في حكم الدم الخارج من محلِّ البول | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الثلاثاء 18 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 17 سبتمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١١٣٤

الصنف: فتاوى الطهارة - المياه والنجاسات

في حكم الدم الخارج من محلِّ البول

السؤال:

امرأةٌ مُصابةٌ بمرضٍ في كُلْيَتِها، كُلَّما تبوَّلَتْ خَرَجَ الدمُ مِنْ فَرْجِها؛ فهل يُعتبَرُ الخارجُ منها نجسًا؟ وهل يصحُّ منها القيامُ بفريضة الصلاة؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ الدم غيرَ المعتادِ الخارجَ مِنْ مَخْرَجٍ غيرِ معتادٍ وهو مَحَلُّ البولِ على وجه المرض لا ينقض الوضوءَ؛ لأنَّ حقيقةَ الحادثِ هو: الخارجُ المعتادُ مِنَ المَخْرَجِ المعتاد على وجه الصحَّة، وهو ما عليه مذهبُ مالكٍ وغيرِه، واختاره ابنُ تيمية(١). غير أنَّه يُستحَبُّ لها أَنْ تتوضَّأ لكُلِّ فريضةٍ؛ عملًا بالأحاديث المرغِّبة في تجديد الوضوء لكُلِّ صلاةٍ.

أمَّا بخصوصِ دَمِ الآدميِّ وسائرِ الدماء فالأصلُ فيها الطهارةُ؛ لكون الأدلَّة فيها مختلفةً ومضطرِبةً؛ فتَعيَّنَ استصحابُ البراءةِ الأصلية حتَّى يَرِدَ الدليلُ الناقل عنها، وهي مؤيَّدةٌ بالمرفوع والموقوف مِنَ الآثار، منها: ما ثَبَتَ في الصحيح عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما موقوفًا: أَنَّ «المُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا»(٢)، وما كان في حكمِ المرفوع كفعل الأنصاريِّ الذي قام يُصلِّي في الليل في غزوةِ ذاتِ الرِّقاع، فرَماهُ المشركُ بسهمٍ فوَضَعه فيه فنَزَعه، حتَّى رماهُ بثلاثةِ أَسْهُمٍ، ثمَّ رَكَعَ وسَجَد ومضى في صلاته وهو يموج دمًا(٣)، و«مَا زَالَ المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ» كما قال الحسنُ(٤)، وقد «نَحَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ جَزُورًا فَتَلَطَّخَ بِدَمِهَا وَفَرْثِهَا، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ»(٥)، وأمَّا ما نَقَله القرطبيُّ ـ رحمه الله ـ مِنْ إجماع العلماء على نجاسة الدم(٦) فيَرُدُّه ما ذَكَرْنا.

ويُستثنى مِنْ دمِ الآدميِّ دمُ الحيضِ فهو نجسٌ وقَذِرٌ؛ بالفطرة الطاهرة، وبثبوت الأمر بغَسْلِ دمِ الحيض وحَكِّه، وهذا الدمُ الخارجُ مِنْ مَحَلِّ البول ليس بدَمِ حيضٍ، غيرَ أنَّه لَمَّا خَرَج مِنْ مَحَلِّ النجاسةِ تَمَكَّنَتْ منه النجاسةُ؛ بحكم خروجه ـ غالبًا ـ مُخْتلِطًا بالبول المعدودِ مِنَ النجاسة باتِّفاقِ أهل العلم؛ إذ تَغيُّرُ لونه ملحوظٌ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 


(١) «اختيارات ابنِ تيمية» للبعلي (١٥، ١٦).

(٢) علَّقه البخاريُّ بصيغة الجزم في «الجنائز» (٣/ ١٢٥) بابُ غَسْلِ الميِّت ووُضوئه بالماء والسِّدر، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما موقوفًا. وقال في «الفتح» (٣/ ١٢٧): «وَصَلَهُ سعيد بنُ منصورٍ... إسنادُه صحيحٌ».

(٣) علَّق البخاريُّ قصَّتَه مختصَرةً في «الوضوء» (١/ ٢٨٠) بابُ مَنْ لم يَرَ الوضوءَ إلَّا مِنَ المَخْرجين: مِنَ القُبُل والدُّبُر، وأخرجها أبو داود في «الطهارة» باب الوضوء مِنَ الدم (١٩٨)، وأحمد (١٤٧٠٤، ١٤٨٦٥)، مِنْ حديثِ جابر بنِ عبد الله رضي الله عنهما. وانظر: «صحيح أبي داود» (١٩٣) و«تمام المِنَّة» (٥١) كلاهما للألباني.

(٤) علَّقه البخاريُّ بصيغة الجزم في «الوضوء» (١/ ٢٨٠) بابُ مَنْ لم يَرَ الوضوءَ إلَّا مِنَ المخرجين: مِنَ القُبُل والدُّبُر، عن الحسن البصريِّ. وانظر:«تمام المِنَّة» للألباني (٥٠).

(٥) أخرجه عبد الرزَّاق في «المصنَّف» (١/ ١٢٥) رقم: (٤٦٠)، وابنُ أبي شيبة (١/ ٣٩٢)، والطبرانيُّ في «المعجم الكبير» (٩/ ٢٨٤) رقم: (٩٢٢٠). وصحَّحه الألبانيُّ في «تمام المِنَّة» (٥٢).

(٦) انظر: «تفسير القرطبي» (٢/ ٢٢١).