في حكم بيعِ وتناوُل البيرَّا دون كحولٍ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 28 المحرم 1439 هـ الموافق لـ 18 أكتوبر 2017 م



الفتوى رقم: ١١٣٢

الصنف: فتاوى الأشربة والأطعمة - الأشربة

في حكم بيعِ وتناوُل البيرَّا دون كحولٍ

السؤال:

ما حكم بيعِ وتناوُلِ «البيرَّا» بدون كحولٍ؟

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فمضمون السؤال يستدعي التفريقَ بين ذات «البيرَّا» بصفتها مشروبًا، وبين صفة تناوُلِ هذا المشروب أو طريقة تعاطيه.

والمعلوم أنَّ المشروب -في ذاته- إن كان خاليًا من المادَّة الكحولية المسكرة فهو شرابٌ جائزٌ تناولُه وبيعُه، لا يختلف -من حيث حلِّيَّته- عن المشروبات الأخرى، ذلك لأنَّ السكر هو علَّة التحريم، ويدور الحكم مع علَّته وجودًا وعدمًا، فمتى وُجد الإسكار أو انتفى فإنَّ التحريم يوجد أو ينتفي بحسَبه.

ومنه يُعلم أنَّ عصير العنب -مثلاً- إذا تجرَّد من علَّة الإسكار حلَّ تناوُلُه، وإذا انعقد خمرًا بحلول المسكر فيه حَرُمَ شربُه وبيعُه، وإذا تغيَّرت أحد أوصاف الخمر مع بقاء مادَّة الإسكار فيه فإنَّ حكم التحريم يبقى ساريًا عليه، أمَّا إذا تغيَّرت حقيقة الخمر فانتقلت من التخمير إلى التخليل فإنها تحِلُّ بالإجماع، قال النوويُّ -رحمه الله-: «وأجمعوا أنها -أي: الخمر- إذا انقلبت بنفسها خلاًّ طَهُرَت، وقد حُكي عن سحنون المالكي أنها لا تَطْهُر، فإن صحَّ عنه فهو محجوجٌ بإجماع من قبله»(١).

قلت: فأمَّا انقلابها حلالاً فمن أجل تغيُّر حقيقتها بزوال المادَّة المسكرة منها، فكان دوران الحكم الوجوديِّ والعدميِّ مع علَّته، قال الخرشيُّ -رحمه الله-: «إنَّ الخمر إذا انتقلت من المائعية إلى أن تحجَّرت، أو انتقلت من التخمير إلى التخليل فإنها تطهر؛ لأنَّ النجاسة فيه متعلِّقةٌ بالشدَّة المطربة، فإذا ذهبت ذهب التنجيس، والتحريم والنجاسة يدوران مع العلَّة وجودًا وعدمًا»(٢).

أمَّا من جهة صفة تناوُل هذا المشروب فقد يُمنع منه من الحيثيَّتين التاليتين:

الأولى: أنه -وإن كانت العبرة بالمسمَّى لا بالاسم- إلاَّ أنَّ بين المشروب المسكر وغير المسكر تطابقًا في شكل القارورة ولون المشروب وكذا التسمية، وتورث متناولها أو بائعها شبهةً وتهمةً في دينه، والأصل في المسلم تجنُّبُ محالِّ التهم لئلاَّ يُقدح في عدالته.

الثانية: قد يتَّصف الشارب لها بأوصاف أهل الفجور والمعاصي محاكاةً لأفعالهم في معاقرة الخمرة، وخاصَّةً وأنَّ المنزوعةَ المادَّةِ المسكرةِ شبيهةٌ بها في شكلها وصورتها، الأمرُ الذي قد يجرُّه إلى محبَّة أهل الفجور وعدم الإنكار عليهم، وقد يكون ذلك دافعًا إلى الوقوع في المحرَّم.

وعليه فمشروب «البيرَّا» دون كحولٍ -وإن كان لا يَرِدُ عليه تحريمٌ من حيث ذاتُه بالنظر لخلوِّه من المادَّة المسكرة- إلاَّ أنه قد يَرِدُ المنع منها من باب سدِّ ذريعة التهمة القادحة في دينه وعدالته عملاً بقاعدة أنَّ: «الفعل إذا كان يفضي إلى مفسدةٍ وليس فيه مصلحةٌ راجحةٌ يُنهى عنه»(٣).

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢١ من المحرَّم ١٤٣٣ﻫ

الموافق ﻟ: ١٦ ديسمبر ٢٠١١م


(١) «شرح النووي على صحيح مسلم» (١٣/ ١٥٢).

(٢) «الخرشي على خليل» (١/ ٨٨).

(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (١/ ١٦٤).