في حكمِ مَنْ طاف ستَّةَ أشواطٍ في العمرة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الإثنين 11 ربيع الأول 1440 هـ الموافق لـ 19 نوفمبر 2018 م

الفتوى رقم: ١٢٠٧

الصنف: فتاوى الحجِّ والعمرة ـ العمرة

في حكمِ مَنْ طاف ستَّةَ أشواطٍ في العمرة

السؤال:

اعتمَرْنا قبل أيَّامٍ، وطُفْنَا بالبيت سبعةَ أشواطٍ كاملة بدَأْنا فيها مِنَ الحِجْر المسمَّى بحِجْر إسماعيل(١) وانتهينا به، ظنًّا منَّا أنَّ فِعْلَنا صحيحٌ، ثمَّ شَرِبْنا مِنْ ماء زمزم، ثمَّ واصَلْنا مسيرَنا إلى المَقام لنُصلِّيَ خلفه ركعتين، فمرَرْنا بالركن اليمانيِّ والحَجَر الأسود إلى أَنْ وصَلْنا خلف المَقام، ثمَّ أُعلِمْتُ أنَّ طوافنا ينقصه نصفُ شوطٍ، فهل ـ فعلًا ـ طوافُنا يُعتبَر ناقصًا؛ وهل المسافةُ التي مشَيْناها مِنَ الحِجْر مرورًا بالركن اليمانيِّ والحَجَر الأسود إلى أَنْ وصَلْنا إلى المَقام لنُصلِّيَ خلفه: هل هذه المسافةُ تُعتبَرُ تكملةً للشوط الأخير؟ وما العملُ إذا كان طوافُنا ناقصًا، علمًا أنَّنا لا نستطيع العودةَ إلى مكَّةَ في الوقت الراهن إلَّا أَنْ نستدين، وهو مبلغٌ كبيرٌ، خصوصًا مع وجود الضريبة المفروضة على مَنْ يريد تَكرارَ العمرة، ونحن قُرابةُ خمسةِ أشخاصٍ؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالأصل في الطواف بالبيت أَنْ يَبتدِئَه الطائفُ مُحاذِيًا للحَجَر الأسود عند الإشارة التي تبيِّن بدايتَه، فإِنْ بَدَأ قبل الحَجَر الأسود بيسيرٍ فلا يضرُّه، ولكِنْ إِنْ جاوز الطائفُ المعتمِرُ بدايتَه ـ ولو بخطواتٍ قليلةٍ ـ فلا اعتدادَ بذلك الشوط الذي شَرَع فيه مِنْ غيرِ موضعه المطلوب، ويكون الشوطُ الثاني هو شوطَه الأوَّل، ثمَّ يُتِمُّ الأشواطَ السبعة، فيقع الطوافُ على شرطه لقوله تعالى: ﴿وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٢٩[الحج]، فإِنْ لم يأتِ بالشوط السابع عُدَّ طوافُه ناقصًا غيرَ مُكتمِلٍ؛ ولا اعتبارَ للمسافة المذكورةِ في السؤال؛ لخُلُوِّها مِنْ نيَّةِ إكمال الشوط السابع ـ أوَّلًا ـ ولأنَّ مبدأ الطواف ـ في ذاته ـ لم يقع مِنْ مَحَلِّه ـ ثانيًا ـ ولأنَّ مسافة الطواف لم تكن مُستوعِبَةً لجميع البيت ـ ثالثًا ـ.

فإِنْ تذكَّر قريبًا ـ وهو في طوافه ـ بحيث لم يقطع الموالاةَ بين الأشواط فإنه يرجع إلى الحَجَر ويأتي بالشوط السابع ولا حَرَجَ عليه؛ ذلك لأنَّ الطواف عبادةٌ واحدةٌ يَلزَم فيها الموالاةُ، إلَّا إذا أُقيمَتِ الصلاةُ المفروضة، أو حضرَتْ صلاةُ الجنازة، أو أصابه تعبٌ يسيرٌ يستطيع إكمالَ الأشواط بعده بدون تأخُّرٍ فلا يضرُّه ـ أيضًا ـ.

أمَّا إِنْ لم يتذكَّر إلَّا بعد مدَّةٍ طويلةٍ انقطعت فيها الموالاةُ، سواءٌ سافر أو لم يسافر؛ فإنه يستأنف الطوافَ مِنْ جديدٍ ـ إِنْ طال الفصلُ ـ إذ لا يزال على إحرامه ويَلزَمه ـ إِنْ كان مسافرًا ـ العودةُ إلى مكَّة واستئنافُ الطواف ـ مِنْ أوَّله ـ سبعةَ أشواطٍ، ويعيد السعيَ ـ أيضًا ـ لوجوب الترتيب، علمًا أنَّ محظوراتِ الإحرام التي وَقَع فيها المعتمرُ، والصادرةَ عن جهلٍ وخطإٍ؛ فهي مُغتفَرةٌ لا إثمَ عليه فيها ولا مُؤاخَذةَ ولا فديةَ؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَا[البقرة: ٢٨٦]، وأخبر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّ الله تعالى قال: «قَدْ فَعَلْتُ»(٢)، ولقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»(٣).

فإِنِ استحالَتِ العودةُ أو تعذَّرَتْ ـ لسببٍ أو لآخَرَ ـ فهو في حكم المُحصَر، وله أَنْ يتحلَّل مِنَ الإحرام ويخرجَ منه بذبحِ شاةٍ يُوكِّل مَنْ يشتريها له في الحرم ويذبحها نيابةً عنه ويوزِّع لحمَها على الفقراء لقوله تعالى: ﴿فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِ[البقرة: ١٩٦]، ثمَّ يتحلَّل شرعًا إذ تحلُّلُه السابقُ كان عن تأويلٍ(٤)؛ فإِنْ صَعُبَ عليه ذلك وشقَّ فيذبح شاةً حيث كان بنيَّةِ التحلُّل مِنَ الإحرام ويوزِّعها على الفقراء، ثمَّ يتحلَّل مِنْ إحرامه.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٢٠ شعبان ١٤٣٩ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٦ ماي ٢٠١٨م

 



(١) إطلاقُ «حِجْر إسماعيل» على حِجْر البيت خطأٌ؛ لأنَّ الحِجْر ليس لإسماعيل عليه السلام ولا يعرفه ولم يُدفَن فيه، وإِنْ ذَكَره المؤرِّخون والإخباريُّون، ولكِنْ لم يثبت ـ في ذلك ـ شيءٌ، [انظر: «معجم المناهي اللفظية» لبكر أبو زيد (٢٢٦)].

(٢) أخرجه مسلمٌ في «الإيمان» (١٢٦) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما.

(٣) أخرجه ابن ماجه في «الطلاق» بابُ طلاقِ المُكرَه والناسي (٢٠٤٥) مِنْ حديثِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٧٣١).

(٤) قال النوويُّ ـ رحمه الله ـ في «المجموع» (٨/ ٣٥٥): «إذا أَحرمَ بالعمرة فأُحصِرَ فله التحلُّلُ عندنا وعند الجمهور، ومَنَعه مالكٌ لأنها تفوت؛ دليلُنا قولُه تعالى: ﴿فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ﴾، ونَزَلَتْ عامَ الحُدَيْبِيَة حين كان النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أحرموا بالعمرة فتحلَّلوا وذبحوا الهدايا، وحديثُ هذه القصَّةِ في الصحيح مشهورةٌ».