في حكم إثبات الحقوق بالورقة العرفية | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأحد 12 صفر 1440 هـ الموافق لـ 21 أكتوبر 2018 م

الفتوى رقم: ١٢٠٤

الصنف: فتاوى المعاملات المالية

في حكم إثبات الحقوق بالورقة العرفية

السؤال:

شيخَنا أحسن الله إليكم؛ هذا رجلٌ اشترى مِنْ عندنا غَسَّالةً كبيرةً في سنة: ٢٠١٤م ودَفَع ثمنها، وبعد مرور ثلاثة أعوام ـ أي: في ٢٠١٧م ـ تقدَّم إلينا الرَّجلُ بوصل الشراء مُدَّعِيًا أنَّه لم يستلم بعدُ الغسَّالةَ، وليس له بيِّنةٌ على ذلك إلَّا ذلك الوصلَ، أمَّا مِنْ جِهَتِنا فقَدْ وقَفْنا على ملَفٍّ يَنُصُّ على أنَّ الغسَّالة قد تمَّ سدادُ ثمنها، وسيتمُّ تسليمُها لصاحبها في آخِرِ شهر مارس مِنْ تلك السنة، أضِفْ إلى ذلك أنَّنا لم نعثر على تلك الغسَّالةِ في المخزن، ولكن ـ في المقابل ـ لم نعثر على وصل الاستِلَام؛ فما العمل في هذه الحالة؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإذا جاء المشتري يطلب سلعتَه مِنَ البائع ويقول: إنَّه لم يستلمها بعدُ، فإنَّه في هذه الحالةِ يكون مُدَّعِيًا ويُطالَب بالبيِّنة؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»(١)، فإِنْ لم يكن معه إلَّا تلك الوثيقةُ العرفية الصحيحة المُثبِتةُ للشراء، ولم يكن للشركة ما به تُثْبِتُ خلافَه، أي: أنَّها سلَّمَتِ الغسَّالةَ للمشتري؛ فإنه يُحْكَم لمصلحةِ مَنْ أقام البيِّنةَ في حقِّه على غريمه؛ جريًا على قاعدةِ: «الثَّابِتُ بِالبُرْهَانِ كَالثَّابِتِ بِالعِيَانِ».

علمًا أنَّ الوثيقة العرفية وإِنْ كانَتْ وسيلةَ إثباتٍ ظنِّيَّةً لاحتمالِ الصدق والكذب فيها، إلَّا أنها اعتُبِرَتْ ـ في ثبوتِ حقوق الناس ـ بمثابة الدليل القاطع ضرورةً؛ لصعوبة العثور على الدليل القاطع فيها مِنْ جهةٍ، ولانتفاءِ وجود المعارض لهذه الدعوى مِنْ جهةٍ أخرى.

وعليه، فليس للمدَّعى عليه ـ والحالُ هذه ـ إنكارُ الحقِّ الثابت عليه بالبيِّنة الموصوفةِ ـ ضرورةً ـ بالقطعية؛ لعدمِ قَبولها النقضَ.

هذا، ويجدر التنبيهُ ـ في هذا المَقام ـ على «أنَّ الحُقُوقَ فِي الشَّرِيعَةِ لَا تَسْقُطُ بِالتَّقَادُمِ»؛ فكونُ المشتري تَأخَّر عن طلب الغسَّالة ثلاثةَ أعوامٍ لا تأثيرَ له في استحقاقها ـ إِنْ كان صادقًا في دعواه ـ.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٣٠ ربيع الأوَّل ١٤٣٩ﻫ
الموافق ﻟ: ١٨ ديسمبر ٢٠١٧م



(١) أخرجه البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (١٦٤٤٥)، والترمذيُّ في «الأحكام» بابُ ما جاء في أنَّ البيِّنة على المدعِّي واليمينَ على المدعَّى عليه (١٣٤١)، مِنْ حديثِ عمرو بنِ شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه عبد الله بنِ عمرٍو رضي الله عنهما. وأخرجه ـ أيضًا ـ البيهقيُّ في «السنن الكبرى» (٢١٢٠٣) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وشطرُه الأخير أصلُه في الصحيحين بلفظِ: «اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ»: أخرجه البخاريُّ في «الرهن» باب: إذا اختلف الراهن والمرتهنُ ونحوُه فالبيِّنةُ على المدَّعي واليمينُ على المدعَّى عليه (٢٥١٤)، ومسلمٌ في «الأقضية» (١٧١١)، مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وصحَّحه الألبانيُّ في «إرواء الغليل» (٨/ ٢٦٤).