في تعلُّق سمع الله وبصره بالمسموع والمُبْصَر من الموجودات | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 17 ربيع الأول 1441 هـ الموافق لـ 14 نوفمبر 2019 م



الفتوى رقم: ١١٧٠

الصنف: فتاوى العقيدة - التوحيد وما يُضادُّه - الأسماء والصفات

في تعلُّق سمع الله وبصره بالمسموع والمُبْصَر من الموجودات

السؤال:

نقلتم حفظكم الله تعليقَ الكِرْمانيِّ الذي نقله ابنُ حجرٍ على الأحاديث التي أوردها البخاريُّ -رحمهم الله- في «باب: ﴿وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [النساء: ١٣٤]» بما نصُّه: «المقصود مِن هؤلاء الأحاديثِ إثباتُ صفتَيِ السمع والبصر، وهما صفتان قديمتان من الصفات الذاتية، وعند حدوث المسموع والمُبْصَر يقع التعلُّق»(١)، فما معنى هذا الكلام؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإنَّ ما تقرَّر -عند أهل السنَّة والجماعة- أنَّ السمع والبصر يتعلَّق بالموجود المسموع والمُبْصَر دون المعدوم، فالسمعُ والبصر مِن الصفات الذاتية الفعلية قديمةِ النوع حادثةِ الآحاد، والتعلُّقُ -عندهم- أمرٌ وجوديٌّ ثبوتيٌّ يحصل عند وجود المسموعِ والمُبْصَر، أي: يتجدَّد السمعُ والبصر عند حدوث المسموعات والمُبْصَرات.

خلافًا لِما قرَّره الكِرْمانيُّ مِن الأشاعرة -وإن كانوا هُمْ والكُلاَّبية موافِقين في الإثبات في الجملة- إلاَّ أنهم يخالفون أهلَ السنَّة في حقيقة إثبات السمع والبصر، فإنهم يثبتون السمعَ والبصرَ صفتين قديمتين، كما يثبتون متعلَّقَ السمعِ والبصرِ واحدًا وهو الموجوداتُ مطلقًا، فإنَّ الله تعالى -عندهم- يسمعُ المسموعاتِ بسمعٍ واحدٍ قديمٍ، ويبصر المُبْصَرات ببصرٍ واحدٍ قديمٍ، ولا يتجدَّد له سمعٌ ولا بصرٌ عند حدوث المسموعات والمُبْصَرات، وإنما يتجدَّد التعلُّقُ، ويقصدون بالتعلُّق أمرًا عدميًّا لا وجوديًّا، فرارًا من القول بحلول الحوادث بذاته، ولذلك كان مذهبُهم مبنيًّا على نفي الصفات الفعلية الاختيارية عن الله تعالى.

هذا، ويدلُّ على صحَّة مذهب أهل السنَّة والجماعة في أنَّ الله يسمع ويبصر وينظر إلى الأقوال والأعمال عند وجودها قولُه تعالى في حقِّ التائبين: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ [التوبة: ١٠٥]، ففيه دليلٌ على أنَّ الله تعالى يرى عملَهم بعد نزول هذه الآية الكريمة، وقولُه تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ [يونس: ١٤]، فلام التعليل -في الآية- تقتضي أنَّ ما بعدها متأخِّرٌ عن المعلول، فنظرُه سبحانه إلى كيفَ يعملون هو بعد جعلِهم خلائف، ومثلُه قولُه تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ. وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء: ٢١٨-٢١٩].

وكذلك السمع المتعلِّق بالمسموعات بقسميه:

فالأوَّل: السمع بمعنى إدراكه سبحانه لجميع الأصوات الظاهرة والباطنة والخفيَّة والجليَّة وإحاطته التامَّة بها، فهذا القسم قد يُقصد به التهديد كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ [الزخرف: ٨٠]، وكقوله تعالى في حقِّ اليهود: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ [آل عمران: ١٨١]، فأخبر تعالى أنه سمع منهم عند حدوث قولهم.

وقد يُقصد به التأييد مثل قوله تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى [طه: ٤٦]، فإنه يسمع سبحانه ما يقولان وما يقال لهما كما يرى ما يفعلان وما يُفعل لهما حالَ ذلك.

وقد يُقصد به بيان إحاطة الله كقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة: ١]، فالله تعالى أخبر أنه يسمع تحاوُرهما حين كانت تجادل وتشتكي إلى الله تعالى.

والثاني: سميعٌ بمعنى القَبول والاستجابة، فالسمع يتضمَّن مع سمعِ القول قَبولَه وإجابتَه، ذلك لأنَّ الدعاء صوتُ الداعي وسَمِع الله دعاءَه، ومنه قولُه تعالى عن إبراهيم الخليل عليه السلام: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [إبراهيم: ٣٩]، وقولُه صلَّى الله عليه وسلَّم عن الإمام: «وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الحَمْدُ» يَسْمَعُ اللهُ لَكُمْ»(٢)، فجعل الله سبحانه سَمْعَه لنا بعد الحمد جزاءً وجوابًا، قال ابن تيمية -رحمه الله-: «وقد دلَّ الكتاب والسنَّة واتِّفاقُ سلفِ الأمَّة ودلائلُ العقل على أنه سميعٌ بصيرٌ، والسمع والبصر لا يتعلَّق بالمعدوم، فإذا خلق الأشياءَ رآها سبحانه، وإذا دعاه عبادُه سمع دعاءَهم وسمع نجواهم كما قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا [المجادلة: ١]، أي: تشتكي إليه وهو يسمع التحاورَ، والتحاورُ تراجُع الكلام بينها وبين الرسول»(٣).

والعلم عند الله تعالى، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٢ جمادى الأولى ١٤٣٥ﻫ
الموافق ﻟ: ١٣ مـــارس ٢٠١٤م

 


(١) «فتح الباري» لابن حجر (١٣/ ٣٧٥).

(٢) أخرجه مسلم (٤/ ١١٩) رقم (٤٠٤) من حديث أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه.

(٣) «الردًُّ على المنطقيين» (٤٦٥).