في حكم التسويق الشبكي (الهرمي) | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 18 رجب 1440 هـ الموافق لـ 25 مارس 2019 م



الفتوى رقم: ١١٣٥

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - البيوع

في حكم التسويق الشبكي (الهرمي)

السؤال:

شيخَنا الفاضل ـ حَفِظكم الله ـ انتشرَتْ في الآونةِ الأخيرة بعضُ المُعامَلات بطريقة التسويق الشبكيِّ لشركاتٍ عالميةٍ مثل [Qnet]، وتتلخَّص صورةُ هذه المعاملاتِ في إقناع الشركة لشخصٍ ما بشراءِ سلعةٍ أو مُنْتَجٍ على أَنْ يقوم بإقناعِ آخَرين بالشراء ليُقْنِعَ هؤلاء آخَرين بالشراء وهكذا، وكلَّما زادَتْ طبقاتُ المشتركين حَصَل المشتركُ الأوَّل على مَبالِغَ أكثرَ، وكُلُّ مُشترِكٍ يُقْنِع مَنْ بعده بالاشتراك مُقابِلَ مبالغَ ماليةٍ كبيرةٍ. فما حكمُ هذه المعاملة ـ بارك الله فيكم ـ؟ وهل هي مِنَ السمسرة الجائزة؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإذا ظَهَر أنَّ نظام التسويق الشبكيِّ للشركات العالمية يتعامل بهذا الأسلوبِ في تسويق مُنْتَجاتها فإنه ـ والحالُ هذه ـ تقترن به عدَّةُ محاذيرَ شرعيةٍ يمكن إبرازُها على النحو التالي:

المحذور الأوَّل: اشتمالُ هذه المعاملةِ على الغرر والميسر والمقامرة المحرَّمة شرعًا؛ ذلك لأنَّ المُشترِك لا يُسْهِم في التسويق الشبكيِّ إلَّا بغرض العوض الماليِّ على جلب الزبائن المُشترِكين، وتزيد عمولتُه ويربح أكثرَ كلَّما أحضر عددًا أكبرَ مِنَ الزبائن وحقَّق شروطَ الشركة، أو قد تنقص عن المبلغ الأوَّل الذي دَفَعه، وإذا ما فَشِل في مَهَمَّته خَسِر المبلغَ كُلَّه، وبين حالتَيِ الربح والخسارة يجهل المُشترِكُ ـ حالَ إسهامِه في التسويق الشبكيِّ أو الهرميِّ ـ هل يكون غانمًا أو غارمًا؟ وهذه الجهالةُ تجرُّه ـ في تعامُله هذا ـ إلى الولوج في باب الغرر المنهيِّ عنه في حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه قال: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ»(١)، وغيره مِنَ الأحاديث الصحيحة الشاملة للغرر والميسر والمقامرة.

المحذور الثاني: اشتمالُ هذه المعاملةِ على الرِّبا الخفيِّ(٢) وهو رِبَا البيوع بقسمَيْه: رِبَا الفضل ورِبَا النسيئة؛ ذلك لأنَّ المعلوم أنَّ البضاعة التي هي مَحَلُّ التسويق الشبكيِّ ليسَتْ مقصودةً في ذاتها، وإنما هي مُستعمَلةٌ كقناعٍ يُتذرَّع به للحصول على المبالغ المالية مِنْ عمولات الزبائن التي قد تفوق تلك البضاعةَ، ويؤكِّد معنَى عدمِ إرادة تلك البضاعةِ في حَدِّ ذاتها أنَّ ثمنها المعروضَ في الشركة أغلى مِنْ قيمتها الحقيقية في السوق.

فإذا تَقرَّر أنَّ البضاعة أو السلعة ليسَتْ مقصودةً في ذاتها تأكَّد أنَّ المقصود الحقيقيَّ مِنْ هذا التعاملِ هو تسويقُ العمولات لا البضاعة أو السلعة، فيُسْهِم المُشترِكُ بدفعِ قليلٍ مِنَ المال ليحصل على مالٍ أوفرَ منه بكثيرٍ، فتتجلَّى صورةُ المبادلة على حقيقتها على الوجه التالي: بيعُ عمولةٍ نقديةٍ بعمولةٍ نقديةٍ مع حصول التفاضل بينهما والنسيئةِ تحت قناعِ أو ستارِ البضاعة أو السلعة أو المُنْتَجِ الذي تقوم بتسويقه تلك الشركاتُ، وقد أجمع أهلُ العلم على تحريمِ رِبَا البيوع بضربَيْه: الفضل والنسيئة(٣)، ومِنْ مُستنَدِ هذا الإجماعِ قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الوَرِقَ بِالوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ»(٤).

كما أنَّ هذه المبادلةَ لها شَبَهٌ قريبٌ ببيع العِينة حيث يكون المقصودُ منها التحايلَ على تحريمِ الرِّبا باتِّخاذِ عينٍ أو سلعةٍ للوصول إلى تحصيل الرِّبا تحت غطاء البيع، وقد وَرَد تحريمُه في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ؛ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ»(٥).

المحذور الثالث: اشتمالُ هذه المعاملةِ على ظُلمِ العبد لأخيه؛ ذلك لأنَّ التسويق الشبكيَّ يعتمد في ترويج مُنْتَجه أو سلعته على الدعاية المُغْرِية التي تخدع المُشارِكين بها وتُغْرِيهم بتحصيلِ أرباحٍ كبيرةٍ وعمولاتٍ فاحشةٍ في مُقابِل مبلغٍ يسيرٍ وهو ثمنُ المُنْتَج الذي تتوخَّى به الشركاتُ في الأصل ـ مِنْ خلال التسويق والمتاجرة المقنَّعة ـ تجميعَ أكبرِ قدرٍ مِنَ المُشترِكين؛ الأمرُ الذي يُفْضي ـ في الغالب الأعمِّ ـ إلى وقوعِ أكثرية المُشارِكين مِنَ الطبقة الدنيا مِنَ الشبكة الهرمية ضحيَّةً في شَرَكِ هذا الأسلوبِ التسويقيِّ الماكر بالغشِّ والتلبيس، في حينِ تتحقَّق أطماعُ الطبقة العليا الغانمة على حساب الأكثرية الغارمة، وهذه المعاملاتُ تدخل ـ بلا شكٍّ ـ في عمومِ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ[البقرة: ١٨٨]؛ إذ «الخداع الذي هو مظنَّة أَنْ لا رِضَا به عند تحقُّقه فيكون مِنْ أكل المال بالباطل»(٦)، كما تَشْمَله النصوصُ الشرعية الناهية عن الغشِّ والتدليس والتلبيس على الناس ونحو ذلك، وقد وَرَد في الحديث: «مَنْ أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرٍ يَعْلَمُ أَنَّ الرُّشْدَ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ خَانَهُ»(٧).

هذا، ولا يدخل نظامُ التسويق الشبكيِّ في باب السمسرة؛ لاختلافه عنها مِنْ عِدَّةِ وجوهٍ منها:

الأوَّل: أنَّ السمسرة عقدٌ يُكلَّف بمُوجَبه السمسارُ بالبحث عن شخصٍ آخَرَ لربطِ العلاقة بين الطرفين قَصْدَ إبرامِ العقد بينهما مُقابِلَ أجرةٍ.

بينما نظام التسويق الشبكي يقوم المُشارِك فيه بدفع الأجر لتسويق بضاعة الشركة أو مُنْتَجها.

الثاني: يتميَّز عقدُ السمسرة بغياب العلاقة التبعية، أي: لا تربط السمسارَ أيُّ علاقةٍ تبعيةٍ بعميله، في حينِ تربط المُشارِكَ ـ في نظام التسويق الشبكيِّ ـ علاقةٌ تبعيةٌ بعميله حتَّى يَصِلَ التسويقُ الشبكيُّ إلى نهايته.

الثالث: العقد الذي يُبْرِمه السمسارُ مع عميله ينتهي متى أبرم الطرفان العقدَ ويَستحِقُّ السمسارُ أجرةً، بينما في التسويق الشبكيِّ قد يَستمِرُّ التسويقُ إلى وقتٍ لا يدري المُشترِكُ فيه ما إذا كان غانمًا أو غارمًا.

الرابع: عقدُ السمسرةِ عقدُ وساطةٍ وتقريبٍ بين العميل والمُتعاقَد معه، يقوم السمسارُ بحملِ إرادة الطرفين على التعاقد، ويكون هدفُه الأساسيُّ تسهيلَ عملية التعاقد على البضاعة أو المُنْتَج محلِّ التعاقد بصورةٍ حقيقيةٍ، أي: أنَّ البضاعة أو المُنْتَجَ مقصودٌ في ذاته مجرَّدٌ عن أيِّ تلبيسٍ.

بينما التسويق الشبكيُّ ليس بهذه الصورة، فهدفُه الأساسيُّ الذي يرمي إليه إنما هو تحصيلُ العمولات والأرباح، فيسوِّق البضاعةَ بنفسه لمَنْ يريد أَنْ يسوِّقها إلى غيره، مِنْ غيرِ أَنْ تكون البضاعةُ أو المُنْتَجُ مقصودًا في ذاته، وإنما هو مَعْبَرٌ للتوصُّل إلى توفير المال وتكثيرِه.

وبناءً على ما تَقدَّم، فإنَّ حُرْمةَ هذه المعاملةِ تتأكَّد بمجموع المحاذير السابقة المُقترِنة بها، وإِنْ كان محذورٌ واحدٌ يكفي في الحكم عليها بالمنع؛ لِمَا اشتملَتْ عليه مِنَ الظلم والفساد، والتسويقُ الشبكيُّ ـ بأسلوبه الإغرائيِّ ـ لا يَمُتُّ بصِلَةٍ للسمسرة المشروعة للفوارق العديدة بينهما ـ كما تقدَّم ـ وإنما حقيقةُ التسويق الشبكيِّ ألصقُ بالميسر والمقامرة والرِّبا.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٤ ربيع الثاني ١٤٣٣ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٧ مــارس ٢٠١٢م

 


(١) أخرجه مسلمٌ في «البيوع» (١٥١٣) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٢) انظر تقسيمَ ابنِ القيِّم للرِّبا الجليِّ والخفيِّ في: «إعلام الموقِّعين» (٢/ ١٥٤ ـ ١٥٥).

(٣) انظر: «المغني» لابن قدامة (٤/ ٣).

(٤) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «البيوع» بابُ بيعِ الفضَّة بالفضَّة (٢١٧٧)، ومسلمٌ في «المساقاة» (١٥٨٤)، مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه.

(٥) أخرجه أبو داود في «الإجارة» بابٌ في النهي عن العِينة (٣٤٦٢) مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» (١١).

(٦) «سُبُل السلام» للصنعاني (٣/ ٢٨).

(٧) أخرجه أبو داود في «العلم» باب التوقِّي في الفُتْيا (٣٦٥٧) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٦٠٦٨).