في عدم ثبوت الحضانة للأب الكافر | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 20 المحرم 1441 هـ الموافق لـ 19 سبتمبر 2019 م

الفتوى رقم: ١١٨٥

الصنف: فتاوى الأسرة - عقد الزواج - الحقوق الزوجية - الحقوق المنفردة

في عدم ثبوت الحضانة للأب الكافر

السؤال:

أسلمَتِ امرأةٌ، وكان لها مِنْ زوجها الكافرِ أبناءٌ صغارٌ، وبقي أبوهم على كفره؛ فأرادَتْ أَنْ تتزوَّج بمسلمٍ، لكنَّ القوانين الوضعية تُوجِبُ عليها التنازلَ عن أبنائها لمصلحة الزوج الكافر، وإلَّا بَقِيَتْ بلا زوجٍ؟ فما توجيهُكم حَفِظكم اللهُ ورعاكم.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالمرأة الكافرة المتزوِّجة مِنْ كافرٍ ـ إِنْ أسلمَتْ بمُفْرَدِها دون زوجها ـ انفسخ النكاحُ بينهما، وفُكَّتِ العصمةُ الزوجية، وتجب عليها العِدَّةُ، فإِنِ انقضَتْ عِدَّتُها ـ بعد الإسلام وطَهُرَتْ ـ جاز لها أَنْ تتزوَّج بمَنْ شاءَتْ مِنَ المسلمين الأَكْفَاء، فإِنْ أسلم زوجُها الكافرُ ـ وهي في عِدَّتِها ـ كان أحَقَّ بها؛ فلا داعيَ لتجديدِ عقدِ النكاح بينهما، بل يُستصحَبُ العقدُ الأوَّل [الأصليُّ] وتسري أحكامُه عليهما؛ لأنَّ القاعدة العامَّة في زواجِ غيرِ المسلمين هي: «إقرارُ ما يُوافِقُ الشرعَ منها إذا أسلموا»، قال ابنُ عبد البرِّ ـ رحمه الله ـ: «أجمع العلماء أنَّ الزوجين إذا أسلما معًا في حالٍ واحدةٍ أنَّ لهما المُقامَ على نكاحهما، إلَّا أَنْ يكون بينهما نسبٌ أو رضاعٌ يُوجِبُ التحريمَ، وأنَّ كُلَّ مَنْ كان له العقدُ عليها في الشرك كان له المُقامُ معها إذا أسلما معًا، وأصلُ العقدِ معفيٌّ عنه؛ لأنَّ عامَّةَ أصحابِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كانوا كُفَّارًا، فأسلموا بعد التزويج، وأُقِرُّوا على النكاح الأوَّل، ولم يُعتبَرْ في أصل نكاحهم شروطُ الإسلام، وهذا إجماعٌ وتوقيفٌ»(١).

أمَّا الحضانة فهي ثابتةٌ للأمِّ على أبنائها الصغار؛ فهي أحَقُّ بهم لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي»(٢)، وذَكَر ابنُ المنذر ـ رحمه الله ـ الإجماعَ «على أَنْ لا حقَّ للأمِّ في الولد إذا تزوَّجَتْ»(٣)، غير أنَّ الحضانة تبقى لها ـ وإِنْ تزوَّجَتْ ـ إذا كَمُلَتِ الشرائطُ فيها، ولم يُوجَدْ مَنْ يقوم بصفات الحضانة غيرُها؛ لأنَّ الحضانة ولايةٌ تعتمد على الشفقة والتربية والملاطفة، والولدُ يتبع خيرَ أبويه دِينًا، وولايةُ الكافر على المسلم غيرُ جائزةٍ لقوله تعالى: ﴿وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا ١٤١[النساء]؛ فهي كولاية الزواج والمال؛ وعليه فلا تثبت الحضانةُ للأب الكافر ـ على الصحيح مِنْ أقوال أهل العلم ـ لأنَّ مِنْ شروط الحضانةِ الكفاءةَ، والكافرُ ليس كذلك، بل هو غيرُ مأمونٍ على أبنائه الصغار، ولا يُوثَقُ به في أداءِ واجبِ الحضانة، وقد ينشأ الأولادُ تنشئةَ مِلَّةِ أبيهم الكافر ودِينِه، ويتخلَّقون بأخلاقه البعيدةِ عن فطرة الإسلام وأخلاقِه السمحة، ويصعب ـ بعد ذلك ـ تحويلُهم عمَّا نشأوا عليه وتخلَّقوا به، وهذا أعظمُ ضررٍ يلحق الولدَ بحضانةٍ فاسدةٍ لا مراعاةَ فيها للجانب الدينيِّ والخُلقيِّ والتربويِّ.

وعليه، فإنَّ ممَّا تقتضيه الأدلَّةُ الشرعيةُ أنه متى أخَلَّ أحدُ الأبوين بأمر الله ورسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم في الصبيِّ وعطَّله وراعاه الآخَرُ فهو أحَقُّ به وأَوْلى.

هذا ما تَقرَّر شرعًا، والمسلمُ لا يرضى بغيرِ حكم الله تعالى بديلًا، ولا يُقِرُّ بما تجري عليه القوانينُ الوضعية مِنْ موادَّ قانونيةٍ، وخاصَّةً إذا خالفَتِ الشريعةَ الإسلامية وباينَتْ مبادئَها وتعاليمَها.

وعلى مَنْ تجب في حقِّه حضانةُ الأولاد أَنْ يسعى ـ جاهدًا ـ للتخلُّص مِنْ تَبِعات القوانين الوضعية، مع استفراغِ جميعِ طاقته ووُسْعه لإيجاد الحلِّ المُناسِبِ لقضيَّتِه، باستخدامه كافَّةَ الطُّرُقِ الشرعية الكفيلة بذلك؛ حفاظًا على دِينِ الأولاد وفطرتهم، وصونًا لأخلاقهم؛ عملًا بقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟»، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَا[الروم: ٣٠] الآيَةَ(٤).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١١ جمادى الآخرة ١٤٣٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٢٠ مارس ٢٠١٦م



(١) «التمهيد» لابن عبد البرِّ (١٣/ ٢٣).

(٢) أخرجه أبو داود في «الطلاق» باب: مَنْ أحقُّ بالولد؟ (٢٢٧٦) مِنْ حديثِ عمرو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عبد الله بنِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنهما. وحسَّنه الألبانيُّ في «الإرواء» (٧/ ٢٤٤) رقم: (٢١٨٧).

(٣) «الإجماع» لابن المنذر (٨٥).

(٤) أخرجه البخاريُّ في «الجنائز» باب: إذا أسلم الصبيُّ فمات: هل يُصلَّى عليه؟ وهل يُعْرَضُ على الصبيِّ الإسلامُ؟ (١٣٥٨)، ومسلمٌ في «القَدَر» (٢٦٥٨)، مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.