في حكم السُّفْتَجة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 12 صفر 1440 هـ الموافق لـ 21 أكتوبر 2018 م

الفتوى رقم: ١١٩٨

الصنف: فتاوى المعاملات المالية

في حكم السُّفْتَجة

السؤال:

هل يجوز للرَّجل أَنْ يطلب قرضًا ماليًّا محدَّدًا يأخذه في الحجاز ـ مثلًا ـ على أَنْ يكتب للدائن وثيقةً بدَيْنٍ يأخذه في الجزائر؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فمثلُ هذه المعاملةِ ـ بأَنْ يأخذ الرَّجلُ قرضًا في بلد المُقرِض للحاجة ويكتبَ لصاحب المال وثيقةً أو ورقةً ليستوفيَ بها أموالَه عند عائلة المُقترِض أو وكيله في الجزائر ـ مثلًا ـ لتفادي خطر الطريق ـ تُسمَّى عند الفقهاء بالسُّفتجة ـ بفتح السين وضمِّها(١) ـ. وهي محلُّ خلافٍ بين العلماء، حيث يرى الجمهورُ عدمَ جوازها(٢)، وذَهَب فريقٌ آخَرُ إلى أنها جائزةٌ، وهي إحدى الروايتين عن أحمد رجَّحها ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ(٣).

ويرجع سببُ الخلاف في المسألة إلى: هل السفتجة مِنْ قبيل القرض الذي جرَّ منفعةً، أم أنَّ كِلَا الطرفين ينتفع، فالمُقترِض ينتفع بتحصيلِ تلك الأموالِ في ذلك البلد للحاجة، وأمَّا المُقرِض فيأخذ أموالَه في بلد المقترض ويأمن بها الطريقَ، ولعلَّ فيها منافعَ أخرى له؟

ـ فمَنْ رأى أنَّ فيه منفعةً زائدةً مشروطةً في بداية العقد وهي ربحُ أمنِ الطريق قال بعدم الجواز؛ بناءً على حديثِ: «كُلَّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا»(٤)، وهذا قول الجمهور.

ـ ومَنْ رأى أنَّ المنفعة فيها ليست قاصرةً على المقترض، وإنما فيها منفعةٌ لكِلَا الطرفين المُتعاقِدَيْن ـ على ما سبق بيانُه ـ، وأنَّ الشرع لا ينهى عن منافع الناس ومصالحهم، وإنما ينهى عمَّا كان فيه مَضارُّهم وأذيَّتُهم؛ قال بجوازِ هذه المعاملة.

والظاهر أنَّ مِثْلَ هذه المعاملةِ جائزةٌ وليست بممنوعةٍ، وهذا لأسبابٍ:

الأوَّل: أنَّ الحديث الذي استدلَّ به الجمهورُ حديثٌ ضعيفٌ لا يقوى على الحجِّيَّة وإِنْ كان معناه ـ في الجملة ـ صحيحًا(٥).

الثاني: ما رُوِي عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ «أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ الزُّبَيْرِ كَانَ يَأْخُذُ مِنْ قَوْمٍ بِمَكَّةَ دَرَاهِمَ ثُمَّ يَكْتُبُ بِهَا إِلَى مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِالْعِرَاقِ فَيَأْخُذُونَهَا مِنْهُ؛ فَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا؛ فَقِيلَ لَهُ: «إِنْ أَخَذُوا أَفْضَلَ مِنْ دَرَاهِمِهِمْ»، قَالَ: «لَا بَأْسَ إِذَا أَخَذُوا بِوَزْنِ دَرَاهِمِهِمْ»»(٦)، ورُوِي ذلك عن عليٍّ رضي الله عنه أيضًا(٧)، ولو أنَّ الشيخ الألبانيَّ ـ رحمه الله ـ قد ضعَّف الأثرين في «إرواء الغليل»(٨)، إلَّا أنَّ الأصل في المنافع وأنواعِ المكاسب والتجارات الجوازُ ـ كما سَلَف بيانُه ـ، خاصَّةً إِنْ تضمَّنَتْ هذه الأخيرةُ دَفْعَ مفاسدَ وضمانَ أمنِ الطريق، مع أنَّ الانتفاع كان لمصلحة المُقرِض والمُقترِض كِلَيْهما، وقد أجاز هذه المعاملةَ مِنَ التابعين: ابنُ سيرين وإبراهيمُ النَّخَعيُّ وغيرُهما(٩)، كما أجازها المالكيةُ ضرورةً(١٠).

هذا، ويجدر التنبيهُ إلى أمرٍ مُهِمٍّ يتمثَّل في أنَّ الرَّجل إذا أخَذ عملةً في بلدٍ ما فإنَّه لا يجوز له أَنْ يُعطِيَ المُقرِضَ ورقةً يقرِّر فيها أنه يأخذ مالَه بعملةٍ أخرى غيرِ التي دَفَعها، وإلَّا كانَتْ عمليةَ صرفٍ في شكلِ قرضٍ، ويُشترَطُ لصحَّةِ هذه الأخيرةِ المجلسُ الواحد مع جواز التفاضل؛ لحديثِ عُبادةَ بنِ الصامت >: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ؛ فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ»(١١)، وأيضًا حديثُ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه: «لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ؛ وَلَا تَبِيعُوا الوَرِقَ بِالوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ؛ وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ»(١٢).

وعليه، فإنه إذَا باع ـ بهذه الصورة ـ غائبًا بناجزٍ تحقَّق رِبَا النسيئة، وإذا كان رِبَا النسيئة محرَّمًا فلا يجوز اتِّخاذُ القرض بالسفتجة وسيلةً للتحايل على الشرع لتحليلِ ما حرَّم اللهُ مِنَ الرِّبَا.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ١٩ صفر ١٤٣٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٨ نوفمبر ٢٠١٧م



(١) انظر: «القاموس المحيط» للفيروز آبادي (٢٤٧).

(٢) انظر: «المغني» لابن قدامة (٤/ ٣٥٤).

(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٩/ ٤٥٥ ـ ٤٥٦، ٥٣٠ ـ ٥٣١).

(٤) أخرجه البغويُّ في «حديث العلاء بنِ مسلم» (ق١٠/ ٢) عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه، وقد رُوِي مرفوعًا ورُوِي موقوفًا عن ابنِ مسعودٍ وأُبَيِّ بنِ كعبٍ وابنِ عبَّاسٍ وغيرِهم رضي الله عنهم، وقد أجراهُ الفقهاء مجرى القواعد الفقهية.

(٥) ضعَّفه الشيخ الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٥/ ٢٣٥) رقم: (١٣٩٨) و«ضعيف الجامع» (٤٢٤٤).

(٦) أخرجه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١٠٩٤٧) بابُ ما جاء في السفاتج.

(٧) المصدر السابق نفسه.

(٨) انظر: «إرواء الغليل» للألباني (٥/ ٢٣٨).

(٩) انظر: «المغني» لابن قدامة (٤/ ٣٥٤).

(١٠) قال خليلٌ المالكيُّ: «أو عينٍ عَظُمَ حملُها كسفتجةٍ إلَّا أَنْ يعمَّ الخوفُ»، انظر: «الشرح الكبير» للدردير (٣/ ٢٢٥ ـ ٢٢٦) ومعه: «حاشية الدسوقي».

(١١) أخرجه مسلمٌ في «المساقاة» (١٥٨٧).

(١٢) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «البيوع» بابُ بيع الفضَّة بالفضَّة (٢١٧٧)، ومسلمٌ في «المساقاة» (١٥٨٤).