في صور ضمان المُلْتقِط | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 20 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١١٣١

الصنف: فتاوى المعاملات المالية

في صور ضمان المُلْتقِط

السؤال:

أنا امرأةٌ أعلِّم العجائزَ في إطارِ محوِ الأمِّيَّة في المسجد، جِيءَ إليَّ بخاتمٍ مِن ذهبٍ عُثِر عليه في المسجد، فحَفِظْتُه عندي على أساسِ أَنْ يظهر صاحِبُه دون تعريفٍ به فضاع منِّي، علمًا أنِّي لم أحفظ صفتَه ولا وَزْنَه، فهل عليَّ ضمانٌ؟ وكيف أُقوِّمُه؟

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على مَن أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالذهب والفضَّة وسائرُ النقودِ والأواني والأمتعة وغيرها ممَّا تتبعه همَّةُ أوساط الناس فإنه ممَّا يجوز الْتقاطُه بشرطِ أَنْ يأمن نَفْسَه عليها ويحفظَها ويستطيعَ أَنْ يُعرِّفَ بها، فتكون يدُه عليها ـ والحال هذه ـ يدَ أمانةٍ يَلْزَمه وجوبًا التعريفُ بها سنةً كاملةً بعد ضبطِ صفاتها والمناداةِ عليها في مَجامِع الناسِ ولو بالنيابة، ذلك لأنَّ حِفْظَ الأمانةِ وأداءَها واجبٌ على مَن ائْتُمن عليها لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا[النساء: ٥٨]، ولقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ[المؤمنون: ٨، المعارج: ٣٢]، وتكون اللُّقَطة مِلْكًا للمُلْتقِط إذا ما تَحقَّقَ التعريفُ بها حولًا كاملًا؛ فإن جاء صاحِبُها ـ ولو بعد مُضِيِّ الحول ـ ووَصَفَها له بما يُطابِقُ أوصافَها دَفَعَها إليه لحديث زيدِ بن خالدٍ الجُهَنِيِّ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم سُئِلَ عن لُقَطةِ الذهب أو الوَرِقِ فقال: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ لَمْ تَعْرِفْ فَاسْتَنْفِقْهَا، وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَأَدِّهَا إِلَيْهِ»(١).

هذا، فإن ضاعت ممَّن أَمِنَ نفسه عليها وحفظها وقَدَرَ على التعريف بها من غير تَعَدٍّ منه ولا تفريطٍ فلا ضمانَ عليه؛ لأنَّ يد الملتقِط يدُ أمانةٍ -كما تقدَّم-، وكان سبب ضياعها خارجًا عن مسؤوليَّته ولم يكن بتفريطٍ.

أمَّا إذا كان ضياع الأمانة بسبب تعدِّيه وتفريطه فإنه يضمن اللُّقَطةَ؛ لأنَّ الإخلال بالأمانة بالتفريط والتعدِّي يوجب الضمانَ عليه، كما يُلحق بالحكم من لا يأمن من نفسه حِفْظَ الأمانة، أو من لا قدرة له على التعريف بها، فإن أخَذَها فيدُه عليها يدُ غصبٍ حيث وضعها على مِلْك غيره على وجه الاعتداء، لذلك لا تبرأ ذمَّتُه إلا بتضمينها، وله أن يقوِّم ما ضيَّعه بثمن المثل، ويعمل بالاجتهاد في إدراك المثل إذا جهل المقدار، وفي حالة عدم التمكُّن من ردِّه إلى مستحِقِّه بعد مُضِيِّ المدَّة المقرَّرة، فإنه يتخلَّص منه بالصدقة عليه ويصير أجرُه لمالكه الأصلي.

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٢ من المحرَّم ١٤٣٣ﻫ

الموافق ﻟ: ١٧ ديسمبر ٢٠١١م


(١) أخرجه البخاري في «العلم» باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره (٩١)، ومسلم في «اللقطة» (١٧٢٢)، مِن حديث زيد بن خالدٍ الجهنيِّ رضي الله عنه.