في أفضليَّةِ قيامِ رمضانَ في المساجد | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الجمعة 6 ربيع الأول 1439 هـ الموافق لـ 24 نوفمبر 2017 م

الفتوى رقم: ١١٨٨

الصنف: فتاوى الصلاة - صلاة التطوُّع

في أفضليَّةِ قيامِ رمضانَ في المساجد

السؤال:

عندنا ـ في المغرب ـ مُصلَّيَاتٌ تُقامُ في الأواخر مِنْ شهر شعبان لصلاة التراويح في رمضان، مع العلم أنَّ هذه المُصلَّيَاتِ لا تُقامُ فيها الصلواتُ الخمس، ويأتون بمُقرِئين ذوي أصواتٍ عذبةٍ بدافعِ جلبِ المُصلِّين وتركِ المساجد؛ بدعوَى أنها تكتظُّ فتنقطع الطُّرُقُ على المسلمين، ويستدلُّون على فعلِهم هذا بحديثِ: «جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا»(١)، ممَّا سبَّب التفرقةَ بين المستقيمين بحيث قِسمٌ بدَّعهم وقِسمٌ بدَّع أعمالهم فقط، والأخير أحلَّ هذا العمل؛ فنرجو ـ مِنْ شيخِنا ـ بيانَ حكمِ هذه المسألة، وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فتُشرَعُ صلاةُ التراويح في رمضان في المسجد والمصلَّى، كما تصحُّ جماعةً وفُرادَى.

والأفضلُ أداءُ صلاة التراويح في قيام رمضان في المسجد مع جماعة المسلمين، بخلافِ سائرِ أيَّام السنة؛ فإنَّ الصلاة في البيوت أفضلُ للذكور والإناث باستثناء الصلاة المكتوبة للذكور؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم لعامَّة الناس ذكورًا وإناثًا: «صَلُّوا ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ فِي بُيُوتِكُمْ؛ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا المَكْتُوبَةَ»(٢)، وقولِه صلَّى الله عليه وسلَّم بخصوص النساء: «وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ»(٣)، وهو يَشْمَل ـ في حقِّهنَّ ـ حتَّى المكتوبة أيضًا، وهذا جمعًا بين الأدلَّة وتوفيقًا بين النصوص.

وتأتي أفضليةُ خصوصِ قيامِ رمضانَ في المساجد على وجه السنَّة المُستقِلَّة شاملةً للذكور والإناث، وتتميَّز المساجد عن غيرها بعدَّةِ اعتباراتٍ منها:

ـ أنَّ الصلاة في المسجد الموقوف لله باعتباره بيتًا مِنْ بيوت الله المُعدَّة للصلاة فيها أفضلُ مِنَ المصلَّى؛ لقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ٣٦[النور]، ولأنَّ المسجد وقفٌ لا يجوز بيعُه أو هِبَتُه، وتُشْرَع فيه تحيَّةُ المسجد، ولا تمكث فيه الحائضُ ولا الجُنُبُ إلَّا بوضوءٍ على قولٍ، ولا يجوز فيه البيعُ والشراء، وغيرها مِنَ الفوارق والخصائص التي تميِّزها عن المُصلَّيَات.

ـ أنَّ الصلاة في المسجد جماعةً أفضلُ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»(٤)، وقد أَحْيَا هذه السنَّةَ عمرُ بنُ الخطاب والصحابةُ رضي الله عنهم، حيث جَمَع الناسَ في صلاة التراويح على إمامٍ واحدٍ للرجال وهو أُبَيُّ بنُ كعبٍ رضي الله عنه، وجَمَع النساءَ وراء تميمٍ الداريِّ رضي الله عنه أو غيرِه؛ إحياءً لسنَّةٍ ماتَتْ في الناس، وبَقِيَ عملُ المسلمين على ذلك، وما اجتمع عليه المسلمون أفضلُ مِنْ غيره بلا ريبٍ.

ـ ولا يخفى على كُلِّ ذي لُبٍّ مَدَى عُلُوِّ شرف المسجد باعتباره خيرَ بقاع الأرض وأَقْدسَها؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا»(٥)، وأنَّ إظهار الشعائر الدينية فيه أقوى مُناسَبةً مِنْ غيره.

أمَّا سائر أيَّام السَّنَة فالصلاةُ في البيوت أفضلُ لِمَا تقدَّم مِنَ الأحاديث أوَّلًا، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ثانيًا ـ: «لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ»(٦)، أي: لا يُصلَّى فيها.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٢ رمضان ١٤٣٨هـ
الموافق ﻟ: ٠٧ جوان ٢٠١٧م



(١) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «التيمُّم» (٣٣٥) وفي «الصلاة» باب قول النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «جُعِلَتْ لِي الأَرْضُ مَسْجِدًا وطهورا» (٤٣٨)، ومسلمٌ في «المساجد ومواضع الصلاة» (٥٢١)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

(٢) أخرجه البخاريُّ «الأذان» باب صلاة الليل (٧٣١) وفي «الأدب» بابُ ما يجوز مِنَ الغضب والشدَّة لأمرِ الله (٦١١٣) وفي «الاعتصام بالكتاب والسنَّة» بابُ ما يُكرَه مِنْ كثرة السؤال وتكلُّفِ ما لا يَعنِيه (٧٢٩٠)، ومسلمٌ في «صلاة المسافرين وقصرِها» (٧٨١)، مِنْ حديثِ زيد بنِ ثابتٍ رضي الله عنه.

(٣) أخرجه أبو داود في «الصلاة» بابُ ما جاء في خروج النساء إلى المسجد (٥٦٧) مِنْ حديثِ ابنِ عمر رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٥١٥) و«صحيح الجامع» (٧٤٥٨).

(٤) أخرجه أبو داود في «الصلاة» بابٌ في قيامِ شهرِ رمضان (١٣٧٥)، والترمذيُّ في «الصوم» بابُ ما جاء في قيامِ شهرِ رمضان (٨٠٦)، والنسائيُّ في «السهو» بابُ ثوابِ مَنْ صلَّى مع الإمام حتَّى ينصرف (١٣٦٤) وفي «قيام الليل وتطوُّع النهار» بابُ قيامِ شهرِ رمضان (١٦٠٥)، وابنُ ماجه في «إقامة الصلاة» بابُ ما جاء في قيامِ شهرِ رمضان (١٣٢٧)، مِنْ حديثِ أبي ذرٍّ رضي الله عنه. وصحَّحه الألبانيُّ في «الإرواء» (٤٤٧) و«صحيح الجامع» (١٦١٥، ٢٤١٧).

(٥) أخرجه مسلمٌ في «المساجد ومواضع الصلاة» (٦٧١) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.

(٦) أخرجه مسلمٌ «صلاة المسافرين» (٧٨٠) مِنْ حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه.