في حكم مسألتي بيع التورُّق والعِينة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
السبت 23 ذي الحجة 1440 هـ الموافق لـ 24 أغسطس 2019 م



الفتوى رقم: ١١٦٩

الصنف: فتاوى المعاملات المالية - البيوع

في حكم مسألتي بيع التورُّق والعِينة

السؤال:

ما حكم التعامل مع شركةٍ طريقةُ معاملتها مع الزبائن ما يأتي:

١) تشتري سلعًا مباحةً بجميع أنواعها إلى أجلٍ معلومٍ بثمنٍ يفوق قيمتَها الحقيقية في السوق، ثمَّ تبيعها لغير البائع الأوَّل بأقلَّ مِن ثمنها الذي اشترت به نقدًا في الحال.

٢) يبيع بعض الناس للشركة السيَّارةَ أو السلعة بثمنٍ إلى أجلٍ معلومٍ، ثمَّ يقوم المشتري -أي: الشركة- بإعادة بيعها لبائعها الأوَّل في الحال بأقلَّ مِن الثمن الذي باعها به.

ويشتري آخرون السيَّارةَ مِن الشركة نقدًا، وبعد مدَّةٍ يسيرةٍ -يومٍ أو يومين- يعيد بيعَها للشركة إلى أجلٍ بأكثرَ مِن الثمن الذي اشتراها به. وبارك الله فيكم.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فهذه المعاملة تضمَّنت صورتين مِن صور البيع المختلَف فيهما:

الأولى: التورُّق: وهي أن يشتريَ سلعةً تساوي ألفَ دينارٍ -مثلاً- حالاًّ، بألفٍ وعشرين دينارًا نسيئةً، لغير قصدِ الانتفاع بالسلعة، وإنما ليبيعَها المشتري مِن آخَرَ بما يساويها حالاًّ (أي: بألف دينارٍ)، فينتفعُ بثمنها لأنَّ غرضَه الورِقُ أي: الدراهم أو المال لا السلعة.

وحكم بيع التورُّق -بالصورة المذكورة-: على الكراهة التحريمية على أرجح قولَيِ العلماء، وهذا الحكم مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما وعمر بن عبد العزيز وهو قول مالكٍ(١) ونصره ابن تيمية(٢)، قال عمر بن عبدِ العزيز: «التورُّق آخِيَة الربا» أي: أصل الربا(٣)، ذلك لأنَّ المقصود مِن هذه المعاملة -في الظاهر- الوصولُ إلى الربا المحرَّم عن طريق هذه المعاملة، وهي صورةٌ تتحقَّق -غالبًا- عند الحاجة إلى النقود مع تعذُّر الاقتراض، لذلك يُمنع التحايل على الربا بهذا الوجه أو بغيره سدًّا لذريعة المحرَّم.

فإن خَلَتْ هذه المعامَلةُ مِن التحيُّل على الربا، كأن تكون السلعةُ عند الدائن وقتَ العقد، ويقبضَها المدينُ قبضًا تامًّا، ويبيعَها -بسعر السوق- لغيرِ مَن اشتراها منه بدون سابقِ تواطؤٍ؛ فإنَّ هذه المعاملةَ -بهذا الاعتبار- جائزةٌ لعموم النصوص الدالَّة على جواز البيع، ولأنه لا فرق في مقصود المشتري بين الانتفاع بالسلعة مِن استهلاكٍ أو استعمالٍ أو تجارةٍ، وبين أن يشتريَها لينتفعَ بثمنها لانتفاء المحذور الشرعيِّ -السالف البيان- مِن التحايل على الربا.

وجديرٌ بالملاحظة والتنبيه أنَّ قول السائل عن الشركة بأنها «تشتري سِلَعًا مباحةً بجميع أنواعها إلى أجلٍ» مرادُه أن يكون البدلان ممَّا يصحُّ فيهما الأجلُ، لأنَّ ثَمَّةَ بعضَ المعاملات التي لا تقبل النَّساءَ، وشرطُها التقابض في الحالِ كالذهب مع الفضَّة، أو النقود الورقية مع الذهب أو مع الفضَّة، وإلاَّ كانت المعاملةُ ربويةً مِن قسم ربا النسيئة في البيوع أو الربا الخفيِّ، لأنَّ شرط التقابض في المجلس الواحد فيها متَّفقٌ عليه لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «وَلاَ تَبِيعُوا غَائِبًا بِنَاجِزٍ»(٤)، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»(٥).

الصورة الثانية: -في شقِّها الأوَّل- بيعُ العِينة: وهي أن يبيع رجلٌ سلعةً بثمن «ألف دينارٍ» -مثلاً- إلى أجلٍ معلومٍ كشهرٍ، ثمَّ يبيعَ المشتري السلعةَ نفْسَها لبائعها الأوَّل في الحالِ بأقلَّ مِن الثمن الذي باعها به كخمسمائة دينارٍ، وترجع السلعةُ إلى بائعها الأوَّل، وفي نهاية الأجل المحدَّد لدفع الثمن في العقد الأوَّل يدفع المشتري كاملَ الثمن، فيكونُ الفرق بين الثمنين لصاحب المتاع الذي باع بيعًا صوريًّا، والغرض مِن هذه المعاملة كلِّها هو التحايل على القرض بالربا عن طريق البيع والشراء.

وحكم بيع العِينة: التحريمُ على أرجح قولَيِ العلماء، وهو مذهب الجمهور، وبه قال أبو حنيفة ومالكٌ وأحمد وأتباعُهم، وهو مرويٌّ عن ابن عبَّاسٍ وعائشةَ وأنسٍ رضي الله عنهم، والحسنِ وابن سيرينَ والشعبيِّ والنخعيِّ، وهو مذهب الثوريِّ والأوزاعيِّ(٦).

ويدلُّ على تحريم بيع العِينة: قولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ؛ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ»(٧)، وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَنْ بَاعَ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ فَلَهُ أَوْكَسُهُمَا أَوِ الرِّبَا»(٨)، وما ثبت عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه سئل عن رجلٍ باع مِن رجلٍ حَريرةً بمائةٍ ثمَّ اشتراها بخمسين فقال: «دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ مُتَفَاضِلَةٍ دَخَلَتْ بَيْنَهَا حَرِيرَةٌ»(٩)، وعنه رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: «اتَّقُوا هَذِهِ العِينَة، لاَ تَبِيعُوا دَرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ بَيْنَهُمَا حَرِيرَةٌ»(١٠)، وعن أنسٍ رضي الله عنه أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْعِينَة –يَعْنِي: بَيْعَ الحَرِيرَةِ- فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ لاَ يُخْدَعُ، هَذَا مِمَّا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ»(١١).

ولا يخفى أنَّ تحريم بيع العِينة مبنيٌّ على أصل سدِّ الذرائع، لأنه ذريعةٌ إلى الربا، وبه يُتوصَّل إلى إباحةِ ما حرَّم اللهُ تعالى، و«الوسيلة إلى الحرامِ حرامٌ».

أمَّا شقُّها الثاني: وهي كونُ بيعِ السلعة -في العقد الثاني- بثمن المثل أو أكثرَ فجائزٌ، وكذا يجوز شراؤها بأيِّ ثمنٍ شاء ولو بأقلَّ مِن ثمنها في حالة نقصان المبيع عن قيمته، وقد أفصح عن هذه الملاحظة والتنبيه ابنُ قدامةَ المقدسيُّ -رحمه الله- حيث قال: «.. فأمَّا بيعُها بمثل الثمن أو أكثرَ فيجوز لأنه لا يكون ذريعةً، وهذا إذا كانت السلعةُ لم تنقص عن حالة البيع، فإن نقصت... جاز له شراؤها بما شاء، لأنَّ نَقْصَ الثمن لنقص المبيع لا للتوسُّل إلى الربا، وإن نقص سعرُها أو زاد لذلك أو لمعنًى حدث فيها لم يَجُزْ بيعُها بأقلَّ مِن ثمنها كما لو كانت بحالها»(١٢) بتصرُّف.

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٩ ربيع الثاني ١٤٣٥ﻫ
الموافـق ﻟ: ١٩ فبـرايـر ٢٠١٤م


(١) انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد (٢/ ١٦٢).

(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٩/ ٤٤٢)، «الاختيارات الفقهية لابن تيمية» للبعلي (١٢٩).

(٣) المصدر السابق.

(٤) أخرجه البخاري في «البيوع» باب بيع الفضة بالفضة (٢١٧٧)، ومسلم في «المساقاة» (١٥٨٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

(٥) أخرجه مسلم في «المساقاة» (١٥٨٧)، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

(٦) انظر: «بداية المجتهد» لابن رشد (٢/ ١٤٢)، «المغني» لابن قدامة (٤/ ١٩٣)، «نيل الأوطار» للشوكاني (٦/ ٣٦٣).

(٧) أخرجه أبو داود في «أبواب الإجارة» باب في النهي عن العينة (٣٤٦٢)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١/ ٤٢).

(٨) أخرجه أبو داود في «أبواب الإجارة» باب فيمن باع بيعتين في بيعة (٣٤٦١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وحسنه الألباني في «الإرواء» (٥/ ١٥٠)

(٩) انظر: «حاشية ابن القيِّم» مع «عون المعبود» (٩/ ٢٤١).

(١٠) المرجع والصفحة نفسهما.

(١١) «تهذيب السنن» (٩/ ٢٤٢)، وروي مثلُه عن ابن عبَّاسٍ كما في المرجع السابق.

(١٢) «المغني» (٤/ ١٩٤) و«الكافي» (٢/ ٢٦) كلاهما لابن قدامة.