في حكم وقوع الطلاق المقرون بالمشيئة | الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ أبي عبد المعز محمد علي فركوس حفظه الله
Skip to Content
الأربعاء 13 صفر 1442 هـ الموافق لـ 30 سبتمبر 2020 م

الفتوى رقم: ١٢٣٩

الصنف: فتاوى الأسرة ـ انتهاء عقد الزواج ـ الطلاق

في حكم وقوع الطلاق المقرون بالمشيئة

السؤال:

قال رجل لزوجته: «أنت طالق إن شاء الله»، فهل يقع طلاق من أتبعه بمشيئة الله؟ وشكرًا.

الجواب:

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلام على مَنْ أرسله الله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فهذه المسألة مختلفٌ فيها، ومنشأُ الخلاف فيها راجعٌ إلى حديث الاستثناء في قوله صَلَّى الله عليه وسَلَّم: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ فَقَدِ اسْتَثْنَى، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ»(١)، فهل يدخل إيقاع الطلاق في عموم الحديث فيكون مِن جُملة الأَيمان، أم أنَّ إيقاع الطلاقِ المقرونِ بالمشيئة ليس يمينًا فلا يدخل فيه إلَّا الحَلِف بالطلاق(٢).

وقد ذهب الحنفيّة والشافعيّة وهو إحدى الرّوايتين عن أحمد وابنُ حزمٍ وغيرهم(٣) إلى أنَّه إذا قال: «أنت طالق إن شاء الله» موصولًا نفعه الاستثناء، إذ يؤثِّر الاستثناء في الطّلاق، ولا شيءَ عليه؛ لدخوله في عموم الحديث السّابق.

وأيَّدوا مذهبهم بما يُروى عن رسول الله صَلَّى الله عليه وسَلَّم أنه قال: «مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتَاقٍ وَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ مُتَّصِلًا فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ»(٤)، وبما يُروَى من حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما مرفوعًا: «مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللهُ، أَوْ غُلَامِهِ أَنْتَ حُرٌّ إِنْ شَاءَ اللهُ، أَوْ عَلَيْهِ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ»(٥).

والصحيح ـ عندي ـ أنَّ الطلاق ـ في حدِّ ذاته ـ لا يدخل في حديث الاستثناء السابق: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ فَقَدِ اسْتَثْنَى، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ»، وهو أنه إذا قال الرجل لزوجته: «أنت طالق إن شاء الله» طُلِّقت، فلا يسقط الطّلاق بالاستثناء؛ لأنَّ الطلاق ليس مِن الأَيمان، وهذا القول هو المأثور عن الصحابة رضي الله عنهم وجمهورِ التابعين، وهو مذهب مالكٍ وأحمدَ وغيرِهم(٦)، قال ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ: «وليس في الطلاق ولا العتاق استثناء بإن شاء الله، وإنما هو الاستثناء في اليمين بالله خاصَّة»(٧)، وإنَّما يدخل في عموم الحديث السابق الحلف بالطلاق مثل قوله: «الطلاق يلزمني إن فعلت كذا» أو ما كان في معنى خبر معلَّق عليه، كتعليق الوعد، فإذا قال: «أفعل إن شاء الله» ولم يفعل لم يكن مُخْلِفًا كما لا يكون في اليمين حانثًا، فلا يكون في الطّلاق أيضًا، وهو ما صوَّبه ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ـ رحمهما الله ـ(٨).

فقد رَوَى ابن عمر وأبو سعيدٍ الخدريُّ رضي الله عنهم قال: «كُنَّا مَعَاشِرَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَرَى الِاسْتِثْنَاءَ جَائِزًا فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي الطَّلَاقِ والْعِتَاقِ»(٩).

قال ابن قدامة ـ رحمه الله ـ عَقِبه: «وهذا نقلٌ للإجماع، وإن قُدِّر أنه قول بعضهم فانتشر، ولم يُعلم له مخالف، فهو إجماعٌ»(١٠)؛ وهذا الإجماع وإن كان ضعيفًا لضعف مستنده إلا أنّه معتبر في إفادة كون الطلاق ـ في حقيقته ـ ليس يمينًا أصالةً إلَّا إذا خرج مخرج الحلف بالطلاق أو كان خبرًا معلَّقًا ـ كما تقدَّم ـ؛ ذلك لأنَّ الطلاق المقرون بالمشيئة ليس بيمينٍ حقيقةً، وإن سُمِّي بذلك فمجازٌ لا تُترَكُ الحقيقةُ مِنْ أجله.

ولأنَّ الطلاق إزالةُ ملك فلم يصحَّ تعليقه على مشيئة الله، فلو عَلَّقه بقي حكم الطلاق كالإبراء، كما أنَّه يبقى حكم البيع والنكاح إذا عُلِّق حُكمهما على المشيئة؛ لأنَّ الطلاق المقرونَ بالمشيئة هو استثناءُ حكمٍ في محلٍّ فلا يرتفع بالمشيئة، فلو قال: «أبرأتك إن شاء الله» أو «بعتك إن شاء الله» أو «زوجتُكَ فلانةَ إن شاء الله» فلا يرتفع إيقاع الحكم في هذه الأمثلة بالمشيئة(١١).

أمَّا الاستدلال بحديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا: «مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللهُ، أَوْ غُلَامِهِ أَنْتَ حُرٌّ إِنْ شَاءَ اللهُ، أَوْ عَلَيْهِ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ»، فإنَّه لو صحَّ لكان حُجَّةً قاطعةً في المسألة، غيرَ أنَّه ضعيفٌ لا يَنتهض للاستدلال، قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ: «وفي إسناده إسحاق بن أبي يحيى الكعبي، وفي ترجمته أورده ابن عَدِيٍّ في «الكامل» وضعَّفه، قال البيهقي: وروى عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، والراوي عنه الجارود بن يزيد ضعيف»(١٢).

وأمَّا حديث: «من حلف بطلاقٍ أو عِتاقٍ وقال: إن شاء الله مُتَّصلًا فلا حِنْث عليه»، فقد قال الزيلعي عنه في تخريجه للحديث بأنه «غريب بهذا اللفظ»(١٣)، وقال الحافظ: «لم أجده»(١٤)، ولم يعزواهُ إلى أيٍّ مِنْ كُتُب السُّنَّة.

وعليه، فلم يبقَ للحنفية ومَنْ وافقهم مِنْ حُجَّةٍ أو مستندٍ سوى حمل حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ فَقَدِ اسْتَثْنَى، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ» على شموله للطلاق كأحدِ أفراد العموم، وهذا ـ بلا شكٍّ ـ تحميلٌ للعامِّ ما لا يحتمله، إذ قوله: «أنتِ طالقٌ إن شاء الله» ليست يمينًا، كما أنَّ مَنْ أخرج الحَلِفَ بالطلاق مثل قوله: «الطلاق يلزمني لأفعلنَّ كذا أو لا أفعله إن شاء الله»، أو «إن فعلته فامرأتي طالق إن شاء الله»، فقد أخرج من القول العامِّ ما هو داخل فيه وشامل له؛ لأنَّ هذا يمينٌ بالطلاق، على ما ذكره ابن تيمية ـ رحمه الله ـ(١٥).

فالحاصل: أنَّ الطلاق ـ في حدِّ ذاته ـ لا يدخل في حديث الاستثناء؛ لأنه ليس بيمين حقيقةً، ويقع طلاقه إن قصد به التحقيق والتأكيد، وينفعه عموم حديث الاستثناء إن قصد يمينًا بالطلاق، ولا يقع طلاقه ـ حالتئذٍ ـ كما لا يقع طلاقه أيضًا إن قصد به التعليق وعدم الوقوع في الحال كما تقدَّم.

والعلم عند الله تعالى، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبِه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.

الجزائر في: ٣٠ من ذي القعدة ١٤٤١هـ
الـموافق ﻟ: ٢٠ جويـلـية ٢٠٢٠م



(١) أخرجه أبو داود في «كتاب الأيمان والنّذور» (٣٢٦١) باب الاستثناء في اليمين، والترمذي في «أبواب النذور والأيمان» (١٥٣١) باب ما جاء في الاستثناء في اليمين، واللفظ له، وأحمد (٤٥١٠)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، والحديث صحَّحه ابن الملقِّن في «البدر المنير» (٩/ ٤٥٢)، والألباني في «إرواء الغليل» (٢٥٧١).

(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣٥/ ٢٨٤).

(٣) انظر: «المحلى» لابن حزم (١٠/ ٢١٧)، «تحفة الفقهاء» للسمرقندي (٢/ ٢٨٩)، «الاختيار لتعليل المختار» لابن مودود (٣/ ١٤٢)، «مغني المحتاج» للشربيني (٣/ ٣٠٢)، «المغني» لابن قدامة (٧/ ٢١٦).

(٤) لا يوجد في كتب السُّنَّة بهذا اللفظ، كما سيأتي في كلام الزيلعي والحافظ ـ رحمهما الله ـ.

(٥) أخرجه ابن عدي في «الكامل» (١/ ٥٥٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (١٥١٢٣)، وهو ضعيف ـ كما سيأتي لاحقًا في المتن ـ.

(٦) انظر: «المحلى» لابن حزم (١٠/ ٢١٧)، «المغني» لابن قدامة (٧/ ٢١٦)، «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣٥/ ٢٨٤)، «القوانين الفقهية» لابن جزي (٢٢٥).

(٧) «الكافي» لابن عبد البر (٢٦٨).

(٨) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣٥/ ٢٨٤)، و«إعلام الموقعين» لابن القيم (٥/ ٤٧٩).

(٩) قال ابن القيم في «إعلام الموقعين» (٥/ ٤٧٣): «قال المُوقِعُون: قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: حدثنا خالد بن يزيد بن أسد القسري: ثنا جُميع بن عبد الحميد الجعفي، عن عطية العوفي» ثمَّ قال بعد صفحات (٥/ ٣٧٩): «وعطية ضعيف، وجميع بن عبد الحميد مجهول، وخالد بن يزيد ضعيف».

والأثر ذكره ابن الجوزي في «التحقيق في مسائل الخلاف» (٢/  ٢٩٥)، ولم يذكر إسناده، وقد قال ابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (٤/  ٤١٩): «لم يذكر المؤلِّف لهذا الحديث إسنادًا، ومثلُ هذا لا يجوز الاحتجاج به».

(١٠) «المغني» لابن قدامة (٧/ ٢١٦).

(١١) انظر المصدر السابق الجزء والصفحة نفسها.

(١٢) «التلخيص الحبير» لابن حجر (٣/ ٢١٣)، وانظر: «الدراية» لابن حجر: (٢/ ٧٢)، وقال الألباني في «إرواء الغليل» (٧/ ١٥٤): «أخرجه ابن عَدِيٍّ في «الكامل» (١٦/ ٢)، وعنه البيهقي (٧/ ٣٦١)، وقالا: «وهذا الحديث بإسناده منكر، ليس يرويه إلَّا إسحاق الكعبي»».

(١٣) «نصب الراية» للزيلعي (٣/ ٢٣٤).

(١٤) «الدراية» لابن حجر (٢/ ٧٢).

(١٥) انظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (٣٥/ ٢٨٥).