في حكم تزويج المرأةِ نَفْسَها دون وليِّها | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الخميس 15 ربيع الآخر 1441 هـ الموافق لـ 12 ديسمبر 2019 م

الفتوى رقم: ١٢٢٧

الصنف: فتاوى الأسرة ـ عقد الزواج ـ إنشاء عقد الزواج

في حكم تزويج المرأةِ نَفْسَها دون وليِّها

السؤال:

فتاةٌ خرجَتْ مِنْ بيتها في فرنسا مسافرةً إلى الجزائر دون مَحْرَمٍ قَصْدَ الزواج مِنْ شابٍّ هناك؛ وقد تمَّ الزواجُ في المحكمة دون حضورِ أبيها مع أنه لم يكن عائقًا عن هذا الزواج؛ علمًا أنَّ هذا الشابَّ يدَّعي أنه يستند إلى فتوَى فقهيَّةٍ لفضيلتكم في عدمِ لزومِ حضورِ وليِّ البنت؛ فهنا يَتساءلُ والدُ البنت: كيف يَتِمُّ العقدُ دون حضورِه؟ وكيف لها أَنْ تسافر بمُفرَدها دون مَحْرَمٍ. وجزاكم اللهُ خيرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فالأصل أنه لا يجوز للأب أو الوليِّ أَنْ يَعضُلَ مُولِّيَتَه مِنْ نكاحِ الكُفء، ولا أَنْ يمنعها منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ[النساء: ١٩]، فإِنْ عَضَلها منه فإِنَّ الولايةَ تنتقل إلى مَنْ يَليهِ في الرتبة، فإِنْ تنازعوا وتمادى النزاعُ وأدَّى إلى تفويتِ مصلحَتِها ورعايَتِها فللمرأة أَنْ ترفع أَمْرَها إلى القضاء، وللقاضي أَنْ يزوِّجَها إحقاقًا لحقِّها في الزواج ورفعًا للظلم.

ولا يجوز للمرأة أَنْ تزوِّج نَفْسَها بنفسها دون وليِّها على الصحيح مِنْ مذهبَيِ العلماء، وبه قال مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ خلافًا لأبي حنيفة؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ»، ـ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ـ «فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا، فَإِنْ تَشَاجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ»(١)، أي: إذا كان الوليُّ يَعضُلُها ويمنعها مِنْ زوجٍ كُفءٍ فإنَّ السلطان أو مَنْ يقوم مَقامَه كالقاضي له أَنْ يرفع عنها الظُّلمَ الذي عليها ويُزوِّجَها مِنْ هذا الكفء، ويغني هذا ـ في صحَّة العقد ـ عن موافقة الوليِّ أو حضوره.

أمَّا إذا لم يكن هناك عَضْلٌ، أو مَنَعَ الوليُّ ـ لأسبابٍ صحيحةٍ ـ مُولِّيَتَه مِنَ الزواج فتبقى ولايتُه قائمةً، وليس لها أَنْ تتزوَّج إلَّا بإذنه؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ»(٢)؛ وتتوقَّف صحَّةُ زواجها منه على تجديد العقد الشرعيِّ برِضَى وليِّها وإجازَتِه.

كذلك لا يجوز للمرأة أَنْ تُسافِرَ إلَّا مع زوجٍ أو مَحْرَمٍ بعد استئذانِ وليِّها، وتخرجُ بالضوابط الشرعيَّة، أو تسافر مع رُفقةٍ مأمونةٍ ـ كما نصَّ على ذلك مالكٌ والشافعيُّ ـ تَأمَنُ بها على عِرْضها وتصون شرفَها في سفرها لمقصودٍ صحيحٍ لا في سفرِ معصيةٍ؛ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا، إِلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوِ ابْنُهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوْ أَخُوهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا»(٣)، فإنَّ الزوج وذا المَحْرَمِ يحصل معه الأمنُ في الطريق.

فإِنْ كان المقصودُ مِنْ سفرها فاسدًا كسفرِ معصيةٍ فإنه لا يجوز ـ والحالُ هذه ـ أَنْ تُسافِرَ ولو بالضوابطِ الشرعيَّة؛ لأنَّ «كُلَّ مَا يُؤَدِّي إِلَى حَرَامٍ فَهُوَ حَرَامٌ»، و«كُلَّ مَا بُنِيَ عَلَى فَاسِدٍ فَهُوَ فَاسِدٌ».

هذا كُلُّه فيما إذا لم يمنعها وليُّها مِنَ الزواج مِنْ كُفءٍ لدِينه وخُلُقه وقُدرَتِه على النفقة، فإِنْ كان كذلك فلا يمنعها منه إذا تَوسَّمَ فيه الخيرَ، وله أَنْ يُعينَ ابنتَه على العفَّة والطاعة والسَّداد في العمل دون طريق الغواية.

واللهُ المُوفِّقُ لكُلِّ خيرٍ؛ إنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٠٧ صفر ١٤٤١ﻫ
الموافق ﻟ: ٠٦ أكتوبر ٢٠١٩م



(١) أخرجه أبو داود في «النكاح» بابٌ في الوليِّ (٢٠٨٣)، والترمذيُّ في «النكاح» بابُ ما جاء: لا نكاحَ إلَّا بوليٍّ (١١٠٢)، وابنُ ماجه في «النكاح» باب: لا نكاحَ إلَّا بوليٍّ (١٨٧٩)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٢٧٠٩).

(٢) أخرجه ابنُ حبَّان في «صحيحه» (٤٠٧٥)، والطبرانيُّ في «الأوسط» (٩٢٩١)، مِنْ حديثِ عائشة رضي الله عنها. وصحَّحه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (٧٥٥٧).

(٣) أخرجه بهذا اللفظِ مسلمٌ في «الحجِّ» (١٣٤٠) مِنْ حديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رضي الله عنه. وهو بنحوه في البخاريِّ في «فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة» بابُ مسجد بيت المقدس (١١٩٧).