غير مأذونٍ فيه لقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ [الشورى: ٢١]، وقولِه تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، إلاَّ أنَّ لوليِّ الأمر الحقَّ في تقييد بعض أفراد المباح بالمنع أو الإلزام إذا اقتضت المصلحة العامَّة ذلك، ويتمُّ التقييد في حالاتٍ استثنائيةٍ مخصوصةٍ، وذلك بغرض تحقيق مقصدٍ شرعيٍّ -من وراء تقييد المباح- يرمي إليه الحاكم بهذا التصرُّف، إذ إنَّ من وظائف وليِّ الأمر وسلطاتِه مراعاةَ مصالحِ المسلمين العامَّةِ، ومنْعَ ما يلحق بمجتمعهم من مفاسدَ وأضرارٍ.

غيرَ أنَّ تقييد المباح المخوَّلَ لوليِّ الأمر ينضبط بشرطين هامَّين:

أحدهما: أن يكون الفعل المباح يجرُّ ضررًا أو يؤدِّي إلى حرامٍ، فيمنعه الحاكم سدًّا لذريعة المحرَّم وعملاً بقوله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم: «لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ»(٥).

والثاني: أن يكون المباح -في حدِّ ذاته- متعلِّقًا بالأموال العامَّة المباحة التي يشترك فيها المسلمون، فإنَّ هذه الأموال العامَّةَ تتكفَّل بها سلطات الحاكم بهدف تنظيم المرافق والأموال العامَّة والحفاظ عليها على وجهٍ يكفل تحقيقَ المقصد الشرعي بالانتفاع العامِّ وصلاح التوزيع، ومنه يُعلم خروج الأموال الخاصَّة والأراضي المملوكة للأفراد، فإنها تبقى مباحةً لهم لا يشْمَلها تقييد المباح، لأنه خاصٌّ بالأموال العامَّة.

وعليه، فإذا توفَّرت شروط تقييد المباح مراعاةً للمصلحة العامَّة الظاهرة، فلوليِّ الأمر أن يمنع من الاصطياد سواءً كان برِّيًّا أو بحريًّا في أوقاتٍ زمنيةٍ أو في مواقيتَ مكانيةٍ معيَّنةٍ حفاظًا على الثروة الحيوانية من الإتلاف والتضييع وسوء التسيير والتوزيع، وينسحب الحكم على أشجار الغابات العامَّة في الأراضي غير المملوكة للأشخاص إبقاءً على الثروة الشجرية أو الغابية المفيدة، ويأثم بالاصطياد من خالف طاعةَ وليِّ الأمر فيما أمر به رعايةً للمصلحة العامَّة، ويستحقُّ التعزيرَ لمخالفته له(٦). غيرَ أنَّ إثم مخالفته لا يؤثِّر في إباحة صيده لانتفاء موجِب التحريم، وقد اتَّفق العلماء على أنَّ ما صاده الإنسان من حيوانٍ فإنه يملكه، سواءً أذن الإمام أو لم يأذن، وسواءً كان الحيوان برِّيًّا أو بحريًّا(٧).

أمَّا إذا لم تتوفَّر شروط تقييد المباح بحيث منع وليُّ الأمر من المباح كتشريعٍ عامٍّ، أو قيَّده بقيدٍ مؤبَّدٍ، أو انتفى الضرر عنه، أو انعدمت المصلحة الظاهرة في تقييده، أو خلا المقصد الشرعيُّ من عدلٍ في التنظيم والتوزيع: كالترخيص في الصيد لفئةٍ دون أخرى، فإنه -والحال هذه- يبقى المباح على أصله الشرعي غيرَ مقيَّدٍ لانتفاء موجِبات التقييد ولا إثم على الصائد، وما صاده من حيوانٍ يملكه، والأكل من صيده مباحٌ بإجماع أهل العلم(٨)، غيرَ أنَّ من خَشِيَ مِن تصرُّفِه بفعل المباح أن يوقعه في المهالك أو يجرَّه إلى متابعاتٍ قضائيةٍ تحطُّ من عزَّته الدينية فإنَّ المسلم مطالَبٌ بتجنُّب أسبابِ الذلَّة وتحقيق أسباب العزَّة الدينية.

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٩ ربيع الأوَّل ١٤٣٢ﻫ
الموافق ﻟ: ١١ فـبرايـر ٢٠١٢م


(١) أخرجه مسلم في «الصيد والذبائح» (١٩٢٩)، من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه، وانظر البخاري في «الوضوء» باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان (١٧٥) من حديث عدي بن حاتم أيضًا.

(٢) انظر: «المغني» لابن قدامة (٨/ ٥٣٩)، «شرح مسلم» للنووي (١٣/ ٧٣).

(٣) أخرجه البخاري في «الإيمان» بَاب المسْلِم مَن سلِم المسْلِمون مِن لِسَانِه ويدِه (١٠)، ومسلم في «الإيمان» (٤٠)، من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

(٤) أخرجه مسلم في «البر والصلة والآداب» (٢٥٦٤)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(٥) أخرجه ابن ماجه في «الأحكام» باب من بنى في حقه ما يضر بجاره (٢٤٣٠)، وأحمد (٣٧/ ٤٣٨)، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه. قال النووي في الحديث رقم (٣٢) من «الأربعين النووية»: «وله طرق يَقْوى بعضُها ببَعض»، وقال ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» (٣٧٨): «وهو كما قال»، وصححه الألباني في «الإرواء» (٨٩٦). وفي السلسلة الصحيحة (٢٥٠).

(٦) انظر: «الفروع» لابن مفلح (٧/ ٣٠٢).

(٧) انظر: «موسوعة الإجماع» لأبي جيب (٢/ ٦٨٩).

(٨) انظر: «المغني» لابن قدامة (٨/ ٥٣٩).