في قابلية الحدث للانقسام والتجزُّؤ | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 21 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 18 نوفمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١١٤١

الصنف: فتاوى الطهارة - الوضوء

في قابلية الحدث للانقسام والتجزُّؤ

السؤال:

هل يرتفع الحدثُ عن كُلِّ عضوٍ مِنْ أعضاء الطهارة بمجرَّدِ غَسْلِه، أم لا يرتفع الحدثُ عن شيءٍ منها إلَّا بتمام الطهارة؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فهذا السؤالُ هو قاعدةٌ مختلَفٌ فيها، وهي: «هل يرتفع الحدثُ عن كُلِّ عضوٍ مِنْ أعضاء الوضوء بمُجرَّدِ غَسْلِه، أم لا يرتفع الحدثُ عن شيءٍ منها إلَّا بعد تمام الوضوء؟».

وهذه القاعدةُ يتفرَّعُ عنها مسائلُ منها: الاختلافُ في اشتراطِ كمالِ الطهارة وقتَ لُبْسِ الخفِّ، كمَنْ غَسَلَ رِجْلَه اليمنى فأَدْخلها في الخُفِّ قبل أَنْ يغسل رِجْلَه اليسرى، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَه اليسرى فأَدْخَلها في الخُفِّ: هل يجوز له المسحُ على الخُفَّين إذا أَحْدَث بعد ذلك؟

وكذلك عند مَنْ يرى عدَمَ وجوبِ الترتيب في الوضوء وغَسَلَ رِجْليه ولَبِسَ خُفَّيه ثُمَّ أَتمَّ وضوءَه: هل يمسح عليهما بعد ذلك؟

مع أنَّهم مُجْمِعون على أنَّه لو نَزَعَ الخُفَّ الأَوَّل بعد غَسْلِ الرِّجل الثانية ثُمَّ لَبِسَهما جاز له المسحُ.

ومِمَّنِ اشترط كمالَ الطهارةِ مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ في أصحِّ الروايتين عنه، خلافًا لأبي حنيفة والثوريِّ والمُزَنيِّ وداود، وهو ما اختاره ابنُ المنذر مِنْ عدم اشتراط كمال الطهارة.

وسبب الخلاف في المسألة ـ عندي ـ يرجع إلى الحدث كمعنًى مِنَ المعاني: هل يقبل الانقسامَ والتجزُّؤ أم لا؟

قال العراقيُّ ـ رحمه الله ـ: «مَحَلُّ وجوبِ الإتيان بالمقدور عليه مِنَ الواجب هو ما إذا كان المأتيُّ به مِنَ القُرَب يتجزَّأ، فأمَّا إذا كان لا يتجزَّأ ـ كاليوم الواحد في الصوم ـ فإنَّه لا يجب الإتيانُ بالمقدور عليه منه؛ لأنَّه لا يتجزَّأ، وإذا فَسَدَ بعضُه فَسَدَ كُلُّه»(١).

وعليه، فمَنْ رأى عدَمَ قابليةِ الحدث للانقسام والتجزُّؤ فلا يرتفع منه جزءٌ، بل يبقى على حدَثِه إلى تمام الوضوء؛ ذلك لأنَّه يُشترَطُ ـ في المسح على الخُفِّ ـ أَنْ يكون ـ وقتَ لُبْسِه ـ غيرَ مُحْدِثٍ.

وعلى مذهبِ مَنْ يرى أنَّ الحدث قابلٌ للانقسام والتجزئة، فإنَّه يَطْهُرُ الجزءُ الذي غَسَله، ويرتفع الحدثُ عن العضو المغسول بمجرَّدِ غَسْلِه ولو قَبْلَ تمام الوضوء، ويصحُّ المسحُ عليه بعده؛ لأنَّه ـ وقتَ لُبْسِه ـ لم يكن مُحْدِثًا.

فإذا تَقرَّرَ ما تَقدَّمَ ذِكْرُه فقَدْ ثَبَتَ مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها قالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ» رواه الشيخان وغيرُهما(٢)، وفي «صحيح مسلم» عنها قالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ»(٣)، وعن ابنِ عمر رضي الله عنهما أنَّ عمر قال: «يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟» قَالَ: «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ»(٤)، وفي روايةٍ لمسلمٍ: «لِيَتَوَضَّأْ ثَمَّ لْيَنَمْ»(٥)، وفي حديثِ عطاء بنِ يسارٍ ـ رحمه الله ـ قال: «رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يَجْلِسُونَ فِي المَسْجِدِ وَهُمْ مُجْنِبُونَ إِذَا تَوَضَّئُوا وُضُوءَ الصَّلَاةِ»(٦).

قال الحافظ ـ رحمه الله ـ: «وقال جمهورُ العلماء: المرادُ بالوضوء ـ هنا ـ: الشرعيُّ، والحكمةُ فيه أنَّه يخفِّف الحدثَ، ولا سيَّما على القول بجواز تفريق الغُسْل»(٧).

قلت: فإِنْ كانَتْ فائدةُ الوضوءِ تخفيفَ الحدث وهو معنًى مِنَ المعاني؛ فهي تدلُّ ـ مِنْ نفس الجهة ـ على قابليةِ الحدث للتجزئة. ويؤيِّدُ ذلك ما رواهُ ابنُ أبي شيبة بسندٍ رجالُه ثِقَاتٌ عن شدَّاد بنِ أوسٍ الصحابيِّ رضي الله عنه قال: «إِذَا أَجْنَبَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ؛ فَإِنَّهُ نِصْفُ [غُسْلِ] الجَنَابَةِ»(٨)، فضلًا عمَّا تَقدَّمَ ترجيحُه مِنْ جواز الجمع بين الوضوء والتيمُّم(٩) على أَنَّها قُرْبةٌ قابلةٌ للتجزُّؤ، واختار هذا القولَ شيخُ الإسلام ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ حيث قال: «ومَنْ غَسَلَ إحدى رِجْليه ثمَّ أدخلها الخُفَّ قبل غَسْلِ الأخرى فإنَّه يجوز المسحُ عليها مِنْ غير اشتراطِ خَلْعٍ، ولُبْسُه قبل إكمال الطهارة كلُبْسِه بعدها، وكذا لُبْسُها قبل كمالها [يعني: لُبْسَ العمامة قبل كمال الطهارة]، وهو إحدى الروايتين، وهو مذهبُ أبي حنيفة»(١٠).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

 


(١) «طرح التثريب» للعراقي (٢/ ١١٩).

(٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الغُسل» باب الجُنُبِ يتوضَّأ ثمَّ ينام (٢٨٨)، ومسلمٌ في «الحيض» (٣٠٥)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٣) أخرجه مسلمٌ في «الحيض» (٣٠٥) مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها.

(٤) أخرجه البخاريُّ في «الغُسل» باب الجُنُب يتوضَّأ ثمَّ ينام (٢٨٩)، ومسلمٌ في «الحيض» (٣٠٦)، مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمر رضي الله عنهما.

(٥) أخرجه مسلمٌ في «الحيض» (٣٠٦) مِنْ حديثِ عبد الله بنِ عمر رضي الله عنهما.

(٦) أخرجه سعيد بنُ منصورٍ في «سننه» (٤/ ١٢٧٥) رقم: (٦٤٦). وقال الألبانيُّ في «الثمر المستطاب» (٢/ ٧٥٤): «وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرطِ مسلمٍ».

(٧) «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٣٩٤).

(٨) أخرجه ابنُ أبي شيبة في «المصنَّف» (١/ ٦٢) رقم: (٦٦٣). وانظر: «فتح الباري» لابن حجر (١/ ٣٩٤).

(٩) انظر الفتوى رقم: (٣) الموسومة ﺑ: «في حكم إتمام الطهارة بالتيمُّم» على الموقع الرسميِّ لفضيلة الشيخ أبي عبد المعزِّ محمَّد علي فركوس ـ حفظه الله ـ.

(١٠) «الفتاوى الكبرى» لابن تيمية (٥/ ٣٠٥)، «اختيارات ابن تيمية» للبعلي (١٤).