في ثبوت البنوَّة بعد إسلام الأبوين | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 4 ربيع الأول 1439 هـ الموافق لـ 22 نوفمبر 2017 م

الفتوى رقم: ١١٨٦

الصنف: فتاوى الأسرة - عقد الزواج - إنشاء عقد الزواج

في ثبوت البنوَّة بعد إسلام الأبوين

السؤال:

أسلم رجلٌ كافرٌ هو وخليلتُه، وكان بينهما أبناءٌ بمجرَّدِ المصاحَبة والمعاشَرة دون زواجٍ متقدِّمٍ، فهل يثبت لهؤلاء الأبناءِ حكمُ البنوَّة بعد إسلام الأبوين؟ وهل تثبت ـ أيضًا ـ جميعُ الأحكام المتعلِّقة بذلك كالمَحْرَمية مع الأخوال والأعمام؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فقَدْ فرَّق النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بين النكاح والسفاح في أنكحةِ الكُفَّار فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «مَا وَلَدَنِي مِنْ سِفَاحِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ شَيْءٌ، مَا وَلَدَنِي إِلَّا نِكَاحٌ كِنِكَاحِ الْإِسْلَامِ»(١)، فما أثبتوه نكاحًا في غير الإسلام فإنَّ صحَّتَه تثبت ـ في الإسلام ـ وتترتَّب عليه أحكامُه وفقًا للقاعدة العامَّة في زواجِ غيرِ المسلمين، وهي: «إقرارُ ما يُوافِقُ الشرعَ منها إذا أسلموا»، قال ابنُ عبد البرِّ ـ رحمه الله ـ: «أجمع العلماء أنَّ الزوجين إذا أسلما معًا في حالٍ واحدةٍ أنَّ لهما المُقامَ على نكاحهما، إلَّا أَنْ يكون بينهما نسبٌ أو رضاعٌ يُوجِبُ التحريمَ، وأنَّ كُلَّ مَنْ كان له العقدُ عليها في الشرك كان له المُقامُ معها إذا أسلما معًا، وأصلُ العقدِ معفيٌّ عنه؛ لأنَّ عامَّةَ أصحابِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كانوا كُفَّارًا، فأسلموا بعد التزويج، وأُقِرُّوا على النكاح الأوَّل، ولم يُعتبَرْ في أصل نكاحهم شروطُ الإسلام، وهذا إجماعٌ وتوقيفٌ»(٢).

فهذا فيما يعتقد الكُفَّارُ حِلَّه مِنَ الأنكحة في دِينهم، أمَّا ما يعتقدون تحريمَه مِنْ أنكحةٍ فاسدةٍ أو سفاحٍ فإنهم لا يُقَرُّون على ما يعتقدون بطلانَه كما لا يُقَرُّون على أكلهم الرِّبَا وقد نُهُوا عنه، ولا على سرقةِ بعضِهم أموالَ بعضٍ، وقتلِ بعضِهم بعضًا.

فإِنْ أسلما على هذا الوجهِ مِنَ السفاح الذي يعتقدون بطلانَه فقَدِ اتَّفَق العلماءُ على أنَّ «الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ»(٣)، ولكنَّهم يختلفون في وجوبِ تجديد النكاح بينهما ـ في الإسلام ـ وعدمِه؟

والأَوْلى ـ عندي ـ تجديدُ عقدِ النكاح بينهما بالشروط الشرعية ـ احتياطًا للدين ـ لاعتقادهم عدَمَ صحَّةِ العلاقة والمعاشَرةِ بينهما في دِينهم ودينِنا، وإِنْ كان الإسلامُ قد صحَّح الأنكحةَ الفاسدة في حالة الكفر إذا لم يكن المُفْسِدُ قائمًا، كأَنْ تكون إحدى مَحارِمِه مِنَ النسب أو المصاهرة أو الرضاع ونحو ذلك(٤).

أمَّا حكمُ الولد فإنه يتبع خيرَ أبويه دِينًا، فإِنْ أسلما معًا فإنه يُنْسَبُ إلى أبيه، وتجري عليه جميعُ الآثار المتعلِّقة بذلك مِنْ مَحْرَميةٍ ووصيَّةٍ وميراثٍ وغيرِها مِنَ الأحكام والحقوق؛ فقَدْ روى مالكٌ في «الموطَّإ» عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُلِيطُ [أي: يُلْحِقُ] أَوْلَادَ الْجَاهِلِيَّةِ بِمَنِ ادَّعَاهُمْ فِي الْإِسْلَامِ»(٥). ولا يخفى أنهم كانوا ـ في جاهليَّتهم ـ يُسافِحون ويُناكِحون، وأكثرُ نكاحاتهم ـ على حكم الإسلام ـ غيرُ جائزةٍ، وقد أمضاها رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وكذلك فَعَل عمرُ رضي الله عنه.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٢ جمادى الآخرة ١٤٣٧ﻫ
الموافق ﻟ: ٢١ مارس ٢٠١٦م



(١) أخرجه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١٤٠٧٦) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنه، وبمعناه الآجُرِّيُّ في «الشريعة» (٣/ ١٤١٧) مِنْ حديثِ عليٍّ رضي الله عنه. وحسَّنه الألبانيُّ في «الإرواء» (٦/ ٣٢٩) رقم: (١٩١٤).

(٢) «التمهيد» لابن عبد البرِّ (١٣/ ٢٣).

(٣) أخرجه أحمد (١٧٧٧٧) مِنْ حديثِ عمرو بنِ العاص رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٥/ ١٢١) رقم: (١٢٨٠).

(٤) انظر: «أحكام أهل الذمَّة» لابن القيِّم (١/ ٣٩٦).

(٥) أخرجه مالكٌ في «الموطَّإ» (٢/ ٧٤٠)، والبيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٢١٢٦٣).