في حكم الشرب قائمًا | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 10 ربيع الثاني 1440 هـ الموافق لـ 17 ديسمبر 2018 م

الفتوى رقم: ١٢٠٣

الصنف: فتاوى الأطعمة والأشربة ـ الأشربة

في حكم الشرب قائمًا

السؤال:

شيخَنا أحسن الله إليكم، ما حكم الشرب قائمًا؟ وإذا كان الحكم بالمنع فكيف يُجابُ عن حديثِ عليٍّ رضي الله عنه، وفيه أنه قام فشَرِب قائمًا، ثمَّ أضاف فِعلَه إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وكذلك حديث ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم شَرِب قائمًا مِنْ زمزم؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فلا يجوز الشربُ قائمًا ـ على أصحِّ أقوالِ أهل العلم ـ لجملةٍ مِنَ المناهي منها ما وَرَد في حديثِ أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِمًا»(١)، وفي لفظٍ آخَرَ عن أنسٍ وأبي سعيدٍ رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَجَرَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا»(٢)، وهو مِنْ أشدِّ ما يكون مِنَ النهي، ومنها ـ أيضًا ـ حديثُ أبي هريرة رضي الله عنه: عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَشْرَبُ قَائِمًا فَقَالَ لَهُ: «قِهْ» قَالَ: «لِمَهْ؟» قَالَ: «أَيَسُرُّكَ أَنْ يَشْرَبَ مَعَكَ الْهِرُّ؟» قَالَ: «لَا»، قَالَ: «فَإِنَّهُ قَدْ شَرِبَ مَعَكَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، الشَّيْطَانُ»(٣)، ولم يأمره النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أَنْ يستقيءَ إلَّا لتحريمه، وقد بيَّن النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عِلَّتَه.

وأمَّا حديثُ عليٍّ رضي الله عنه: «أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ قَعَدَ فِي حَوَائِجِ النَّاسِ فِي رَحَبَةِ الكُوفَةِ حَتَّى حَضَرَتْ صَلَاةُ العَصْرِ، ثُمَّ أُتِيَ بِمَاءٍ فَشَرِبَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَذَكَرَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَامَ فَشَرِبَ فَضْلَهُ وَهُوَ قَائِمٌ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ نَاسًا يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قِيَامًا، وَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ»»(٤)، فإنَّ غايةَ ما يدلُّ عليه: إباحةُ الشرب قائمًا، وهذا الحديث لا يقوى على معارضة الأحاديث المانعةِ لأمرَيْن:

ـ لأنَّ فعله صلَّى الله عليه وسلَّم مُحتمِلٌ للخصوصية بينما أقوالُه غيرُ مُحتمِلةٍ، وهي عامَّةٌ في الزمان والمكان، وقد تَعبَّدَنا اللهُ بها دون أفعاله صلَّى الله عليه وسلَّم المعارضةِ لأقواله صلَّى الله عليه وسلَّم، فضلًا عن أنَّ أفعاله صلَّى الله عليه وسلَّم خاصَّةٌ في الزمن؛ لذلك كان القولُ مقدَّمًا على الفعل، هذا مِنْ جهةٍ.

ـ ولأنَّ النهي ـ مِنْ جهةٍ أخرى ـ حكمٌ تكليفيٌّ أصليٌّ تَضمَّن مفسدةً يجب درؤُها، في حينِ أنَّ الإباحة حكمٌ تكميليٌّ، أُدْخِل في الحكم التكليفيِّ مسامحةً، يستوي فيه الفعلُ والترك، وإذا كان النهيُ مقدَّمًا على الواجب الذي تَضمَّن مصلحةً ـ على الراجح ـ لِمَا تقرَّر في أصول المقاصد أنَّ «دَرْءَ المَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ المَصَالِحِ» فإنَّ النهي يُرجَّح على الإباحة مِنْ بابٍ أَوْلَى ويُقدَّم عليها كما تقرَّر في الأصول.

ومَنْ جَمَع بينهما بحملِ أحَدِهما على الأَوْلى والآخَرِ على الجواز فلا يتناسب ذلك الجمعُ مع ما في أحاديث النهي مِنَ الزجر والأمرِ بالاستقاءةِ ووصفِ الشاربِ قائمًا بأنه يَشْرَبُ معه الشيطانُ، وإذا تقرَّر ذلك فإنه يَمتنِعُ الجمعُ مِنْ هذا الوجه.

وأمَّا حديثُ عبدِ الله بنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «شَرِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا مِنْ زَمْزَمَ»(٥)، فجوابه أنَّ الحديث يَرِد عليه ما تقدَّم مِنِ احتمال الخصوصية بالنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، كما يَحتمِل أنَّ الشرب كان مِنَ القِرْبة وهو قائمٌ لتعذُّرِ الجلوس، أو أنه يُستثنى مِنْ عموم المنع خصوصُ الشرب قائمًا مِنْ زمزمَ على ما ذَهَب إليه فريقٌ مِنْ أهل العلم، ويبقى حكمُ النهي عن الشرب قائمًا في سائر الأوقات والأماكن جمعًا بين عموم النهي وخصوصِ زمزم.

فالحاصل أنَّ طاعة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم فيما أمَرَنا به أو نَهانَا عنه هو دِينُ الله وشرعُه؛ فمُتابَعتُه في أمرِه ونهيِه أَوْلَى مِنْ موافقته في فعلٍ لم يأمرنا أَنْ نُوافِقه فيه؛ لذلك كان الْتزامُ تركِ الشرب قائمًا هو الراجحَ مِنَ المذاهب السابقة لِمَا تقدَّم بيانُه، وفي هذا المعنى قال ابنُ تيمية ـ رحمه الله ـ: «وطاعة الرسول فيما أمَرَنا به هو الأصلُ الذي على كُلِّ مسلمٍ أَنْ يعتمده، وهو سببُ السعادة كما أنَّ تَرْكَ ذلك سببُ الشقاوة، وطاعته في أمره أَوْلَى بنا مِنْ موافقته في فعلٍ لم يأمرنا بموافقته فيه باتِّفاق المسلمين، ولم يتنازع العلماءُ أنَّ أَمْره أوكدُ مِنْ فعله؛ فإنَّ فعله قد يكون مختصًّا به وقد يكون مُستحَبًّا، وأمَّا أمرُه لنا فهو مِنْ دِين الله الذي أَمَرنا به»(٦).

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٣٠ ربيع الأوَّل ١٤٣٩ﻫ
الموافق ﻟ: ١٨ ديسمبر ٢٠١٧م



(١) أخرجه مسلمٌ في «الأشربة» (٢٠٢٤).

(٢) أخرجهما مسلمٌ في «الأشربة» (٢٠٢٤) مِنْ حديثِ أنسٍ رضي الله عنه، و(٢٠٢٥) مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه.

(٣) أخرجه أحمد (٨٠٠٣). وصحَّحه الألبانيُّ في «السلسلة الصحيحة» عند الحديث: (١٧٥).

(٤) أخرجه البخاريُّ في «الأشربة» باب الشرب قائمًا (٥٦١٦).

(٥) مُتَّفَقٌ عليه: أخرجه البخاريُّ في «الأشربة» باب الشرب قائمًا (٥٦١٧)، ومسلمٌ في «الأشربة» (٢٠٢٧).

(٦) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٢٢/ ٣٢١).